المسح على الخفين
الحنفية
المبسوط
اقرأ →
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ( اعْلَمْ ) أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ فَقَدْ اُشْتُهِرَ فِيهِ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا وَفِعْلًا . مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ { تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَكُنْت أَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ فَأَخْرُج يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقُلْت نَسِيتَ غَسَلَ الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ لَا بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي } . وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ { جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ لَهُ أَكَانَ ذَلِكَ بَعْد نُزُولِ الْمَائِدَةِ فَقَالَ وَهَلْ أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ } وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَإِنَّمَا قَالَ : هَذَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . 98 رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : سَلُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرْوُونَ الْمَسْحَ هَلْ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَاَللَّهِ مَا مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَلَأَنْ أَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ عَنْزٍ فِي الْفَلَاةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ عَنْهُ عَلَى مَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمْ يَمُتْ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حَتَّى اتَّبَعَ أَصْحَابَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَأَنْ تُقْطَعَ قَدَمَايَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهَا عَنْهُ عَلَى مَا رَوَى { شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ لَا أَدْرِي سَلُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ سَفَرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ } . وَفِي رِوَايَةٍ سَمِعْت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَقَالَتْ هُوَ أَعْلَمُ } .
وَلِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ; لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ . وَهُوَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي حَقِّ الْمُسَافِرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا } وَعَنْ { ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خَرَجْت إلَى الْعِرَاقِ فَرَأَيْت سَعْدًا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقُلْت مَا هَذَا فَقَالَ إذَا رَجَعْت إلَى أَبِيك فَسَلْهُ فَسَأَلْت أَبِي فَقَالَ عَمُّك أَفْقَهُ مِنْك رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَسَمِعْته يَقُولُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا } وَلِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَذَلِكَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ; لِأَنَّهُ يَلْبَسُ خُفَّيْهِ حِينَ يُصْبِحُ وَيَخْرُجُ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى بَيْتِهِ لَيْلًا ، وَالْمُسَافِرُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالنَّزْعِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فَقُدِّرَ فِي حَقِّهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ إذْ لَا نِهَايَةَ لِأَكْثَرِهِ . وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ الْمَسْحُ مُؤَبَّدٌ لِلْمُسَافِرِ لِحَدِيثِ { عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقُلْت : يَوْمَيْنِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ حَتَّى انْتَهَيْت إلَى سَبْعَةِ 99 أَيَّامٍ فَقَالَ : إذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَامْسَحْ مَا بَدَا لَك } وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْحَ مُؤَبَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنْ يُنْزَعَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالْأَخْبَارُ الْمَشْهُورَةُ لَا تُتْرَكُ بِهَذَا الشَّاذِّ وَكَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : لَا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ أَصْلًا وَيَمْسَحُ الْمُسَافِرُ مَا بَدَا لَهُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : وَفَدْت عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ الشَّامِ فَقَالَ : مَتَى عَهْدُك بِالْخُفِّ ؟ فَقُلْت مُنْذُ أُسْبُوعٍ . قَالَ : أَصَبْت . وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ أَوَّلِ اللُّبْسِ وَخُرُوجِهِ مُسَافِرًا لَا أَنَّهُ لَمْ يَنْزِعْ بَيْنَ ذَلِكَ . ثُمَّ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ ; لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْحَدَثُ وَاسْتِتَارُ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ يَمْنَعُ سِرَايَة الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَمَا هُوَ مُوجِبُ لُبْسِ الْخُفِّ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَدَثِ فَلِهَذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللُّبْسِ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ وَلَمْ يُصَلِّ أَيَّامًا لَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ الْعَدْلُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ .
وَلِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ; لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ . وَهُوَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي حَقِّ الْمُسَافِرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا } وَعَنْ { ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ خَرَجْت إلَى الْعِرَاقِ فَرَأَيْت سَعْدًا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقُلْت مَا هَذَا فَقَالَ إذَا رَجَعْت إلَى أَبِيك فَسَلْهُ فَسَأَلْت أَبِي فَقَالَ عَمُّك أَفْقَهُ مِنْك رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَسَمِعْته يَقُولُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا } وَلِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَذَلِكَ مُؤَقَّتٌ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ; لِأَنَّهُ يَلْبَسُ خُفَّيْهِ حِينَ يُصْبِحُ وَيَخْرُجُ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى بَيْتِهِ لَيْلًا ، وَالْمُسَافِرُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالنَّزْعِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فَقُدِّرَ فِي حَقِّهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ إذْ لَا نِهَايَةَ لِأَكْثَرِهِ . وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ الْمَسْحُ مُؤَبَّدٌ لِلْمُسَافِرِ لِحَدِيثِ { عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقُلْت : يَوْمَيْنِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ حَتَّى انْتَهَيْت إلَى سَبْعَةِ 99 أَيَّامٍ فَقَالَ : إذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَامْسَحْ مَا بَدَا لَك } وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْحَ مُؤَبَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنْ يُنْزَعَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالْأَخْبَارُ الْمَشْهُورَةُ لَا تُتْرَكُ بِهَذَا الشَّاذِّ وَكَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : لَا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ أَصْلًا وَيَمْسَحُ الْمُسَافِرُ مَا بَدَا لَهُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : وَفَدْت عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ الشَّامِ فَقَالَ : مَتَى عَهْدُك بِالْخُفِّ ؟ فَقُلْت مُنْذُ أُسْبُوعٍ . قَالَ : أَصَبْت . وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ أَوَّلِ اللُّبْسِ وَخُرُوجِهِ مُسَافِرًا لَا أَنَّهُ لَمْ يَنْزِعْ بَيْنَ ذَلِكَ . ثُمَّ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ ; لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْحَدَثُ وَاسْتِتَارُ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ يَمْنَعُ سِرَايَة الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَمَا هُوَ مُوجِبُ لُبْسِ الْخُفِّ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَدَثِ فَلِهَذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللُّبْسِ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ وَلَمْ يُصَلِّ أَيَّامًا لَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ الْعَدْلُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ .
المبسوط
اقرأ →
( بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ) ( قَالَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَوْ أَنَّ مُسْتَحَاضَةً تَوَضَّأَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَلَمَّا صَلَّتْ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : فِي وَجْهٍ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَغْسِلَ قَدَمَيْهَا وَتَسْتَقْبِلَ الصَّلَاة ، وَفِي وَجْهٍ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهَا وَتَسْتَقْبِلَ الصَّلَاةَ ، وَفِي وَجْهٍ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهَا وَتَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهَا ، أَمَّا بَيَانُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ سَائِلٌ وَلَبِسَتْ الْخُفُّ فَإِنَّ هَذَا اللُّبْسَ حَصَلَ عَلَى طَهَارَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْوَقْتِ غَيْرِ مُعْتَبَرَةٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَتَنْتَقِضُ طَهَارَتُهَا عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالْحَدَثِ الْمُقَارِنِ لِلْوُضُوءِ وَكَانَ ذَلِكَ سَابِقًا عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ .
وَالْأَصْلُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُصَلِّي مَتَى انْتَقَضَتْ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أَبْصَرَ الْمَاءَ فَلِهَذَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَغْسِلَ قَدَمَيْهَا وَتَسْتَقْبِلَ الصَّلَاةَ .
وَبَيَانُ الْوَجْهِ الثَّانِي فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَهُنَا اللُّبْسُ حَصَلَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ وَلَكِنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِسَيَلَانٍ كَانَ فِي الْوَقْتِ فَقَدْ أَدَّتْ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَبَقِ الْحَدَثِ وَذَلِكَ يَمْنَعُهَا مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ .
وَبَيَانُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ ثُمَّ لَمْ يَسِلْ الدَّمُ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَهَهُنَا طَهَارَتُهَا إنَّمَا تَنْتَقِضُ بِالْحَدَثِ لَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا أَدَاءُ جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ فَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَبْنِي عَلَى صَلَاتِهَا وَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ; لِأَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ .
وَلَوْ لَمْ يَسِلْ الدَّمُ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ صَلَاتِهَا ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَصَلَاتُهَا تَامَّةٌ ; لِأَنَّهَا أَدَّتْ الصَّلَاةَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ تَوَضَّأَتْ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا أَنَّ الدَّمَ كَانَ مُنْقَطِعًا حِينَ تَوَضَّأَتْ وَلَمْ يَسِلْ بَعْدَ ذَلِكَ 135 حَتَّى دَخَلَ وَقْتٌ آخَرُ فَإِنَّ طَهَارَتَهَا لَمْ تَنْتَقِضْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَإِنَّمَا تَنْتَقِضُ بِسَيَلَانِ الدَّمِ فَلَا يَنْفَعُهَا الْوُضُوءُ الْمُتَقَدِّمُ لِهَذَا السَّيَلَانِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا حِينَ تَوَضَّأَتْ ثُمَّ انْقَطَعَ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتٌ آخَرُ فَتَوَضَّأَتْ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا وُضُوءٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُ قَدْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَإِنَّهَا تَوَضَّأَتْ وَالْوُضُوءُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُهَا وُضُوءٌ آخَرُ بِسَيَلَانِ الدَّمِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ .
وَالْأَصْلُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُصَلِّي مَتَى انْتَقَضَتْ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أَبْصَرَ الْمَاءَ فَلِهَذَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَغْسِلَ قَدَمَيْهَا وَتَسْتَقْبِلَ الصَّلَاةَ .
وَبَيَانُ الْوَجْهِ الثَّانِي فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَهُنَا اللُّبْسُ حَصَلَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ وَلَكِنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِسَيَلَانٍ كَانَ فِي الْوَقْتِ فَقَدْ أَدَّتْ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَبَقِ الْحَدَثِ وَذَلِكَ يَمْنَعُهَا مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ .
وَبَيَانُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ ثُمَّ لَمْ يَسِلْ الدَّمُ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَهَهُنَا طَهَارَتُهَا إنَّمَا تَنْتَقِضُ بِالْحَدَثِ لَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا أَدَاءُ جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ فَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَبْنِي عَلَى صَلَاتِهَا وَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ; لِأَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ .
وَلَوْ لَمْ يَسِلْ الدَّمُ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ صَلَاتِهَا ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَصَلَاتُهَا تَامَّةٌ ; لِأَنَّهَا أَدَّتْ الصَّلَاةَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ تَوَضَّأَتْ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا أَنَّ الدَّمَ كَانَ مُنْقَطِعًا حِينَ تَوَضَّأَتْ وَلَمْ يَسِلْ بَعْدَ ذَلِكَ 135 حَتَّى دَخَلَ وَقْتٌ آخَرُ فَإِنَّ طَهَارَتَهَا لَمْ تَنْتَقِضْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَإِنَّمَا تَنْتَقِضُ بِسَيَلَانِ الدَّمِ فَلَا يَنْفَعُهَا الْوُضُوءُ الْمُتَقَدِّمُ لِهَذَا السَّيَلَانِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا حِينَ تَوَضَّأَتْ ثُمَّ انْقَطَعَ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتٌ آخَرُ فَتَوَضَّأَتْ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا وُضُوءٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُ قَدْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَإِنَّهَا تَوَضَّأَتْ وَالْوُضُوءُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُهَا وُضُوءٌ آخَرُ بِسَيَلَانِ الدَّمِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ .
فتح القدير
اقرأ →
143 بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ( الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ ) وَالْأَخْبَارُ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ حَتَّى قِيلَ إنَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا 144 لَكِنَّ مَنْ رَآهُ ثُمَّ لَمْ يَمْسَحْ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا ، وَيَجُوزُ 145 ( مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ ) خَصَّهُ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا مَسْح مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا ، وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا لَبِسَتْ عَلَى السَّيَلَانِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ 146 وَالْمُتَيَمِّمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ كَانَ رَافِعًا . وَقَوْلُهُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكَمَالِ وَقْتَ اللِّبْسِ بَلْ وَقْتَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا ، حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ 147 فَيُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْمَنْعِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا ( وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا } قَالَ ( وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ ) لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ 261 أَخَّرَهُ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ . وَهُوَ لُغَةً إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ . وَشَرْعًا إصَابَةُ الْبِلَّةِ لِخُفٍّ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ وَالْخُفُّ شَرْعًا : السَّاتِرُ لِلْكَعْبَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ جِلْدٍ وَنَحْوِهِ .
( شَرْطُ مَسْحِهِ ) ثَلَاثَةُ أُمُورٍ : الْأَوَّلُ ( كَوْنُهُ سَاتِرَ ) مَحَلِّ فَرْضِ الْغُسْلِ ( الْقَدَمِ مَعَ الْكَعْبِ ) أَوْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ أَقَلَّ مِنْ الْخَرْقِ الْمَانِعِ ، فَيَجُوزُ عَلَى الزُّرْبُولِ لَوْ مَشْدُودًا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ، 262 وَجَوَّزَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ سَتْرَ الْكَعْبَيْنِ بِاللِّفَافَةِ .
( شَرْطُ مَسْحِهِ ) ثَلَاثَةُ أُمُورٍ : الْأَوَّلُ ( كَوْنُهُ سَاتِرَ ) مَحَلِّ فَرْضِ الْغُسْلِ ( الْقَدَمِ مَعَ الْكَعْبِ ) أَوْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ أَقَلَّ مِنْ الْخَرْقِ الْمَانِعِ ، فَيَجُوزُ عَلَى الزُّرْبُولِ لَوْ مَشْدُودًا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ ، 262 وَجَوَّزَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ سَتْرَ الْكَعْبَيْنِ بِاللِّفَافَةِ .
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
291 ( قَوْلُهُ : لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ كِتَابِ الرَّحْمَةِ التَّعْبِيرُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ لِلصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ وَهَذَا التَّعْبِيرُ هُوَ الصَّوَابُ لِتَصْرِيحِ الشَّافِعِيَّةِ بِرُكْنِيَّتِهَا فِيهَا . ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَخْ ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ : إنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَرُوِيَ بِأَلْفَاظٍ رَوَيْت كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَسَبَقَ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْخِلَافُ فِي الْمَشْهُورِ قِيلَ هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَقِيلَ حُجَّةٌ لِلْعَمَلِ بِمَنْزِلَتِهِ وَأَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ . ( قَوْلُهُ : وَشِرَاءُ الْحَطَبِ وَالْكَلَامُ ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْأَوْلَى ذِكْرُهُ عَقِبَهُ كَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ .
( قَوْلُهُ : لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ قَدْ وُجِدَتْ الْمَسْأَلَةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي مَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَهُوَ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ هَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى التَّكْبِيرِ أَوْ تَكُونُ مُقَارَنَةً لَهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ مَا لَمْ يَقْطَعْ بِعَمَلٍ . ا هـ .
وَفِي الْجَوَاهِرِ وَابْنِ صُبْرٍ بِضَمِّ الصَّادِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ صُبْرٍ الْقَاضِي الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ . ا هـ .
فَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ أَبُو صَبِرَةَ لَيْسَ بِصَوَابٍ . ا هـ .
وَمَا فِي نُسَخِ الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ هُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ . ( قَوْلُهُ : وَهُوَ فَاسِدٌ إلَخْ ) بِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْأَقْوَالَ الْآتِيَةَ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْمُصَلِّي إذَا غَفَلَ عَنْ النِّيَّةِ أَمْكَنَ لَهُ التَّدَارُكُ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ . ا هـ . 292
( قَوْلُهُ : وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا الْعِلْمَ إلَخْ ) أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ إفَادَةُ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ لَقَالُوا وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ أَيْ لِيُمَيِّزَ الْعِبَادَةَ عَنْ الْعَادَةِ وَحِينَئِذٍ يُفِيدُ مَا قَالَ بِخِلَافِ مَا مَرَّ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ كُلِّ صَلَاةٍ شَرَعَ فِيهَا عَنْ غَيْرِهَا وَذَلِكَ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَمَا مَرَّ هِيَ الْإِرَادَةُ أَيْ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي اللُّغَةِ الْعَزْمُ وَالْعَزْمُ هُوَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ وَالْإِرَادَةُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمَفْعُولِ بِوَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ غَيْرِهِمَا فَالنِّيَّةُ هِيَ أَنْ يَجْزِمَ بِتَخْصِيصِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا وَالشَّرْطُ فِيهَا أَنْ يُمَيِّزَهَا عَنْ غَيْرِهَا لَكِنْ لَوْ كَانَتْ نَفْلًا يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُهَا عَنْ فِعْلِ الْعَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا يُشْتَرَطُ أَيْضًا تَمْيِيزُهَا عَمَّا يُشَارِكُهَا فِي أَخَصِّ أَوْصَافِهَا فَاشْتِرَاطُ التَّمْيِيزِ هُنَا مُجْمَلٌ بَيْنَ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَيَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ إلَخْ فَالتَّكْرَارُ مُنْتَفٍ وَلَوْ سَلَّمَ يُرَدُّ عَلَى مَا ادَّعَى أَنَّهُ الْحَقُّ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ أَجَابَ بِحَاصِلِ مَا أَجَبْت بِهِ حَيْثُ قَالَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ هُنَا مُجْمَلٌ وَفِيمَا يَأْتِي مُفَصَّلٌ وَذِكْرُ الْمُفَصَّلِ بَعْدَ الْمُجْمَلِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى . ا هـ .
فَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ النِّيَّةُ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا لَا يَخْفَى . ا هـ .
وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ فِي الشرنبلالية عَلَى الدُّرَرِ ثُمَّ قَالَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْإِرَادَةِ لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَتَأَتَّى نِسْبَةُ مَا ذُكِرَ إلَيْهَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الظَّاهِرِ وَكَلَامُهَا ظَاهِرٌ . ا هـ .
وَهُوَ جَانِحٌ إلَى فَتْحِ الْقَدِيرِ . ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ إلَخْ ) أَقُولُ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِذَلِكَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ الْعِلْمِ الْمَشْرُوطِ فِي النِّيَّةِ الْحَاصِلِ عِنْدَهَا ، يَعْنِي أَنَّ الْعِلْمَ الْمَشْرُوطَ أَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْجَوَابُ فَوْرَ السُّؤَالِ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْعِلْمُ إذْ لَوْ احْتَاجَ إلَى تَأَمُّلٍ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ ذَلِكَ وَلِلَّهِ تَعَالَى دَرُّ الْحَصْكَفِيِّ حَيْثُ قَالَ وَهُوَ أَيْ عَمَلُ الْقَلْبِ أَنْ يَعْلَمَ عِنْدَ الْإِرَادَةِ بَدَاهَةً بِلَا تَأَمُّلٍ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي حَيْثُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْإِرَادَةِ دَفْعًا لِمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ .
( قَوْلُهُ : وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ ) فَإِنَّهُ لَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَسَيَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ سَبَقَ عَنْ الْعُيُونِ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالنِّهَايَةِ وَمَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَالْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ . ا هـ . 293
( قَوْلُهُ : وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ ) أَخَذَهُ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَعِبَارَتُهُ وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ لَهُ فِي هَذَا نَظَرٌ ; لِأَنَّ إقَامَةَ فِعْلِ اللِّسَانِ فِي هَذَا مَقَامَ عَمَلِ الْقَلْبِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بَدَلًا مِنْهُ لَا يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ الْإِبْدَالَ لَا تُنْصِبُ بِالرَّأْيِ ، وَقَدْ يَسْقُطُ الشَّرْطُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا إلَى بَدَلٍ ، وَقَدْ يَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ ، وَقَدْ يَسْقُطُ الْمَشْرُوطُ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى شَرْطِهِ فَإِثْبَاتُ أَحَدِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ دُونَ الْبَاقِي يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَأَيْنَ الدَّلِيلُ هُنَا عَلَى إقَامَةِ فِعْلِ اللِّسَانِ مُقَامَ فِعْلِ الْقَلْبِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ الشَّارِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ .
294 ( قَوْلُهُ : إذَا تَبَيَّنَ صِحَّةَ الْجُمُعَةِ ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ظُهْرٌ سَابِقٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ .
( قَوْلُهُ : وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَخْ ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ : إنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَرُوِيَ بِأَلْفَاظٍ رَوَيْت كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَسَبَقَ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْخِلَافُ فِي الْمَشْهُورِ قِيلَ هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَقِيلَ حُجَّةٌ لِلْعَمَلِ بِمَنْزِلَتِهِ وَأَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ . ( قَوْلُهُ : وَشِرَاءُ الْحَطَبِ وَالْكَلَامُ ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْأَوْلَى ذِكْرُهُ عَقِبَهُ كَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ .
( قَوْلُهُ : لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ قَدْ وُجِدَتْ الْمَسْأَلَةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي مَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَهُوَ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ هَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى التَّكْبِيرِ أَوْ تَكُونُ مُقَارَنَةً لَهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ مَا لَمْ يَقْطَعْ بِعَمَلٍ . ا هـ .
وَفِي الْجَوَاهِرِ وَابْنِ صُبْرٍ بِضَمِّ الصَّادِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ صُبْرٍ الْقَاضِي الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ . ا هـ .
فَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ أَبُو صَبِرَةَ لَيْسَ بِصَوَابٍ . ا هـ .
وَمَا فِي نُسَخِ الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ هُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ . ( قَوْلُهُ : وَهُوَ فَاسِدٌ إلَخْ ) بِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْأَقْوَالَ الْآتِيَةَ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْمُصَلِّي إذَا غَفَلَ عَنْ النِّيَّةِ أَمْكَنَ لَهُ التَّدَارُكُ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ . ا هـ . 292
( قَوْلُهُ : وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا الْعِلْمَ إلَخْ ) أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ إفَادَةُ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ لَقَالُوا وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ أَيْ لِيُمَيِّزَ الْعِبَادَةَ عَنْ الْعَادَةِ وَحِينَئِذٍ يُفِيدُ مَا قَالَ بِخِلَافِ مَا مَرَّ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ كُلِّ صَلَاةٍ شَرَعَ فِيهَا عَنْ غَيْرِهَا وَذَلِكَ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَمَا مَرَّ هِيَ الْإِرَادَةُ أَيْ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي اللُّغَةِ الْعَزْمُ وَالْعَزْمُ هُوَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ وَالْإِرَادَةُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمَفْعُولِ بِوَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ غَيْرِهِمَا فَالنِّيَّةُ هِيَ أَنْ يَجْزِمَ بِتَخْصِيصِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا وَالشَّرْطُ فِيهَا أَنْ يُمَيِّزَهَا عَنْ غَيْرِهَا لَكِنْ لَوْ كَانَتْ نَفْلًا يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُهَا عَنْ فِعْلِ الْعَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا يُشْتَرَطُ أَيْضًا تَمْيِيزُهَا عَمَّا يُشَارِكُهَا فِي أَخَصِّ أَوْصَافِهَا فَاشْتِرَاطُ التَّمْيِيزِ هُنَا مُجْمَلٌ بَيْنَ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَيَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ إلَخْ فَالتَّكْرَارُ مُنْتَفٍ وَلَوْ سَلَّمَ يُرَدُّ عَلَى مَا ادَّعَى أَنَّهُ الْحَقُّ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ أَجَابَ بِحَاصِلِ مَا أَجَبْت بِهِ حَيْثُ قَالَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ هُنَا مُجْمَلٌ وَفِيمَا يَأْتِي مُفَصَّلٌ وَذِكْرُ الْمُفَصَّلِ بَعْدَ الْمُجْمَلِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى . ا هـ .
فَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ النِّيَّةُ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا لَا يَخْفَى . ا هـ .
وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ فِي الشرنبلالية عَلَى الدُّرَرِ ثُمَّ قَالَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْإِرَادَةِ لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَتَأَتَّى نِسْبَةُ مَا ذُكِرَ إلَيْهَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الظَّاهِرِ وَكَلَامُهَا ظَاهِرٌ . ا هـ .
وَهُوَ جَانِحٌ إلَى فَتْحِ الْقَدِيرِ . ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ إلَخْ ) أَقُولُ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِذَلِكَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ الْعِلْمِ الْمَشْرُوطِ فِي النِّيَّةِ الْحَاصِلِ عِنْدَهَا ، يَعْنِي أَنَّ الْعِلْمَ الْمَشْرُوطَ أَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْجَوَابُ فَوْرَ السُّؤَالِ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْعِلْمُ إذْ لَوْ احْتَاجَ إلَى تَأَمُّلٍ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ ذَلِكَ وَلِلَّهِ تَعَالَى دَرُّ الْحَصْكَفِيِّ حَيْثُ قَالَ وَهُوَ أَيْ عَمَلُ الْقَلْبِ أَنْ يَعْلَمَ عِنْدَ الْإِرَادَةِ بَدَاهَةً بِلَا تَأَمُّلٍ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي حَيْثُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْإِرَادَةِ دَفْعًا لِمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ .
( قَوْلُهُ : وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ ) فَإِنَّهُ لَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَسَيَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ سَبَقَ عَنْ الْعُيُونِ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالنِّهَايَةِ وَمَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَالْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ . ا هـ . 293
( قَوْلُهُ : وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ ) أَخَذَهُ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَعِبَارَتُهُ وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ لَهُ فِي هَذَا نَظَرٌ ; لِأَنَّ إقَامَةَ فِعْلِ اللِّسَانِ فِي هَذَا مَقَامَ عَمَلِ الْقَلْبِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بَدَلًا مِنْهُ لَا يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ الْإِبْدَالَ لَا تُنْصِبُ بِالرَّأْيِ ، وَقَدْ يَسْقُطُ الشَّرْطُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا إلَى بَدَلٍ ، وَقَدْ يَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ ، وَقَدْ يَسْقُطُ الْمَشْرُوطُ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى شَرْطِهِ فَإِثْبَاتُ أَحَدِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ دُونَ الْبَاقِي يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَأَيْنَ الدَّلِيلُ هُنَا عَلَى إقَامَةِ فِعْلِ اللِّسَانِ مُقَامَ فِعْلِ الْقَلْبِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ الشَّارِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ .
294 ( قَوْلُهُ : إذَا تَبَيَّنَ صِحَّةَ الْجُمُعَةِ ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ظُهْرٌ سَابِقٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ .
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
32 بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
وَيَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَا الْغُسْلُ ، وَيُشْتَرَطُ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ، وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ ، وَيَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ ، وَفَرْضُهُ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ ( ف ) أَصَابِعَ مِنَ الْيَدِ . وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ إِلَى السَّاقِ ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ يُبَيِّنُ مِنْهُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ ( ف ) أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ الصِّغَارِ ، وَتُجْمَعُ خُرُوقُ كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَتِهِ . وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ ( ف ) فَوْقَ الْخُفِّ . وَيَجُوزُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ ( ف ) أَوْ مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ .
وَيَنْقُضُهُ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَنَزْعُ الْخُفِّ وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ نَزَعَهُمَا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَخُرُوجُ الْقَدَمِ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ نَزْعٌ ، وَلَوْ مَسَحَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَ مُدَّةَ الْمُسَافِرِ ( ف ) .
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ ، وَيَجُوزُ عَلَى الْجَبَائِرِ وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ .
وَيَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَا الْغُسْلُ ، وَيُشْتَرَطُ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ، وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ ، وَيَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ ، وَفَرْضُهُ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ ( ف ) أَصَابِعَ مِنَ الْيَدِ . وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ إِلَى السَّاقِ ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ يُبَيِّنُ مِنْهُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ ( ف ) أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ الصِّغَارِ ، وَتُجْمَعُ خُرُوقُ كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَتِهِ . وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ ( ف ) فَوْقَ الْخُفِّ . وَيَجُوزُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ ( ف ) أَوْ مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ .
وَيَنْقُضُهُ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَنَزْعُ الْخُفِّ وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ نَزَعَهُمَا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَخُرُوجُ الْقَدَمِ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ نَزْعٌ ، وَلَوْ مَسَحَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَ مُدَّةَ الْمُسَافِرِ ( ف ) .
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ ، وَيَجُوزُ عَلَى الْجَبَائِرِ وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ .
الشافعية
المجموع شرح المهذب
اقرأ →
باب المسح على الخفين
الأم
اقرأ →
باب المسح على الخفين
الأم
اقرأ →
باب المسح على الخفين
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
350 بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ : " أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ يَعْنِي عَبْدَ الْوَهَّابِ عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ جَائِزٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ النَّاسِ وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [ الْمَائِدَةِ : 6 ] فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُوجِبَةً لِتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى حَالٍ دُونَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَمْرِ بِهَا ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ " . فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الصَّلَاةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِ وُضُوئِهِ ، وَقَالُوا : وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ لَا بَعْدَهَا ، فَسَكَتَ أَبُو مَسْعُودٍ قَالُوا : فَكَانَ عَلِيٌّ يَرَى ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِسُورَةِ الْمَائِدَةِ .
قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، وَقَالَتْ : لَأَنْ يُقْطَعَ رِجْلَايَ بِالْمُوسَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
351 قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَأَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ :
أَحَدُهَا : أَنْ لَا يَقُولُوا فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا خَيْرًا .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَمْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَجْهَرُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمُ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى تَطْهِيرِهِمَا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَكَيْفَ وَأَنْتُمْ تُنْكِرُونَ مَا هُوَ أَيْسَرُ وَأَقْرَبُ ، وَيُجِيزُونَ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَبْعَدُ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ امْتَنَعَ مِثْلُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ قَدْ يَجِبُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ فِي الْجَنَابَةِ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ بَدَلًا مِنْ غَسْلِهِمَا كَذَلِكَ الْوُضُوءُ .
وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِهِ السُّنَّةُ الْمَرْوِيَّةُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى دَلْهَمُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ فَلَبِسَهُمَا ثُمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ذَكَرُهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَرَوَى بُكَيْرُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبيِ نُعَيْمٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَسِيتَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي - جَلَّ وَعَزَّ - ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَرَوَى بُكَيْرُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ أَنَّ جَرِيرًا بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَالَ مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ قَالُوا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، قَالَ مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ 352 يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ، فَذَهَبْتُ أَتَنَحَّى عَنْهُ ، فَجَذَبَنِي حَتَى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ فَلَمَّا فَرَغَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، قَالَ الْمَغِيرَةُ : فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمِّ جُبَّتِهِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ جُبَّتِهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمُ الرَّكْعَةَ الَتِي بَقِيَتْ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ " فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ فَفَرَغَ النَّاسُ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ قَدْ أَحْسَنْتُمْ .
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ : لِأَنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَكَذَلِكَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ ، وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنِي بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا يَعْنِي : أَنَّ بَعْضَهُمْ شَافَهَهُ وَبَعْضَهُمْ رَوَى لَهُ عَنْهُمْ : لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَلْقَ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا وَإِنْ أَوْجَبَتْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِالرُّخْصَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَكَانَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِذَا ظَهَرَتَا ، وَالسُّنَّةُ وَارِدَةٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا لُبِسَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ فَيُحْمَلُ النَّصْبُ عَلَى غَسْلِهِمَا إِذَا كَانَتَا ظَاهِرَتَيْنِ ، وَيُحْمَلُ الْجَرُّ عَلَى مَسْحِهِمَا إِذَا كَانَتَا فِي الْخُفَّيْنِ ، فَتَكُونُ الْآيَةُ بِاخْتِلَافِ قِرَاءَتَيْهَا دَالَّةً عَلَى الْأَمْرَيْنِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ " هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ " فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الرُّخْصَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَدَمَيْنِ ، وَمَنْ كَانَ ظَاهِرُ الْقَدَمَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَوْهُ مِنْ سُؤَالِ عَلِيٍّ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ فَمِنْ وُجُوهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّابِتَةَ عَنْ عَلِيٍّ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ سَأَلَهُ اسْتِخْبَارًا عَنْ زَمَانِ الْمَسْحِ لَا إِنْكَارًا لَهُ .
353 وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيَظْهَرَ فِي النَّاسِ قِلَّةُ ضَبْطِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَضَعْفُ حَزْمِهِ ، وَسُوءُ فَهْمِهِ : لِأَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ مِمَّنْ تَوَقَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِنْكَارِ عَائِشَةَ ، وَقَوْلِهَا مَا قَالَتْ فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : إِنَّهَا لَمْ تُنْكِرِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَإِنَّمَا كَرِهَتْ بِذَلِكَ السَّفَرِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا ، وَقَالَتْ : لَأَنْ تُقْطَعَ رِجْلَايَ فَلَا أُسَافِرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ السَّفَرِ الَّذِي يُمْسَحُ فِيهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ إِنْكَارَهَا مَعَ ثُبُوتِ السُّنَّةِ وَاشْتِهَارِهَا وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ بِهَا مَدْفُوعٌ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِنْكَارِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَدْ قَالَ سَعْدٌ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ سَلْ أَبَاكَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ أَصَابَ السُّنَّةَ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةٍ فَهُوَ أَنَّ جَابِرًا ضَعِيفٌ وَمَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ مَسَحَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَأَنْ تَمْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ فَرَوَى عَنْهُمْ جَوَازَهُ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنْ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ أَوْجَبَ الْمَنْعَ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَهُوَ أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى السُّنَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، ثُمَّ مُنْتَقِضٌ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ ظُهُورُ الْعُضْوِ يُوجِبُ غَسْلَهُ وَيَمْنَعُ مِنْ مَسْحِهِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِسَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ اسْتَثْنَتِ الرِّجْلَيْنِ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ مِنْ غَسْلِهِمَا إِلَى الْخُفَّيْنِ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَلَا يُقَاسُ عَلَى مَخْصُوصٍ وَمَنْصُوصٍ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِشْهَادِهِمْ بِالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَقَدْ فَرَّقَتِ السُّنَّةُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ أَنَّ غَسْلَ مَا جَاوَزَ الْقَدَمَيْنِ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْجَنَابَةِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهُ فِي الْخُفَّيْنِ وَجَبَ خَلْعُهُمَا وَإِذَا خَلَعَهُمَا ظَهَرَتِ الرِّجْلَانِ فَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ ظُهُورِهِمَا وَوَجَبَ غَسْلُهُمَا مَعَ جَمِيعِ الْبَدَنِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : " أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ يَعْنِي عَبْدَ الْوَهَّابِ عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ جَائِزٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ النَّاسِ وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [ الْمَائِدَةِ : 6 ] فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُوجِبَةً لِتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى حَالٍ دُونَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْأَمْرِ بِهَا ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ " . فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الصَّلَاةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِ وُضُوئِهِ ، وَقَالُوا : وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ لَا بَعْدَهَا ، فَسَكَتَ أَبُو مَسْعُودٍ قَالُوا : فَكَانَ عَلِيٌّ يَرَى ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِسُورَةِ الْمَائِدَةِ .
قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، وَقَالَتْ : لَأَنْ يُقْطَعَ رِجْلَايَ بِالْمُوسَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
351 قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَأَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ :
أَحَدُهَا : أَنْ لَا يَقُولُوا فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا خَيْرًا .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَمْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَجْهَرُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمُ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى تَطْهِيرِهِمَا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَكَيْفَ وَأَنْتُمْ تُنْكِرُونَ مَا هُوَ أَيْسَرُ وَأَقْرَبُ ، وَيُجِيزُونَ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَبْعَدُ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ امْتَنَعَ مِثْلُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ قَدْ يَجِبُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ فِي الْجَنَابَةِ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ بَدَلًا مِنْ غَسْلِهِمَا كَذَلِكَ الْوُضُوءُ .
وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِهِ السُّنَّةُ الْمَرْوِيَّةُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى دَلْهَمُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ فَلَبِسَهُمَا ثُمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ذَكَرُهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَرَوَى بُكَيْرُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبيِ نُعَيْمٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَسِيتَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي - جَلَّ وَعَزَّ - ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَرَوَى بُكَيْرُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ أَنَّ جَرِيرًا بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَالَ مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ قَالُوا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، قَالَ مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ 352 يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ، فَذَهَبْتُ أَتَنَحَّى عَنْهُ ، فَجَذَبَنِي حَتَى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ فَلَمَّا فَرَغَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، قَالَ الْمَغِيرَةُ : فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمِّ جُبَّتِهِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ جُبَّتِهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمُ الرَّكْعَةَ الَتِي بَقِيَتْ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ " فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ فَفَرَغَ النَّاسُ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ قَدْ أَحْسَنْتُمْ .
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ : لِأَنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَكَذَلِكَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ ، وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنِي بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ سَبْعُونَ بَدْرِيًّا يَعْنِي : أَنَّ بَعْضَهُمْ شَافَهَهُ وَبَعْضَهُمْ رَوَى لَهُ عَنْهُمْ : لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَلْقَ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا وَإِنْ أَوْجَبَتْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِالرُّخْصَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَكَانَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِذَا ظَهَرَتَا ، وَالسُّنَّةُ وَارِدَةٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا لُبِسَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ فَيُحْمَلُ النَّصْبُ عَلَى غَسْلِهِمَا إِذَا كَانَتَا ظَاهِرَتَيْنِ ، وَيُحْمَلُ الْجَرُّ عَلَى مَسْحِهِمَا إِذَا كَانَتَا فِي الْخُفَّيْنِ ، فَتَكُونُ الْآيَةُ بِاخْتِلَافِ قِرَاءَتَيْهَا دَالَّةً عَلَى الْأَمْرَيْنِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ " هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ " فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الرُّخْصَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَدَمَيْنِ ، وَمَنْ كَانَ ظَاهِرُ الْقَدَمَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَوْهُ مِنْ سُؤَالِ عَلِيٍّ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ فَمِنْ وُجُوهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّابِتَةَ عَنْ عَلِيٍّ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ سَأَلَهُ اسْتِخْبَارًا عَنْ زَمَانِ الْمَسْحِ لَا إِنْكَارًا لَهُ .
353 وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيَظْهَرَ فِي النَّاسِ قِلَّةُ ضَبْطِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَضَعْفُ حَزْمِهِ ، وَسُوءُ فَهْمِهِ : لِأَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ مِمَّنْ تَوَقَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِنْكَارِ عَائِشَةَ ، وَقَوْلِهَا مَا قَالَتْ فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : إِنَّهَا لَمْ تُنْكِرِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَإِنَّمَا كَرِهَتْ بِذَلِكَ السَّفَرِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا ، وَقَالَتْ : لَأَنْ تُقْطَعَ رِجْلَايَ فَلَا أُسَافِرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ السَّفَرِ الَّذِي يُمْسَحُ فِيهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ إِنْكَارَهَا مَعَ ثُبُوتِ السُّنَّةِ وَاشْتِهَارِهَا وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ بِهَا مَدْفُوعٌ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِنْكَارِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَدْ قَالَ سَعْدٌ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ سَلْ أَبَاكَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ أَصَابَ السُّنَّةَ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةٍ فَهُوَ أَنَّ جَابِرًا ضَعِيفٌ وَمَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ مَسَحَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَأَنْ تَمْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ فَرَوَى عَنْهُمْ جَوَازَهُ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنْ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ أَوْجَبَ الْمَنْعَ مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَهُوَ أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى السُّنَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، ثُمَّ مُنْتَقِضٌ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ ظُهُورُ الْعُضْوِ يُوجِبُ غَسْلَهُ وَيَمْنَعُ مِنْ مَسْحِهِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِسَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ اسْتَثْنَتِ الرِّجْلَيْنِ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ مِنْ غَسْلِهِمَا إِلَى الْخُفَّيْنِ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَلَا يُقَاسُ عَلَى مَخْصُوصٍ وَمَنْصُوصٍ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِشْهَادِهِمْ بِالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَقَدْ فَرَّقَتِ السُّنَّةُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ أَنَّ غَسْلَ مَا جَاوَزَ الْقَدَمَيْنِ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْجَنَابَةِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهُ فِي الْخُفَّيْنِ وَجَبَ خَلْعُهُمَا وَإِذَا خَلَعَهُمَا ظَهَرَتِ الرِّجْلَانِ فَلَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ ظُهُورِهِمَا وَوَجَبَ غَسْلُهُمَا مَعَ جَمِيعِ الْبَدَنِ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
باب المسح على الخفين
شرح عمدة الفقه
اقرأ →
248 بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
مَسْأَلَةٌ :
" يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ الصَّفِيقَةِ الَّتِي تَثْبُتُ فِي الْقَدَمَيْنِ وَالْجَرَامِيقِ الَّتِي تُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَالْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ) " .
هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ فُصُولٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ فِي الْوُضُوءِ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَلَقَّاةِ بِالْقَبُولِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَرْجُلَكُمْ ) بِالنَّصْبِ خِطَابٌ لِمَنْ رِجْلُهُ فِي غَيْرِ الْخُفَّيْنِ الْمَشْرُوطَيْنِ ، وَقِرَاءَةُ الْخَفْضِ خِطَابٌ لِلَابِسِي الْخِفَافِ أَوْ يَكُونُ الْمَسْحُ عَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ يَجْمَعُ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلِ مَعَ الْحَائِلِ وَعَدَمِهِ، أَوْ تَكُونُ كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ فِي غَيْرِ اللَّابِسِينَ ، وَعُلِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالسُّنَّةِ ، وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ : " نَعَمْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ " " قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ .
249 وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ : مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ .
قَالَ أَحْمَدُ : " سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ نَفْسًا يَرْوُونَ الْمَسْحَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْوُونَ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ " .
250 الْفَصْلٌ الثَّانِي
إِنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَعَلَى كُلِّ مَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ وَالْجَرَامِيقِ سَوَاءٌ لُبِسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَسْتُرَ مَحَلَّ الْغَرَضِ وَهُوَ الْقَدَمُ إِلَى مَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَثْبُتَ فِي الْقَدَمِ بِنَفْسِهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ .
لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنْ بِلَالٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُوقُ " الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ " وَالْمُوقُ إِنَّمَا يُلْبَسُ غَالِبًا فَوْقَ الْخُفِّ ، وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَلِأَنَّ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ الْفَرْضُ يُمْشَى فِيهِ عَادَةً فَقَدْ شَارَكَ الْخُفَّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الْمَسْحُ فَيُشَارِكُهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ الْمَنَازِلُ وَالْقِفَارُ أَوْ لَا ، وَلِهَذَا يُمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ مِنْ جِلْدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ 251 نَعْلٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِيهِ عَادَةً هُوَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى لُبْسِهِ وَسَتْرِهِ لِمَحَلِّ الْغَرَضِ لِيَنْتَقِلَ الْغَرَضُ إِلَيْهِ ، فَإِذَا حَصَلَا تَعَيَّنَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ .
وَلِذَلِكَ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ مُنْتَشِرًا فِي الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : " يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ " وَجَوْرَبُ الْخِرَقِ كَجَوْرَبِ الصُّوفِ إِذَا كَانَ صَفِيقًا حَيْثُ يُمْشَى فِي مِثْلِهِ عَادَةً، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَتَخَرَّقُ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُمْشَى فِيهِ عَادَةً وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ .
وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِنَعْلَيْنِ يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَعَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا يُمْسَحُ أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْمَسْحِّ فِي 252 الْخُفِّ ، فَإِنْ مَسَحَ الْجَوْرَبَ وَحْدَهُ أَوِ النَّعْلَ وَحْدَهُ ، فَقِيلَ : لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ خَاصَّةً، وَقِيلَ : يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُمَا أُجْرِيَا مَجْرَى جَوْرَبٍ مُنَعَّلٍ .
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ أَوِ الْوَاسِعِ الَّذِي يُرَى مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ أَوِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَصِفُ الْقَدَمَ أَوِ الْقَصِيرِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ مَتَى بَدَتْ هِيَ أَوْ بَعْضُهَا كَانَ الظَّاهِرُ ( مِنْهَا حُكْمُهُ ) الْغَسْلُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ لَا يَجُوزُ فَيَتَعَيَّنُ غَسْلُ الْجَمِيعِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْمَخْرُوقِ الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ " جَائِزٌ " ؛ لِأَنَّ خِفَافَ الْقَوْمِ لَمْ تَكُنْ تَخْلُو مِنْ مِثْلِ هَذَا ، وَلَمْ تُقَيَّدِ الرُّخْصَةُ بِالسَّاتِرِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَنْضَمُّ عَلَى الرِّجْلِ ، وَلَا تَبْدُو مِنْهُ الْقَدَمُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِالْخُفِّ .
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِنَفْسِهِ إِمَّا لِسَعَةٍ فِيهِ أَوْ شَرَجٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَدَّهُ أَوْ شَرَّجَهُ لِأَنَّهُ كَاللِّفَافَةِ .
قَالَ أَحْمَدُ " فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ : إِذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا وَيَثْبُتَانِ فِي رَجْلِهِ فَلَا بَأْسَ " .
وَقَالَ أَيْضًا : " إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ " .
253 قَالُوا: هَذَا كَانَ الْقِيَاسَ فِي الْجَوْرَبَيْنِ مَعَ النَّعْلَيْنِ لَكِنْ خَالَفْنَاهُ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى لُبْسِ الْجَوْرَبَيْنِ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَدِّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُلْبَسُ غَالِبًا ( إِلَّا بِشَدِّهِ ) وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا فِي اللِّفَافَةِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً بِنَزْعِهَا فَالْخُفُّ وَالْجَوْرَبُ الَّذِي يَثْبُتُ بِالشَّدِّ أَوْلَى ، وَهَذَا قِيَاسُ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا ثَبَتَا بِنَعْلَيْنِ فَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِشَدِّهِ أَوْ شَرْجِهِ سَتْرُ الْقَدَمِ مَسَحَ عَلَيْهِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّاتِرِ بِنَفْسِهِ ، وَمَشَقَّةُ خَلْعِهِ أَظْهَرُ، وَفِي الْآخَرِ لَا يُجْزِئُهُ اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَكْفِ ثُبُوتُهُ بِالشَّدِّ وَالشَّرْجِ فَكَذَلِكَ سَتْرُهُ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَيْسَ هُوَ مَقْصُودَ اللُّبْسِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَاهُ ؛ لِئَلَّا يَجِبَ غَسْلُ الْبَادِي بِخِلَافِ ثُبُوتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ لَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَهَذَا أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخُفُّ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ زُجَاجٍ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مَلْبُوسٍ مُعْتَادٍ كَمَا لَمْ يَجُزْ فِي اللَّفَائِفِ فَلَا يَجُوزُ فِي الْخَشَبِ وَالزُّجَاجِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إِمَّا لِضِيقِهِ أَوْ ثِقَلِهِ أَوْ تَكَسُّرِهِ بِالْمَشْيِ أَوْ تَعَذُّرِهِ كَرَقِيقِ الْخَرَقِ أَوِ اللُّبُودِ لَمْ يَجُزْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ .
وَأَمَّا الْخُفُّ الْمُحَرَّمُ كَالْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبِ فَقِيلَ: هُوَ عَلَى رِوَايَتَيِ الصَّلَاةِ فِي 254 الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْقِتَالِ الْمُحَرَّمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَغْصُوبِ وَلَوْ لَبِسَ جِلْدًا نَجِسًا لِحَاجَةٍ كَبِلَادِ الثَّلْجِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا مِنْ سُقُوطِ أَصَابِعِهِ بِخَلْعِهِ أَجْزَأَهُ مَسْحُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ ، وَإِنْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ بِالْمُلَاقَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَمَا لَا يَمْنَعُ تَنَجُّسُهُ عَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِخَلْعِهِ فِي الْأَصْلِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لُبْسُهُ هُنَا لِلضَّرُورَةِ فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ خَلْعَ الْخُفِّ الطَّاهِرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةٌ نَادِرَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ فَرْضِهِ الْغَسْلَ ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ لِقُرُوحٍ أَوْ بَرْدٍ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَوْ كَانَ بِقَدَمِهِ أَوْ بِبَاطِنِ خُفِّهِ نَجَاسَةٌ لَا تُزَالُ إِلَّا بِنَزْعِهِ فَقَدْ قِيلَ هُوَ كَالْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُمْكِنُ مَعَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ غَالِبًا إِلَّا بِنَقْضِهَا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ لِطَهَارَتِهِ ، وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةَ إِنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا أَوْجَبَتْ طَهَارَتَيْنِ جُعِلَتْ إِحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى .
وَمَنْ كَانَ لَابِسًا خُفًّا فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَخْلَعَهُ وَيَغْسِلَ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ عَادَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَلَعَ وَغَسَلَ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَدًّا لِلرُّخْصَةِ وَتَشَبُّهًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَيَكُونُ مَفْضُولًا .
وَالثَّانِيَةُ : الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَأَمَّا 255 مَنْ لَا خُفَّ عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ لِقَصْدِ الْمَسْحِ ، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ لِأَنْ يَقْصُرَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمَسْحَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى ، لِمَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ قَالَ : " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى يَجِبُ فِيهَا غَسْلُ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَبَاطِنِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَمَا هُوَ مَسْتُورٌ بِغَيْرِ الْخِلْقَةِ أَوْلَى ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِيهِ غَسْلُ مَا اسْتَتَرَ بِنَفْسِ الْخِلْقَةِ فَجَازَ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ الْخُفُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ يُشَبَّهُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ مَحَلَّهُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ .
وَلِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَلِّ الشَّعْرِ وَإِنْقَاءِ الْبَشَرِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْمُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً والْمُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ بَطَلَ حُكْمُ الطَّهَارَةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى لُبْسٍ ثَانٍ عَلَى طَهَارَةِ غُسْلٍ إِنْ أَحَبَّ الْمَسْحَ ثَانِيًا وَهَلُمَّ جَرَّا ؛ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَالُ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَغَيْرِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ .
256 وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ : سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ : " لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالسَّفَرُ الْمُعْتَبَرُ لِلْمُدَّةِ هُوَ السَّفَرُ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ فِي قَدْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ .
فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ مُحَرَّمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ ، وَقِيلَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِي الْأَصْلِ رُخْصَةٌ فَلَا يُعَانُ بِهِ عَلَى سَفَرِهِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ الرُّخَصَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ السَّفَرَ يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرٍ فِعْلُهَا كَالْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَأَوَّلُ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ بَعْدَ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي أَشْهَرَ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى مِنْ حِينِ الْمَسْحِ بَعْدَ الْحَدَثِ إِلَي مِثْلِهِ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فَلَوْ كَانَ أَوَّلُهُ الْحَدَثَ لَكَانَ 257 الْمَسْحُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَقَدْ لَا يُمْسَحُ أَصْلًا إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ بَعْدَ الْحَدَثِ ثَلَاثًا ، وَقَالَ عُمَرُ : " امْسَحْ إِلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِي مَسَحْتَ فِيهَا " رَوَاهُ الْخَلَّالُ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنُّوْمِ، فَمَفْهُومُهُ إِنَّمَا يُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَضْمَنُهُنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ وَقْتٌ يُبَاحُ فِيهِ الْمَسْحُ فَكَانَ مِنَ الْمُدَّةِ كَمَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ .
وَهَذَا لِأَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ مَا جَازَ فِيهِ فِعْلُهَا إِلَّا مَا وَقَعَ فِعْلُهَا كَالصَّلَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ ثَلَاثًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي فَإِنَّهُ مِنَ الْمُدَّةِ ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْمَسْحِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الْمَسْحِ عَقِيبَ الْحَدَثِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
مَسْأَلَةٌ :
" يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ الصَّفِيقَةِ الَّتِي تَثْبُتُ فِي الْقَدَمَيْنِ وَالْجَرَامِيقِ الَّتِي تُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَالْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ) " .
هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ فُصُولٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ فِي الْوُضُوءِ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَلَقَّاةِ بِالْقَبُولِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَرْجُلَكُمْ ) بِالنَّصْبِ خِطَابٌ لِمَنْ رِجْلُهُ فِي غَيْرِ الْخُفَّيْنِ الْمَشْرُوطَيْنِ ، وَقِرَاءَةُ الْخَفْضِ خِطَابٌ لِلَابِسِي الْخِفَافِ أَوْ يَكُونُ الْمَسْحُ عَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ يَجْمَعُ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلِ مَعَ الْحَائِلِ وَعَدَمِهِ، أَوْ تَكُونُ كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ فِي غَيْرِ اللَّابِسِينَ ، وَعُلِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالسُّنَّةِ ، وَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ : " نَعَمْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ " " قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ .
249 وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ : مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ .
قَالَ أَحْمَدُ : " سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ نَفْسًا يَرْوُونَ الْمَسْحَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْوُونَ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ " .
250 الْفَصْلٌ الثَّانِي
إِنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَعَلَى كُلِّ مَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ وَالْجَرَامِيقِ سَوَاءٌ لُبِسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَسْتُرَ مَحَلَّ الْغَرَضِ وَهُوَ الْقَدَمُ إِلَى مَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَثْبُتَ فِي الْقَدَمِ بِنَفْسِهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ .
لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنْ بِلَالٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُوقُ " الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ " وَالْمُوقُ إِنَّمَا يُلْبَسُ غَالِبًا فَوْقَ الْخُفِّ ، وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَلِأَنَّ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ الْفَرْضُ يُمْشَى فِيهِ عَادَةً فَقَدْ شَارَكَ الْخُفَّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الْمَسْحُ فَيُشَارِكُهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ الْمَنَازِلُ وَالْقِفَارُ أَوْ لَا ، وَلِهَذَا يُمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ مِنْ جِلْدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ 251 نَعْلٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِيهِ عَادَةً هُوَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى لُبْسِهِ وَسَتْرِهِ لِمَحَلِّ الْغَرَضِ لِيَنْتَقِلَ الْغَرَضُ إِلَيْهِ ، فَإِذَا حَصَلَا تَعَيَّنَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ .
وَلِذَلِكَ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ مُنْتَشِرًا فِي الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : " يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ " وَجَوْرَبُ الْخِرَقِ كَجَوْرَبِ الصُّوفِ إِذَا كَانَ صَفِيقًا حَيْثُ يُمْشَى فِي مِثْلِهِ عَادَةً، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَتَخَرَّقُ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُمْشَى فِيهِ عَادَةً وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ .
وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِنَعْلَيْنِ يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَعَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا يُمْسَحُ أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْمَسْحِّ فِي 252 الْخُفِّ ، فَإِنْ مَسَحَ الْجَوْرَبَ وَحْدَهُ أَوِ النَّعْلَ وَحْدَهُ ، فَقِيلَ : لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ خَاصَّةً، وَقِيلَ : يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُمَا أُجْرِيَا مَجْرَى جَوْرَبٍ مُنَعَّلٍ .
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ أَوِ الْوَاسِعِ الَّذِي يُرَى مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ أَوِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَصِفُ الْقَدَمَ أَوِ الْقَصِيرِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ مَتَى بَدَتْ هِيَ أَوْ بَعْضُهَا كَانَ الظَّاهِرُ ( مِنْهَا حُكْمُهُ ) الْغَسْلُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ لَا يَجُوزُ فَيَتَعَيَّنُ غَسْلُ الْجَمِيعِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْمَخْرُوقِ الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ " جَائِزٌ " ؛ لِأَنَّ خِفَافَ الْقَوْمِ لَمْ تَكُنْ تَخْلُو مِنْ مِثْلِ هَذَا ، وَلَمْ تُقَيَّدِ الرُّخْصَةُ بِالسَّاتِرِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَنْضَمُّ عَلَى الرِّجْلِ ، وَلَا تَبْدُو مِنْهُ الْقَدَمُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِالْخُفِّ .
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِنَفْسِهِ إِمَّا لِسَعَةٍ فِيهِ أَوْ شَرَجٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَدَّهُ أَوْ شَرَّجَهُ لِأَنَّهُ كَاللِّفَافَةِ .
قَالَ أَحْمَدُ " فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ : إِذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا وَيَثْبُتَانِ فِي رَجْلِهِ فَلَا بَأْسَ " .
وَقَالَ أَيْضًا : " إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ " .
253 قَالُوا: هَذَا كَانَ الْقِيَاسَ فِي الْجَوْرَبَيْنِ مَعَ النَّعْلَيْنِ لَكِنْ خَالَفْنَاهُ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى لُبْسِ الْجَوْرَبَيْنِ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَدِّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُلْبَسُ غَالِبًا ( إِلَّا بِشَدِّهِ ) وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا فِي اللِّفَافَةِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً بِنَزْعِهَا فَالْخُفُّ وَالْجَوْرَبُ الَّذِي يَثْبُتُ بِالشَّدِّ أَوْلَى ، وَهَذَا قِيَاسُ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا ثَبَتَا بِنَعْلَيْنِ فَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِشَدِّهِ أَوْ شَرْجِهِ سَتْرُ الْقَدَمِ مَسَحَ عَلَيْهِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّاتِرِ بِنَفْسِهِ ، وَمَشَقَّةُ خَلْعِهِ أَظْهَرُ، وَفِي الْآخَرِ لَا يُجْزِئُهُ اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَكْفِ ثُبُوتُهُ بِالشَّدِّ وَالشَّرْجِ فَكَذَلِكَ سَتْرُهُ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَيْسَ هُوَ مَقْصُودَ اللُّبْسِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَاهُ ؛ لِئَلَّا يَجِبَ غَسْلُ الْبَادِي بِخِلَافِ ثُبُوتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ لَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَهَذَا أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخُفُّ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ زُجَاجٍ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مَلْبُوسٍ مُعْتَادٍ كَمَا لَمْ يَجُزْ فِي اللَّفَائِفِ فَلَا يَجُوزُ فِي الْخَشَبِ وَالزُّجَاجِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إِمَّا لِضِيقِهِ أَوْ ثِقَلِهِ أَوْ تَكَسُّرِهِ بِالْمَشْيِ أَوْ تَعَذُّرِهِ كَرَقِيقِ الْخَرَقِ أَوِ اللُّبُودِ لَمْ يَجُزْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ .
وَأَمَّا الْخُفُّ الْمُحَرَّمُ كَالْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبِ فَقِيلَ: هُوَ عَلَى رِوَايَتَيِ الصَّلَاةِ فِي 254 الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْقِتَالِ الْمُحَرَّمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَغْصُوبِ وَلَوْ لَبِسَ جِلْدًا نَجِسًا لِحَاجَةٍ كَبِلَادِ الثَّلْجِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا مِنْ سُقُوطِ أَصَابِعِهِ بِخَلْعِهِ أَجْزَأَهُ مَسْحُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ ، وَإِنْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ بِالْمُلَاقَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَمَا لَا يَمْنَعُ تَنَجُّسُهُ عَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِخَلْعِهِ فِي الْأَصْلِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لُبْسُهُ هُنَا لِلضَّرُورَةِ فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ خَلْعَ الْخُفِّ الطَّاهِرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةٌ نَادِرَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ فَرْضِهِ الْغَسْلَ ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ لِقُرُوحٍ أَوْ بَرْدٍ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَوْ كَانَ بِقَدَمِهِ أَوْ بِبَاطِنِ خُفِّهِ نَجَاسَةٌ لَا تُزَالُ إِلَّا بِنَزْعِهِ فَقَدْ قِيلَ هُوَ كَالْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُمْكِنُ مَعَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ غَالِبًا إِلَّا بِنَقْضِهَا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ لِطَهَارَتِهِ ، وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةَ إِنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا أَوْجَبَتْ طَهَارَتَيْنِ جُعِلَتْ إِحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى .
وَمَنْ كَانَ لَابِسًا خُفًّا فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَخْلَعَهُ وَيَغْسِلَ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ عَادَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَلَعَ وَغَسَلَ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَدًّا لِلرُّخْصَةِ وَتَشَبُّهًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَيَكُونُ مَفْضُولًا .
وَالثَّانِيَةُ : الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَأَمَّا 255 مَنْ لَا خُفَّ عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ لِقَصْدِ الْمَسْحِ ، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ لِأَنْ يَقْصُرَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمَسْحَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى ، لِمَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ قَالَ : " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى يَجِبُ فِيهَا غَسْلُ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَبَاطِنِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَمَا هُوَ مَسْتُورٌ بِغَيْرِ الْخِلْقَةِ أَوْلَى ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِيهِ غَسْلُ مَا اسْتَتَرَ بِنَفْسِ الْخِلْقَةِ فَجَازَ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ الْخُفُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ يُشَبَّهُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ مَحَلَّهُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ .
وَلِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَلِّ الشَّعْرِ وَإِنْقَاءِ الْبَشَرِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْمُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً والْمُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ بَطَلَ حُكْمُ الطَّهَارَةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى لُبْسٍ ثَانٍ عَلَى طَهَارَةِ غُسْلٍ إِنْ أَحَبَّ الْمَسْحَ ثَانِيًا وَهَلُمَّ جَرَّا ؛ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَالُ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَغَيْرِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ .
256 وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ : سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ : " لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالسَّفَرُ الْمُعْتَبَرُ لِلْمُدَّةِ هُوَ السَّفَرُ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ فِي قَدْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ .
فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ مُحَرَّمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ ، وَقِيلَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِي الْأَصْلِ رُخْصَةٌ فَلَا يُعَانُ بِهِ عَلَى سَفَرِهِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ الرُّخَصَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ السَّفَرَ يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرٍ فِعْلُهَا كَالْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَأَوَّلُ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ بَعْدَ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي أَشْهَرَ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى مِنْ حِينِ الْمَسْحِ بَعْدَ الْحَدَثِ إِلَي مِثْلِهِ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فَلَوْ كَانَ أَوَّلُهُ الْحَدَثَ لَكَانَ 257 الْمَسْحُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَقَدْ لَا يُمْسَحُ أَصْلًا إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ بَعْدَ الْحَدَثِ ثَلَاثًا ، وَقَالَ عُمَرُ : " امْسَحْ إِلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِي مَسَحْتَ فِيهَا " رَوَاهُ الْخَلَّالُ .
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنُّوْمِ، فَمَفْهُومُهُ إِنَّمَا يُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَضْمَنُهُنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ وَقْتٌ يُبَاحُ فِيهِ الْمَسْحُ فَكَانَ مِنَ الْمُدَّةِ كَمَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ .
وَهَذَا لِأَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ مَا جَازَ فِيهِ فِعْلُهَا إِلَّا مَا وَقَعَ فِعْلُهَا كَالصَّلَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ ثَلَاثًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي فَإِنَّهُ مِنَ الْمُدَّةِ ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْمَسْحِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الْمَسْحِ عَقِيبَ الْحَدَثِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .