261 · ص129
الشافعي- في قوله - عز وجل -: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: ٢٠٤] «فهذا -عِندَنا- على القراءة التي تُسْمَع خَاصَّة، فكيف يُنْصَتُ لِمَا لا يُسْمَع؟ » ١.
وهذا قولٌ كان يذهبُ إليه، ثم رَجَع عنه في آخر عُمُره، وقال:
يَقرَأ بفَاتِحَة الكتاب، في نَفْسِه، في سَكْتَة الإمَام.
قال أصحابنا: «ليكُونَ جامِعًا بين الاستماع: بالكتاب ٢، وبين قراءة الفاتحة: بالسُّنَّة».
وإن قرأ مع الإمام، ولم يرفع بها صوتَه، لم تَمنعْه قراءتُه في نفسه، مِن الاستماع لقراءة إمامه؛ فإنما أُمِرنا بالإنصات عَن الكلام، وما لا يجوز في الصلاة».
وهو مذكور بدلائله، في غير هذا الموضع.
وقرأت في «كتاب السُّنَن» رواية حَرْمَلة، عن الشافعي - رحمه الله - قال: قال الله تبارك وتعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)} [البقرة]. قال الشافعي: مَن خُوطِبَ بالقُنوتِ مُطْلَقًا، ذَهَب إلى أنه قيامٌ في الصَّلَاة؛ وذلك أَنَّ القُنوتَ قِيامٌ لِمَعنى طاعَةِ اللهِ - عز وجل -، وإذا كان هكذا، فهو مَوضِعُ كَفٍّ عن قِرَاءَةٍ، وإذا كان هكذا، أَشْبَه أن يكونَ قيامًا في صلاةٍ لدعاء، لا قراءة، فهذا أَظْهَرُ مَعانِيه، وعليه دِلالَةُ السُّنة، وهو أَوْلى المعاني أن يُقَال به -عندي- واللَّهُ أَعْلَمُ.
١ ينظر «السنن الكبير للبيهقي» (٤/ ٩)، و «القراءة خلف الإمام» له (ص ١١٢).
٢ كلمة (الكتاب) سقطت من «د»، و «ط».
262 · ص130
قال الشافعي - رحمه الله -: وقد يَحْتَمِلُ القُنوتُ: القِيامَ كُلَّه في الصلاة.
وروي عن عُبَيد بن عُمَيْر: «قيل: أيُّ الصلاةِ أفضل؟ قال: طُولُ القُنُوتِ» ١.
وقال طاووس: «القنوت، طاعة الله - عز وجل -» ٢.
وقال الشافعي - رحمه الله -: «وما وصفتُ من المعنى الأول، أَوْلى المَعَانِي به واللَّهُ أَعْلَمُ».
قال: «فلما كان القنوت بَعضُ القِيَامِ دُونَ بَعْضٍ، لم يَجُز واللَّهُ أَعْلَمُ أن يكون إلا ما دَلَّت عليه السُّنة مِن القُنُوت للدعاء، دون القراءة».
قال: واحتمل قول الله - عز وجل -: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)} [البقرة]: قانتين في الصلاةِ كُلِّها، وفي بعضِها دونَ بعض، فلما قَنَت رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الصَّلاة، ثم ترك القُنوتَ في بَعْضِها، وحُفِظَ عنه القُنُوتُ في الصبح خَاصَّة = دَلَّ هذا على أنه إن كان اللهُ أَرَادَ بالقنوتِ القُنوتَ في الصلاة قائِمًا، أراد به خاصًّا، واحتمل أن يكونَ في الصلوات في النَّازِلَة، واحتمل طولُ القنوت: طول القيام، واحتمل القنوت طاعة الله واحتمل السُّكات ٣».
قال الشَّافعيُّ: فلا أُرَخِّصُ في تَرك القنوت فى الصبح، بِحَال؛ لأنه إن كان
١ أخرجه أبو داود (١٣٢٥)، والنسائي (٢٥٢٦)، وأحمد (١٥٤٠١)، وغيرهم من حديث عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حُبشي الخثعمي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل، أي الأعمال الأفضل، فذكره.
٢ أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ١١٦) من طريق عبد الله بن طاووس، عن أبيه.
٣ في «م» (السكت).