المرابحة

الحنفية

المبسوط اقرأ →
بَابُ الْمُرَابَحَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِنَسِيئَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَسِيئَةٍ ; لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ بَيْعُ أَمَانَةٍ تَنْفِي عَنْهُ كُلَّ تُهْمَةٍ وَجِنَايَةٍ ، وَيُتَحَرَّزُ فِيهِ مِنْ كُلِّ كَذِبٍ وَفِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ شُبْهَةٌ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ ثُمَّ الْإِنْسَانُ فِي الْعَادَةِ يَشْتَرِي الشَّيْءَ بِالنَّسِيئَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَشْتَرِي بِالنَّقْدِ فَإِذَا أَطْلَقَ الْإِخْبَارَ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّمَا يَفْهَمُ السَّامِعُ مِنْ الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ فَكَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَالْمُخْبِرِ بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ ، وَذَلِكَ جِنَايَةٌ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُؤَجَّلَ نَقَصَ فِي الْمَالِيَّةِ مِنْ الْحَالِّ ; وَلِهَذَا حَرَّمَ الشَّرْعُ النِّسَاءَ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ لِلْفَضْلِ الْخَالِي عَنْ الْمُقَابَلَةِ حُكْمًا فَإِذَا بَاعَهُ وَكَتَمَ ذَلِكَ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إذَا عَلِمَ بِالتَّدْلِيسِ الْمَوْجُودِ مِنْ الْبَائِعِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا الْتَزَمَ رِبْحًا بِنَاءً عَلَى خَبَرِهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ بِكَذَا مِنْ الثَّمَنِ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِالنَّسِيئَةِ لَمْ يَرْغَبْ فِي شِرَائِهِ بِالنَّقْدِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ فَضْلًا مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُ عَلَى ذَلِكَ رِبْحًا فَلِحَاجَتِهِ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ أَثْبَتْنَا لَهُ الْخِيَارَ ، كَمَا إذَا وَجَدَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ دُونَ مَا شَرَطَ الْبَائِعُ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ اسْتَهْلَكَ الْمَبِيعَ فَالْمَبِيعُ لَهُ لَازِمٌ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ .
وَمُجَرَّدُ الْخِيَارِ إذَا سَقَطَ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ بِسَبَبِهِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرُدُّ قِيمَةَ الْمَبِيعِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّهُ جَوَّزَ فَسْخَ الْعَقْدِ بِسَبَبِ التَّحَالُفِ عَلَى الْقِيمَةِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ ، وَجَعَلَ رَدَّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ كَرَدِّ الْعَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى فِي الثَّمَنِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ تَحَقُّقُ الْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي ، وَهَذَا بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالْمُسْتَحَقُّ لِلْمُشْتَرِي هُنَاكَ الْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ وَلِهَذَا يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ إذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ وَهُنَا الثَّابِتُ لَهُ مُجَرَّدُ الْخِيَارِ وَالْخِيَارُ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَهْلَكَ بَعْضَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ لِمَا قُلْنَا : إنَّ الْمَبِيعَ سَلِمَ لَهُ كَمَا اسْتَحَقَّهُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَجَلُ مَشْرُوطًا ، وَإِنَّمَا كَانَ مُعْتَادًا كَمَا هُوَ الرَّسْمُ بَيْنَ الْبَاعَةِ أَنْ 79 يُودِيَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ مُنَجَّمًا فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ نَجْمًا فَقَدْ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْفَصْلِ قَالَ : بَعْضُهُمْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ حَالٌّ وَبِأَنْ سَامَحَهُ الْبَائِعُ وَاسْتَوْفَى الثَّمَنَ مِنْهُ مُنَجَّمًا لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ بِالنَّصِّ ، وَلَوْ كَانَ الْأَجَلُ مَشْرُوطًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُتَعَارَفًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَرَثَةَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ تُسْتَحَقُّ بِالْعُرْفِ وَتُجْعَلُ كَالْمَشْرُوطِ فَهَذَا قِيَاسُهُ

المالكية

المدونة اقرأ →
238 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْمُرَابَحَةِ مَا لَا يُحْسَبُ فِي الْمُرَابَحَةِ مِمَّا يُحْسَبُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْبُرِّ : يُشْتَرَى فِي بَلَدٍ فَيُحْمَلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ ؟
قَالَ مَالِكٌ : أَرَى أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَيْهِ أَجْرُ السَّمَاسِرَةِ وَلَا النَّفَقَةُ وَلَا أَجْرُ الشَّدِّ وَلَا أَجْرُ الطَّيِّ وَلَا كِرَاءُ بَيْتٍ فَأَمَّا كِرَاءُ الْحُمُولَةِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ وَلَا يُجْعَلُ لِكِرَاءِ الْمَحْمُولَةِ رِبْحٌ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ مَنْ يُسَاوِمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنْ رَبِحُوهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَتُحْمَلُ الْقِصَارَةُ عَلَى الثَّمَنِ وَالْخِيَاطَةُ وَالصَّبْغُ وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا الرِّبْحُ كَمَا يُحْمَلُ عَلَى الثَّمَنِ ، فَإِنْ بَاعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتُ لَك أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ فِيهِ الرِّبْحُ وَفَاتَ الْمَتَاعُ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يُحْسَبُ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ رِبْحٌ ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْمَتَاعُ فَالْبَيْعُ بَيْنَهُمَا مَفْسُوخٌ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا .
قُلْتُ : أَرَأَيْتَ الْحَيَوَانَ إذَا اشْتَرَيْتَهَا أَوْ الرَّقِيقَ فَأَنْفَقْتَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ بِعْتَهُمْ مُرَابَحَةً أَأَحْسِبُ نَفَقَتَهُمْ أَمْ لَا ؟
قَالَ : نَعَمْ تَحْسِبُ نَفَقَتَهُمْ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَا أَرَى لَهُ رِبْحًا .
قُلْتُ : أَرَأَيْتَ مَا أَنْفَقَ التَّاجِرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي شِرَاءِ السِّلْعَةِ هَلْ تُحْسَبُ نَفَقَتُهُ فِي رَأْسِ مَالِ تِلْكَ السِّلَعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا ؟
قَالَ : لَا يُحْسَبُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِ تِلْكَ السِّلَعِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ بَاعَ الْعَامِلُ مَتَاعًا مُرَابَحَةً مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا شَيْئًا .