← المكتبة ▭ صفحة واحدة
حجة الله البالغة
الدهلوي، شاه ولي الله الفقه العام 1176 هـ
A− A+
595 · ص320 · ج1
وَلَا يبعد أَن يكون جبر يل أخر الْمغرب فِي الْيَوْم الثَّانِي قَلِيلا جدا لقصر وقته فَقَالَ الرَّاوِي: صلى الْمغرب فِي يَوْمَيْنِ فِي وَقت وَاحِد إِمَّا لخطأ فِي اجْتِهَاده أَو بَيَانا لغاية الْقلَّة وَالله أعلم. وَكثير من الْأَحَادِيث يدل على أَن آخر وَقت الْعَصْر أَن تَتَغَيَّر الشَّمْس، وَهُوَ الَّذِي أطبق عَلَيْهِ الْفُقَهَاء، فَلَعَلَّ المثلين بَيَان لآخر الْوَقْت الْمُخْتَار، وَالَّذِي يسْتَحبّ فِيهِ، أَو نقُول: لَعَلَّ الشَّرْع نظر أَولا إِلَى أَن الْمَقْصُود من اشتقاق الْعَصْر أَن يكون الْفَصْل بَين كل صَلَاتَيْنِ نَحوا من ربع النَّهَار، فَجعل الأمد الآخر بُلُوغ الظل إِلَى المثلين، ثمَّ ظهر من حوائجهم وأشغالهم مَا يُوجب الحكم بِزِيَادَة الأمد، وَأَيْضًا معرفَة ذَلِك الْحَد تحْتَاج إِلَى ضرب من التَّأَمُّل وَحفظ للفيء الْأَصْلِيّ ورصد، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُخَاطب النَّاس فِي مثل ذَلِك بِمَا هُوَ محسوس ظَاهر، فنفث الله فِي روعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يَجْعَل الأمد تغير قرص الشَّمْس أَو ضوئها، وَالله أعلم. وَوقت الِاسْتِحْبَاب الَّذِي يسْتَحبّ أَن يُصَلِّي فِيهِ وَهُوَ أَوَائِل الْأَوْقَات إِلَّا الْعشَاء فالمستحب الْأَصْلِيّ تَأْخِيرهَا لما ذكرنَا من الْوَضع الطبيعي، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم أَن يؤخروا الْعشَاء " وَلِأَنَّهُ أَنْفَع فِي تصفية الْبَاطِن من الأشغال المنسية ذكر الله وأقطع لمادة السمر بعد الْعشَاء لَكِن التَّأْخِير رُبمَا يُفْضِي إِلَى تقليل الْجَمَاعَة وتنفير الْقَوْم. وَفِيه قلب الْمَوْضُوع. فَلهَذَا كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا كثر النَّاس عجل، وَإِذا قلوا أخر - وَالْأَظْهَر الصَّيف - وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذا اشْتَدَّ الْحر فأبردوا بِالظّهْرِ فان شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم " أَقُول: مَعْنَاهُ مَعْدن الْجنَّة وَالنَّار هُوَ مَعْدن مَا يفاض فِي هَذَا الْعَالم من الكيفيات الْمُنَاسبَة والمنافرة وَهُوَ تَأْوِيل مَا ورد فِي الْأَخْبَار فِي الهندبا وَغَيره. قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أسفروا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أعظم لِلْأجرِ " أَقُول: هَذَا الْخطاب لقوم خَشوا تقليل الْجَمَاعَة جدا أَن ينتظروا إِلَى الْأَسْفَار أَو لأهل الْمَسَاجِد الْكَبِيرَة الَّتِي تجمع الضُّعَفَاء وَالصبيان وَغَيرهم كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيّكُم صلى بِالنَّاسِ فليخفف فَإِنَّهُ فيهم الضَّعِيف " الحَدِيث أَو مَعْنَاهُ طولوا الصَّلَاة حَتَّى يَقع آخرهَا فِي وَقت الْأَسْفَار لحَدِيث أبي بَرزَة كَانَ يَنْفَتِل فِي صَلَاة الْغَدَاة حِين يعرف الرجل
596 · ص320 · ج2
الْكَافرين بالانهزام كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} . وَقَالَ الله تَعَالَى: {جند مَا هُنَالك مهزوم من الْأَحْزَاب} . ثمَّ ازدادوا فِي التعصب فتقاسموا على إِيذَاء الْمُسلمين وَمن وليهم من بني هَاشم وَبني الْمطلب فهدوا إِلَى الْهِجْرَة قبل الْحَبَشَة فوجدوا سَعَة قبل السعَة الْكُبْرَى. وَلما مَاتَت خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا وَمَات أَبُو طَالب عَمه وَتَفَرَّقَتْ كلمة بني هَاشم فزع لذَلِك وَكَانَ قد نفث فِي صَدره أَن علو كَلمته فِي الْهِجْرَة نفثا إجماليا فَتَلقاهُ برويته وفكره فَذهب وهله إِلَى الطَّائِف. وَإِلَى هجر. وَإِلَى الْيَمَامَة. وَإِلَى كل مَذْهَب، فاستعجل وَذهب إِلَى الطَّائِف فلقي عناء شَدِيدا، ثمَّ إِلَى بني كنَانَة فَلم ير مِنْهُم مَا يسره فَعَاد إِلَى مَكَّة بِعَهْد زَمعَة وَنزل {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته} . قَالَ: أمْنِيته أَن يتَمَنَّى إنجاز الْوَعْد فِيمَا يتفكره من قبل نَفسه وإلقاء الشَّيْطَان أَن يكون خلاف مَا أَرَادَ الله ونسخه كشف حَقِيقَة الْحَال وإزالته من قلبه. وَأسرى بِهِ إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى، ثمَّ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى، وَإِلَى مَا شَاءَ الله، وكل ذَلِك لجسده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَة وَلَكِن ذَلِك فِي موطن هُوَ برزخ بَين الْمِثَال وَالشَّهَادَة جَامع لأحكامهما فَظهر على الْجَسَد أَحْكَام الرّوح وتمثل الرّوح والمعاني الروحية أجسادا، وَلذَلِك بَان لكل وَاقعَة من تِلْكَ الوقائع تَعْبِير، وَقد ظهر لحزقيل. ومُوسَى. وَغَيرهمَا عَلَيْهِمَا السَّلَام نَحْو من تِلْكَ الوقائع وَكَذَلِكَ لأولياء الْأمة ليَكُون علو درجاتهم عِنْد الله كحالهم فِي الرُّؤْيَا وَالله أعلم. أما شقّ الصَّدْر وملؤه إِيمَانًا فحقيقته غَلَبَة أنوار الملكية وانطفاء لَهب الطبيعة وخضوعها لما يفِيض عَلَيْهَا من حَظِيرَة الْقُدس. وَأما ركُوبه على الْبراق فحقيقته اسْتِوَاء نَفسه النطقية على نسمته الَّتِي هِيَ الْكَمَال الحيواني فَاسْتَوَى رَاكِبًا على الْبراق كَمَا غلبت أَحْكَام نَفسه النطقية على البهيمية وتسلطت عَلَيْهَا. وَأما إسراؤه إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَلِأَنَّهُ مَحل ظُهُور شَعَائِر الله ومتعلق همم الْمَلأ الْأَعْلَى ومطمح أنظار الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فَكَأَنَّهُ كوَّة إِلَى الملكوت. وَأما ملاقاته مَعَ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم ومفاخرته مَعَهم فحقيقتها اجْتِمَاعهم من حَيْثُ ارتباطهم بحظيرة الْقُدس وَظُهُور مَا اخْتصَّ بِهِ من بَينهم من وُجُوه الْكَمَال.