261 · ص261
فيها كشف لجانب من جوانب سوء صنيعهم واختيارهم وإعراضهم عن اختيار الله - سبحانه وتعالى - لهم، وكيف أنّهم فيما يذهبون إليه مع مقتضى اختيار عقولهم ساقطون في سوء العقبى، ففي القرن بين الخبرين مراعاة نظير، وفي هذا موعظة للمتقين أن يكون منهم انتهاج ما انتهج أولئك المعاندون من بني إسرائيل
***
وإذا ما كان البقاعيّ قد نظر في منزل قصة "البقرة" في السياق الترتيليّ من سورة البقرة فإنّه ينظر في نسق النظم الترتيبي لأحداثها فيرى أنَّ نظمها الترتيبي للأحداث لم يكن على نسق ترتيب تلك الأحداث في الوجود زمن وقوعها، وأن ذلك لمقتضى من الغرض المنصوب له الكلام.
يقول: " لمَّا قسمت القصة شطرين تنبيهًا على النعمتين:
نعمة العفو عن التوقف عن الأمر
ونعمة البيان للقاتل بالأمر الخارق
وتنبيهًا على أنَّ لهم بذلك تقريعين:
أحدهما بإساءة الأدب في الرمي بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال
والثاني على قتل النفس وما تبعه
ولو رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك
وقدّم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه الآخر " (١)
كان مقتضى الظاهر أن يبدأ القصّ بقوله - جل جلاله -: {وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ... } (البقرة ٧٢) وأن يكون من بعده {وإذْ قِالِ مُوسَى لِقَومِهِ....} (البقرة:٦٧) ولكنه قدَّم مقالة نبيِّهم لهم وما كان منهم لما اقتضاه المقام ومراعاة النظائر وتقديمًا لتقريعهم على إساءة الأدب وتوقفهم عن الامتثال، وهو ناظر إلى قوله - سبحانه وتعالى -: {ومَوعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} ليتقي كلّ مسلم انتهاج سبيلهم في حياتهم، فليس من الاقتداء بهم إلا مَعرَّة الدنيا ومذلة الآخرة
القول في القصص القرآنيّ وما فيه من نظم ترتيبي للأحداث ومواقع ذلك القصص في سياق السورة وسيع مجاله لايكاد مثلى يستوعب الإشارة مجرد الإشارة إلى كثيرًا منه, ولا سيّما في هذا المقام.
(١) - نظم الدرر ١/٤٧٤
262 · ص262
والقول في النظم الترتيبيّ للقصص القرآنيّ جانب من جوانب القصص القرآنيّ الحكيم، فإنّ جوانبه عديدة منها تصريف البيان عن مشاهد القصص وأحداثه
ومنها المعاني القرآنية: الجمهورية والإحسانية التي جاءت في القصص القرآنيّ ووجه الإعجاز فيها
ومنها فرائد القصص القرآني: المشاهد التي لم يثنّ ذكرها ولم يصرف البيان عنها، والكلمات التي لم تأت إلامرة واحدة فيه أو في القرآن الكريم كلّه
ومنها معجم القصص القرآنيّ، والفروق الدلالية
وفوق هذا خصائص النظم التركيبي ومناهج التصوير والتحبير في البيان القصصي في القرآن الكريم....إلخ
هذه أبواب وسيعة وقمماميس تدبُّر بيانِيٍّ لايحاط بها، فضلا عن أن تحصى أسرارها، إذ أنها من أجلّ النعم الربَّانية:
{وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللهِ لاتُحْصُوهاإنّ الله لغفورٌ رحيمٌ} (النحل:١٨)
*****
المعلم الثَّامن.
بيانُ النَّظمِ التَّرتِيبي للجُملِ في بناء الآية القرآنية
من البيّن أن من مناهج البيان القرآني الكريم تفصيل سوره إلى آيات، وهذه الآيات لم يكن تفصيلها وتعيين مطلع تلاوتها ومقطعها قائما على أساس لغويّ بيانيّ،لتنظر قول الله - سبحانه وتعالى -:
{أَرَأيْتَ الَّذي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى} (العلق:٩-١٠)
جعل الحقُّ - جل جلاله - مطلعَ تلاوة الآية الثانية مفعولَ الفعل الذي جعله مقطع تلاوة الآية السابقة عليها، مما يدلُّ على أنّ الأمرَ ليس مردُّه إلى معيارٍ لسانيّ، وإن كان مثل هذا ليس بالغالب على تفصيل السورة إلى آيات، ولاسيّما الآيات التي تبسط، فتكوّن من جمل عدّة قد تكون فيما بينها علائق نحوية وقد تكون علائق سياقية.
للبقاعيّ عناية ماجدة بتأويل النظم الترتيبي للجمل في بناء الآية، ولاسيَّما الآيات الممتدّة التي تنزل فيها الجملة النحويّة من الآية منزلة الكلمة من الجملة.