← المكتبة ▭ صفحة واحدة
الإبداع في مضار الابتداع
علي محفوظ كتب عامة 1361 هـ
A− A+
261 · ص263
بها مسلم لعد مبتدعًا، وشرع الاغتسال للعيدين، كما شرع الذهاب إلى الصلاة من طريق والرجوع من أخرى، وأن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر ويتركه في الأضحى حتى يضحى، فهذه سن أيضًا أهملها الناس وقليل فاعلها وكأنه شاذ في نظرهم. ومن العادات السيئة تهاون العامة بسماع الخطبتين، فترى أكثرهم يسارع بالخروج من المسجد عقب فراغ الإمام من الصلاة، وبعضهم ينتظر الخطبة الأولى فقط، وكل ذلك ترك للسنة وفيه إعراض عن سماع الموعظة، وقد دعى إليها بدعاء الله ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكثيرًا ما يقع بقيام الناس حينئذ التهويش على الخطيب والمستمعين، وتقدم بسطه في بدع المساجد. ومن البدع اشتغالهم عقب الصلاة بزيارة الأولياء أو القبور قبل الذهاب إلى أهليهم، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج مع الصحابة إلى الصحراء لصلاة العيد، وكان يذهب من طريق ويرجع من أخرى، ولم يثبت أنه زار قبرًا في ذهابه أو إيابه مع وقوع المقابر في طريقه، بل قال في عيد الأضحى: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر، من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا" متفق عليه، وهذا من تلبيس الشيطان، فإنه لا يأمر بترك سنة حتى يعوض لهم عنها شيئًا يخيل إليهم أنه قربة، فعوض لهم عن سرعة الأوبة إلى الأهل زيارة القبور، وزين لهم أن ذلك في هذا اليوم من البر وزيادة الود لهم، وفى زيارة القبور في غير هذا اليوم ما لا يعد من البدع والمحرمات، فكيف بها في هذا اليوم الذى أرسلت فيه الشهوات وانتهكت الحرمات؟ واختلف في التهنئة بالعيد والأشهر والأعوام، قيل: بدعة، وقيل: مباحة، لا سنة فيها ولا بدعة واختار الحافظ ابن حجر أنها مندوبة، فقد وردت في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، أخبار وآثار ضعيفة يعمل بمجموعها في مثل ذلك ومشروعية التعزية تدل على عموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يزول من نقمة. ومن البدع التهاون بأمر الأضحية، فمنهم من يتركها ومن لم يتركها يأتى بها على غير الوجه المشروع فيها وهى أهم ما شرع في عيد الأضحى حتى قيل بوجوبها، فمنهم من يذبح يوم عرفة أو ليلة العيد أو فجر يوم
262 · ص264
النحر أو عند طلوع الشمس وكل ذلك خلاف المشروع لما في الصحيحين: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء"، ومنهم من لا يراعى السن المجزئة فيها والصفات المعتبرة، ويأنفون من مباشرة الذبح، ومنهم من لا يحسنه وقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعند عدم المباشرة لا يوكل الغير، ويأنف من حضور الأضحية، والسنة إذا لم يباشرها أن يحضرها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة رضي الله عنها: "قومى إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك" رواه البزار وابن حبان. وعلى الجملة: من تتبع أحوال الناس في العيدين يعلم أنهم تبدعوا فيها كثيرًا، وتلاعبت بهم الأهواء حتى خرجوا بهما عن الحد المشروع فيهما، وجعلوهما أيام لعب، وأكثروا فيهما من المخازى والمنكرات وشرب الخمور وحضور الملاهى والعكوف على أماكن الفسوق والفجور. ومن البدع تهافت الرجال والنساء فيهما على زيارة القبور، وتواطؤ الجميع على البيات فيها ويتكلفون لذلك ما لا يرضاه الشرع وينتهكون حرمات الله، وما ينال الموتى من الإيذاء فوق ما يصل إليهم، وأنى تصل إليهم رحمة من هؤلاء وإنما يتقبل الله من المتقين؟ وقد سبق بسط هذا في بدع المقابر والأضرحة وبالله تعالى التوفيق. * * * العِيد الثَّالث يَوم الجُمُعَة وَمَا أحَدَث فيه من الأعياد التى اعتبرها الشارع ورغَّب الناس فيها يوم الجمعة، شرع لهم فيه أنواع العبادة من الذِّكْر وقراءَة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء والاغتسال والسواك والطيب وإزالة الشعر والظفر ولبس أحسن الثياب والتبكير إلى المساجد، (فقد) أخرج ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمس مند، وعليكم بالسواك"، وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: