595 · ص358 · ج1
كمال الدين بن أحمد طاشكبرى، قاضي العسكر الكمال وصفه الذي يعزى إليه، وعين الله عليه وحواليه.
فهو لم يشب بنقص، ولم يدخل بيت مجده خبن ولا وقص.
فغدا الفلك الدوار مطية آماله، واليمن مقروناً بيمينه وانتظام الشمل معقوداً بشماله.
وقد بلغ ماؤه عشراً في عشر، وتناسب بينه وبين الفضل لفٌّ ونشر.
وهو ممن إذا قال لم يترك مقالاً لقائل، وإذا أنشا أنسى سحبان وائل.
وله تشبث بالفنون الأدبية، ونظم ونثر بالتركية والعربية.
فمن شعره العربي قوله، من أبيات كتبها لبعض الصدور:
عاصفُ الحادثات أفْنانِي ... صَرْصَرُ الدهر بَذَّ أفْنانِي
كَمَدِي آدَنِي وأعْياني ... ارحموا سادتي وأعْيانِي
وله من رسالة يعتذر فيها عن عرض أسند إليه.
إن كنته،
وما أنا في حِفْظِ الوفا متضنِّعاً ... ولا أنا للزُّورِ القبيحِ مُنمِّقُ
وأنتَ فتدري ما اقْتضتْه جِبلَّتِي ... فما أدَّعي إلاَّ وأنت تصدِّقُ
ولكنَّ دهراً قد بُلِينَا بأهله ... أباحوا به ثوبَ النِّفاق ونفَّقُوا
والذي يعلم سري وعلانيتي في جميع حالي، لم يصدر عني ذلك الأمر ولا خطر ببالي.
وهل يليق بي أن أدنس العرض بمثل ذلك العرض، وأحشر في زمرة الكاذبين يوم العرض.
ووُدِّي أنتَ تعلمُه يقيناً ... صحيحاً لا يكدَّر بالجفاءِ
فلا تسمعْ لما نقلَ الأعادِي ... وما قد نمَّقوه من افْتراءِ
محمد بن عبد الغني، قاضي العسكر نادرة الزمن، ومبدي الخفي من الدقائق والمكتمن.
تباهت أولو المعارف من الانتماء إليه، ورفرفت أرباب الشعر بأجنحة الاستفادة عليه.
فهو رأس من برع في فنه، وشعشع راح الأدب في دنه وله نزعات تقف الآراء دون تحقيق مناطها، وتعنى الألباب فلم يهتد بيانها لاستنباطها.
تتوقد نار فكره، وتبتهج بين شرب المدام وسكره.
مع لطف الشيم، الهامية الديم.
وحسن الخصال، التي عمرت بها البكر والآصال.
وقد تميز بالرياسة ناهضاً بأعبائها، وحظي من السلطنة بتقريبها واجتبائها.
ولم يعطل من راحه راحه، ولم يسكن إلا إلى دعة وراحة.
وكان يؤثر الأفراح والقصف، ويكثر من النعت للراح والوصف.
وله غزليات بالتركية، يستشفى بها الخمار، وتتعاطى عليها الأسمار.
وأما شعره العربي فلم أر له إلا هذين البيتين:
قيل إن الياقوتَ أصلٌ أصيلٌ ... لجميعِ الجواهرِ الشَّفَّافَهْ
فلهذا المُكيِّفات جميعاً ... هي فرعٌ والأصلُ فيه السُّلافَهْ
يشير إلى ما قاله التيفاشي في زهر الأفكار، في جواهر الأحجار، ناقلاً عن بلينوس: الياقوت حجر ذهبي، وجميع الأحجار غير الأجساد الذائبة، إنما انعقدت وابتدت لتكون كلها ياقوتا، كما ابتدأت الأجساد الذائبة لتكون كلها ذهبا، فأقعدتها عن الذهبية العوارض.
وكذلك الأحجار إنما ابتدأت في خلقتها لتكون ياقوتا، فأقعدتها عن الياقوتية كثرة الرطوبة وقلتها، وقلة اليبس وكثرته، فلم تكن ياقوتا، فصارت حجارة حمراء، وبيضاء، وخضراء، وصفراء، وغير ذلك من الألوان. انتهى.
مصطفى بن عزمي، قاضي العسكر الهمام البذ الفرد، الذي اقتنص المعارف اقتناص الأسد الورد.
نفث في عقد النهى بلطفه المصقول، وملك بحسن تصرفه لب المعقول والمنقول.
مع لطائف تستنطق الجماد، وبدائع لو سمعها رضوى لماد.
إلا أن نهضه كان بشأوٍ قصيرٍ بين أقرانه، وذلك دليل مواربة الدهر معه وحرانه.
وربما انعطف عليه فرغم معطسه، فيرمى على غرةٍ قلب الصواب فيقرطسه.
وهو كما شاءت العلى، يزداد تواضعا كلما علا.
وتآليفه ساجل بها صوب الغمامة، وطوق الدهر بها طوق الحمامة.
وأنا بآثاره ونظامه ونثاره أضن بأمثالها، من الدهر بمثالها.
وإني لأتشوق إلى سماع مزاياه، تشوق الصمة إلى رياه، وأبى الخطاب إلى ثرياه.
ولم أقف له من الشعر إلا على قوله:
يا نفسُ عُوذِي بالكريمِ وجُودِه ... فهو الذي يُسْدِي إلينا نِعْمتَهْ
ويُنزِّل الغيثَ الذي يروِ الرُّبَى ... من بعد ما قَنَطُوا وينْشُر رَحمتَهْ
وقوله:
للهِ من رشأٍ كتائبُ لَحْظِهِ ... أهْلَ الصَّبابة غادرتْ مَأسُورَا
596 · ص359 · ج1
ولقطْعِه صُلْبَ القلوبِ كرَوْضِها ... قد صار صارمُ لَحْظِه مكسورَا
السيد محمد بن محمود النقيب العلامة عقد الخلافة النبوية، وتاج الأسرة المستمدة النور من الأسرة العلوية.
وابن أفضل الأنام، والمستنزل بوجهه در الغمام، وخلاصة نور الوحي الملتقى ما بين فاطمة الزهراء وعليٍ الهمام.
وإذا لم يكن علويٌّ كالعلامة، في الشرف الذي كفاه على وضع العلامة.
فهو للشرف كالغاصب، وربما كان حجةً للنواصب.
فأما كرم الطبع فكما تقتضيه الأريحية، وأما لطف الخلق فكأنه منتسخٌ من أخلاق جده عليه السلام والتحية.
إلى ما حواه من البيان الفصيح واللفظ الخلوب، وحسن الأداء الذي يستدعي حب القلوب.
تتجارى فصاحته وبلاغته كفرسي رهان، فالاستدلال بهما على فضله يغني عن حجةٍ وبرهان.
وله من الآثار المتلوة، ما يلوح عليه سيماء النبوة.
فمن زهراته الطرية، وفقراته الدربة.
قوله في ديباجة رسالة وسمها باسم السلطان مراد، في تفسير آية: " الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ".
اللهم اهدني بسيارة الفكر في سموات الذكر إلى منهج اليقين، واسلب غشاوة الغباوة عن عيني حتى تبصر مدرج المتقين.
فيما بليت بدرايته، وسئلت عن روايته.
صبيحة يومٍ مجموعٍ له الناس في جامع وجوه الصالحين، به تغنى عن النبراس يستفتحون بعرمرم المسلمين.
المحاصرين حصن بغداد، محاصرة الثواقب لبروج السبع الشداد.
والجامع جامعٌ لمحاسن العرش المجيد، بجواهر التزيين وزواهر التنجيد.
ومراد الله فوقه شمسٌ طالعٌ على خط الاستوا، والأعيان الثابتة على الطبقات ثوابت السما.
والمذكر قد خرج على قومه من المحراب على سنة سيدنا زكريا، فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا.
إذ تمثل لي روح الملأ الأعلى بشراً سويا، فقام يسألني عن أشياء خفيةٍ حفيا.
على سلطانٍ مسارح سبوح، فكره ملكوت السبوح.
ومدار صبوح، ذكره مجالس الملائكة والروح.
ملكٌ ملك الآفاق لطفاً وقهرا، وسلك مسلك الاتفاق سراً وجهرا.
وخضعت لجلالته وجلادته الدهور، ونسمت بنسيم سعادته غرر الشهور كالزهور.
عمت بالأيادي يداه قبائل الشاكرين فضلاً وجودا، وهمت بنوادي نداه قوافل الذاكرين قياماً وقعوداً وسجودا.
الذي استرق رقاب السلاطين مراداً ومريدا، واستعبد ملوك الماء والطين ولم يذر مريدا.
نشر راية السلطنة الطنانة نشر عبير، وفسر حدسه آية الدولة الديانة أحسن تفسير.
لم يزل صدره مصدر الكليات، وضميره لوح الماهيات.
وما برحت راحته راحة العباد، وساحته قبلة الحاضرين والباد.
وما انفكت زجاجة قريحته الوقادة، توقد من شجرة التحقيقات العقيقية؛ وبديهته النقادة، ترتاح إلى التدقيقات المجازية والحقيقية.
وما فتىء قبول قبوله روحا يروح نخل الفضائل بروح وريحان، وما خلا بنان رسوله يقطف قطوف الفنون من الأفنان.
ينظر إلى ثمره إذا أثمر وينعه، ويشكر فضل أثره ويأمر بجمعه.
وكتب إلى إمام السلطان يوسف بن أبي الفتح الشامي، وهو بدمشق:
يا مَن علاَ بجمالِه ... وكمالهِ أعْلَى العُلَى
مِنِّي إليك تحيَّةً ... حِرْز البقا لذَوِي العُلَى
ثم ينهي على رسم أولي النهى، إلى المحل الذي خصه الحسن والبها.
أنا كنا مجهزين إليه قبل تاريخه كتاباً مكتوبا بأمداد الصدق والخلة، وخطاباً فيه شفاءٌ عن العلة والغلة.
ثم قعدنا ناظرين بم يرجع المرسل، فلم يظهر ممن رحل وقفل، وطلع وأفل، نوع أثرٍ من عين، ونغمة خبرٍ من رباب وعين.
فلعل المجهز ضاع في البين، وما ضاع نشره بين اثنتين.
وإلا فالحبيب لا محالة وثيق الوفا، سحيقٌ على شفا جرف الجفا.
فلو وصل لوصل، وما قطع عروة ما حصل.
ودمت يوسف الحقائق، موفياً كيل الدقائق.
بين متهم ومنجد، ومشئمٍ ومعرق.
وكتب على رقعة رفعت إليه من بعض الفضلاء، على يد واسطة بعض خواص الأفاضل، متضمنة لعتب حصل منه: تحضرون البيت، وتحكون الحكاية كيت وكيت.
قضية الهجر فرية الواهمة، والقطيعة من الهجران لا من أهل كاظمة.
عند الملاقاة تظهر الأمور، ولدى المصافاة يحصل شفاء الصدور.
وكتب على إجازة لبعض الحلبيين: لما تشرفت بمطالعة هذا الطامور، الفائق على هياكل النور وقلائد الحور.