705 · ص359 · ج2
فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي، ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا وما قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام؛ فنزلت ١. وقوله: {بِالْحَقِّ} أي: متلبسا به، وذلك ما فيه من التمييز بين المؤمنين والكافرين، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالا منها، ومعناه أنها لم تكن أضغاث أحلام، ويجوز أن تكون باء القسم، ويكون قوله: {بِالْحَقِّ} قسما، إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه. {لَتَدْخُلُنَّ} جوابه، وعلى الأول:
هو جواب قسم محذوف. فإن قيل: ما وجه دخول المشيئة في أخباره سبحانه، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلنا: فيه وجوه: أن تعلقه بالمشيئة تعليما لعباده، أو هو حكاية ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقص عليهم، أو أن يريد لتدخلن جميعا. {فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا} من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل. {مِنْ دُونِ ذلِكَ} أي: من دون فتح مكة. {فَتْحاً قَرِيباً} فتح خيبر.
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)}
{بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ} بدين الإسلام {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} يريد: الأديان المختلفة. وقيل: عند نزول عيسى. وقيل: الإظهار بالحجج والآيات. {وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً} على ما وعد.
{مُحَمَّدٌ} إما خبر مبتدأ محذوف، وإما مبتدأ و {رَسُولُ اللهِ} عطف بيان، وقرئ: "رسول الله" بالنصب ٢ على المدح. {سُجَّداً} أي: من آثار ما يفعله السجود (٢٦٨ /أ) في الجبهة. {ذلِكَ} الوصف {مَثَلُهُمْ} أي: العجيب الشأن في الكتابين جميعا {كَزَرْعٍ} يريد مثلهم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: {ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ} ثم ابتدأ: {وَمَثَلُهُمْ فِي}
١ نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٣١٦) للبيهقي في دلائل النبوة في باب قصة الحديبية.
٢ تروى هذه القراءة عن ابن عامر. تنظر: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٠١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٥٠).
706 · ص360 · ج1
الهاء في {سُبْحانَهُ} في موضع خفض بالإضافة ولو ظهر ذلك المضمر مجرورا لكان في موضعه قولان: نصب أو رفع؛ لأن معنى قوله: سبحان الله: نزهت الله، أو: تنزه الله، ويترجح الثاني بقوله: {سُبْحانَهُ وَتَعالى} فيعطف عليه الفعل الماضي.
{أُمَّةً واحِدَةً} على الحق {فَاخْتَلَفُوا} فبعث الله النبيين. {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} بتأخير العذاب لعجل لهم وفرغ منهم. {وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} ولولا بمعنى هلا، أي: لو نزلت الآية لآمنا. {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها} فقال الله - تعالى: لا تحلفوا، فإن إيمانكم بتقدير نزول الآية عبث، فيجوز أن يقلّب الله الأفئدة والأبصار (٧٦ /ب) فلا تؤمنوا. ثم حقق هذا بقوله: {وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ} الآية ١ {إِذا لَهُمْ مَكْرٌ} فاجأهم المكر.
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)}
من قرأ {يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ٢ فمعناه: يفرقكم. وقوله: {حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} ليس كونهم في الفلك علة ليسيركم ولا لينشركم، لكن {حَتّى} دخلت على هذه الجملة
١ سورة الأنعام، الآية (١١١).
٢ قرأ بها ابن عامر وحده، وقرأ الباقون "يسيركم".
تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ١٣٦)، الدر المصون للسمين الحلبي (٤/ ١٦)، السبعة لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٣٨).