الطهارة
الوضوءالتيممالحيضالمسح على الخفينالآنيةالسواكالاستنجاءالاستطابةما يوجب الغسلالمياهنواقض الوضوءنية الوضوءإزالة النجاسة الحكميةالأنجاسالسواك وسنة الوضوءالسواك وغيرهصفة الوضوءفرض الوضوء وصفتهمسح الخفينيرفع الحدث وحكم الخبثالاجتهاد في الماء المشتبهالأحداثالأحداث التي تنقض الوضوءأحكام المياهأسباب الحدث الأصغرالاستطابة وآداب التخليالاستطابة والحدثالآنية التي يتوضأ فيها ولا يتوضأالأوانيبيان أنواع المياه وأحكامها وما يتبعهابيان النجاسات والماء النجسالتراب الذي يتيمم به ولا يتيممالتسمية على الوضوءالتسوك وغيره من سنن الفطرةتقديم الوضوء ومتابعتهجامع التيمم والعذر فيهجماع المسح على الخفينالحيض والاستحاضة والنفاسالحيض وما يذكر معه من الاستحاضة والنفاسدخول الخلاءذكر الله عز وجل على غير وضوءذكر النجاسة وإزالتهاالشك في نجاسة الماء والتحري فيهطهارة الثيابعدد الوضوء والحد فيهعلة من يجب عليه الغسل والوضوءغسل الرجلينالغسل من الجنابةغسل الوجهالغسل وموجبهغسل اليدينغسل اليدين قبل الوضوءفرض الطهارةفي الاستنجاءفي صفة الغسلقدر الماء الذي يتوضأ بهالكلام والأخذ من الشاربكيف التيممكيف الغسللا وضوء مما يطعم أحدما تكون به الطهارة من الماءما يجوز به الطهارة من المياه وما لا يجوزما يطهر الأرض وما لا يطهرهاما يفسد الماء من الاستعمال وما لا يفسدهما يفسد الماء من الطاهرات وما لا يفسدهما يفسد الماء من النجاسة وما لا يفسدهما ينقض الطهارةما ينقض مسح الخفينما يوجب الغسل ولا يوجبهما يوجب الغسل وما يسن لهما يوصل بالرجل والمرأةالماء الطاهرالماء يشك فيهمتى يتيمم للصلاةمسح الحائلمسح الخفين وسائر الحوائلمسح الخفين وما في معناهمامسح الرأسالمضمضة والاستنشاقمقام الموضئممر الجنب والمشرك على الأرض ومشيهما عليهامن خرج منه المذيمن له المسحمن نسي المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابةالمنيالنجاسةنواقض الطهارة الصغرىنواقض الوضوء وهي مفسداتهالنية في التيممالوضوء من مس الذكروقت المسح على الخفين
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
( كِتَابُ الطَّهَارَةِ ) :
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ ، فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، فِي تَفْسِيرِ الطَّهَارَةِ ، وَالثَّانِي ، فِي بَيَانِ أَنْوَاعِهَا ( أَمَّا ) تَفْسِيرُهَا : فَالطَّهَارَةُ لُغَةً ، وَشَرْعًا هِيَ النَّظَافَةُ ، وَالتَّطْهِيرُ ، وَالتَّنْظِيفُ ، وَهُوَ إثْبَاتُ النَّظَافَةِ فِي الْمَحَلِّ ، وَأَنَّهَا صِفَةٌ تَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُهَا بِوُجُودِ ضِدِّهَا ، وَهُوَ الْقَذَرُ ، فَإِذَا زَالَ الْقَذَرُ ، وَامْتَنَعَ حُدُوثُهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْقَذِرَةِ ، تَحْدُثُ النَّظَافَةُ ، فَكَانَ زَوَالُ الْقَذَرِ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ حُدُوثِ الطَّهَارَةِ ، لَا أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَهَارَةً تَوَسُّعًا لِحُدُوثِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ زَوَالِهِ .
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ ، فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، فِي تَفْسِيرِ الطَّهَارَةِ ، وَالثَّانِي ، فِي بَيَانِ أَنْوَاعِهَا ( أَمَّا ) تَفْسِيرُهَا : فَالطَّهَارَةُ لُغَةً ، وَشَرْعًا هِيَ النَّظَافَةُ ، وَالتَّطْهِيرُ ، وَالتَّنْظِيفُ ، وَهُوَ إثْبَاتُ النَّظَافَةِ فِي الْمَحَلِّ ، وَأَنَّهَا صِفَةٌ تَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُهَا بِوُجُودِ ضِدِّهَا ، وَهُوَ الْقَذَرُ ، فَإِذَا زَالَ الْقَذَرُ ، وَامْتَنَعَ حُدُوثُهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْقَذِرَةِ ، تَحْدُثُ النَّظَافَةُ ، فَكَانَ زَوَالُ الْقَذَرِ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ حُدُوثِ الطَّهَارَةِ ، لَا أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَهَارَةً تَوَسُّعًا لِحُدُوثِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ زَوَالِهِ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
79 كِتَابُ الطَّهَارَةِ قُدِّمَتْ الْعِبَادَاتُ عَلَى غَيْرِهَا اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا ، وَالصَّلَاةُ تَالِيَةٌ لِلْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةُ مِفْتَاحُهَا بِالنَّصِّ ، وَشَرْطٌ بِهَا مُخْتَصٌّ ، 80 لَازِمٌ لَهَا فِي كُلِّ الْأَرْكَانِ ، وَمَا قِيلَ قُدِّمَتْ لِكَوْنِهَا شَرْطًا لَا يَسْقُطُ أَصْلًا ، وَلِذَا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ ، وَمَا أُورِدَ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ مَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ
أَمَّا النِّيَّةُ فَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا : مَنْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ . وَأَمَّا الطَّهَارَةُ ، فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَبِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا يُعِيدُ ، قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِي الْأَصَحِّ .
وَأَمَّا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ ، فَفِي الْفَيْضِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَشَبَّهُ عِنْدَهُمَا ، وَإِلَيْهِ صَحَّ رُجُوعُ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى . 81
قُلْت : وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ تَعَمُّدَ الصَّلَاةِ بِلَا طُهْرٍ غَيْرُ مُكَفِّرٍ كَصَلَاتِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ ثَوْبٍ نَجَسٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ ، وَفِي سِيَرِ الْوَهْبَانِيَّةِ : ﴿﴾ وَفِي كُفْرِ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مَعَ الْعَمْدِ خُلْفٌ فِي الرِّوَايَاتِ يُسْطَرُ ﴿﴾
ثُمَّ هُوَ مُرَكَّبٌ إضَافِيٌّ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ أَوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ، فَإِنْ أُرِيدَ التَّعْدَادَ بُنِيَ عَلَى السُّكُونِ وَكُسِرَ تَخَلُّصًا 82 مِنْ السَّاكِنَيْنِ وَإِضَافَتُهُ لَامِيَّةٌ لَا مِيمِيَّةٌ .
وَهَلْ يَتَوَقَّفُ حَدُّهُ لَقَبًا عَلَى مَعْرِفَةِ مُفْرَدَيْهِ ؟ الرَّاجِحُ نَعَمْ ، فَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْجَمْعِ 83 لُغَةً ، جُعِلَ شَرْعًا عُنْوَانًا لِمَسَائِلَ مُسْتَقِلَّةٍ . بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ .
وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ : بِمَعْنَى النَّظَافَةِ لُغَةً ، وَلِذَا أَفْرَدَهَا . وَشَرْعًا النَّظَافَةُ عَنْ حَدَثٍ أَوْ خُبْثٍ 84 وَمَنْ جَمَعَ نَظَرَ لِأَنْوَاعِهَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ . وَحِكَمُهَا شَهِيرَةٌ . وَحُكْمُهَا اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ بِدُونِهَا
أَمَّا النِّيَّةُ فَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا : مَنْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ . وَأَمَّا الطَّهَارَةُ ، فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَبِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا يُعِيدُ ، قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِي الْأَصَحِّ .
وَأَمَّا فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ ، فَفِي الْفَيْضِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَشَبَّهُ عِنْدَهُمَا ، وَإِلَيْهِ صَحَّ رُجُوعُ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى . 81
قُلْت : وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ تَعَمُّدَ الصَّلَاةِ بِلَا طُهْرٍ غَيْرُ مُكَفِّرٍ كَصَلَاتِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ ثَوْبٍ نَجَسٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ ، وَفِي سِيَرِ الْوَهْبَانِيَّةِ : ﴿﴾ وَفِي كُفْرِ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مَعَ الْعَمْدِ خُلْفٌ فِي الرِّوَايَاتِ يُسْطَرُ ﴿﴾
ثُمَّ هُوَ مُرَكَّبٌ إضَافِيٌّ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ أَوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ، فَإِنْ أُرِيدَ التَّعْدَادَ بُنِيَ عَلَى السُّكُونِ وَكُسِرَ تَخَلُّصًا 82 مِنْ السَّاكِنَيْنِ وَإِضَافَتُهُ لَامِيَّةٌ لَا مِيمِيَّةٌ .
وَهَلْ يَتَوَقَّفُ حَدُّهُ لَقَبًا عَلَى مَعْرِفَةِ مُفْرَدَيْهِ ؟ الرَّاجِحُ نَعَمْ ، فَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْجَمْعِ 83 لُغَةً ، جُعِلَ شَرْعًا عُنْوَانًا لِمَسَائِلَ مُسْتَقِلَّةٍ . بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ .
وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ : بِمَعْنَى النَّظَافَةِ لُغَةً ، وَلِذَا أَفْرَدَهَا . وَشَرْعًا النَّظَافَةُ عَنْ حَدَثٍ أَوْ خُبْثٍ 84 وَمَنْ جَمَعَ نَظَرَ لِأَنْوَاعِهَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ . وَحِكَمُهَا شَهِيرَةٌ . وَحُكْمُهَا اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ بِدُونِهَا
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
( كِتَابُ الطَّهَارَةِ ) اعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ أُمُورِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْمَزَاجِرِ وَالْآدَابِ فَالِاعْتِقَادَاتُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ : الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَالْعِبَادَاتُ خَمْسَةٌ : الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ ، وَالْمُعَامَلَاتُ خَمْسَةٌ : الْمُعَاوَضَاتُ الْمَالِيَّةُ وَالْمُنَاكَحَاتُ وَالْمُخَاصِمَاتُ وَالْأَمَانَاتُ وَالتَّرِكَاتُ 8 وَالْمَزَاجِرُ خَمْسَةٌ : مَزْجَرَةُ قَتْلِ النَّفْسِ ، وَمَزْجَرَةُ أَخْذِ الْمَالِ ، وَمَزْجَرَةُ هَتْكِ السِّتْرِ ، وَمَزْجَرَةُ هَتْكِ الْعِرْضِ ، وَمَزْجَرَةُ قَطْعِ الْبَيْضَةِ ، وَالْآدَابُ أَرْبَعَةٌ : الْأَخْلَاقُ ، وَالشِّيَمُ الْحَسَنَةُ ، وَالسِّيَاسَاتُ وَالْمُعَاشَرَاتُ فَالْعِبَادَاتُ ، وَالْمُعَامَلَاتُ ، وَالْمَزَاجِرُ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ دُونَ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَقُدِّمَ فِي سَائِرِ كُتُبِ الْفِقْهِ الْعِبَادَاتُ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ وَالْمَزَاجِرِ ; لِكَوْنِهَا أَهَمَّ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ الصَّلَاةُ قُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّهَا تَالِيَةُ الْإِيمَانِ وَثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَالْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } وَكَحَدِيثِ { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } ثُمَّ قُدِّمَتْ الطَّهَارَةُ هُنَا عَلَى الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهَا شَرْطُهَا وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا وَخَصَّهَا بِالْبُدَاءَةِ دُونَ سَائِرِ الشُّرُوطِ ; لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ
وَتَعْلِيلُهُمْ لِلْأَهَمِّيَّةِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ أَصْلًا لَا يَخُصُّهَا ; لِأَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ بِأَنَّهَا مِنْ الشَّرَائِطِ اللَّازِمَةِ لِلصَّلَاةِ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهَا ، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ فَتَخْرُجُ النِّيَّةُ ; لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا ، وَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِهَا بَلْ مِنْ خَصَائِصِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا ثُمَّ كِتَابُ الطَّهَارَةِ مُرَكَّبٌ إضَافِيٌّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ جُزْأَيْهِ ، وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ فَالْكِتَابُ لُغَةً مَصْدَرُ كَتَبَ كِتَابَةً وَكِتْبَةً وَكِتَابًا بِمَعْنَى الْكَتْبِ ، وَهُوَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَسُمِّيَ بِهِ الْمَفْعُولُ لِلْمُبَالَغَةِ تَقُولُ كَتَبْت الْبُلْغَةَ إذَا جَمَعْت بَيْنَ رَحِمِهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ وَكَتَبْت الْقِرْبَةَ إذَا خَرَزْتهَا كَتْبًا وَالْكُتْبَةُ بِالضَّمِّ الْخَزْرَةُ وَالْجَمْعُ كُتَبٌ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْكَتِيبَةُ الْجَيْشُ الْمُجْتَمِعُ ، وَتَكَتَّبَتْ الْخَيْلُ أَيْ تَجَمَّعَتْ وَسُمِّيَتْ الْكِتَابَةُ كِتَابَةً ; لِأَنَّهَا جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَجَمْعُهُ كُتُبٌ بِضَمَّتَيْنِ وَكُتْبٌ بِسُكُونِ التَّاءِ وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ عَلَى الْجَمْعِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَقَوْلُهُمْ سُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ مُكَاتَبَةً ; لِأَنَّهُ ضَمُّ حُرِّيَّةِ الْيَدِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ ; أَوْ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا : هَذَا الْوَفَاءُ ، وَهَذَا الْأَدَاءُ انْتَهَى ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّجْمَيْنِ ضَعِيفًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهَا لِجَوَازِهَا حَالَّةً وَضَعْفُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ تَحْصُلْ حُرِّيَّةُ الرَّقَبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَ
فِي الِاصْطِلَاحِ جَمْعُ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَقِلَّةِ فَخَرَجَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسَائِلَ وَخَرَجَ الْبَابُ وَالْفَصْلُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ كِتَابٍ وَشَمِلَ مَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا مِنْ الْمَسَائِلِ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ أَوْ أَنْوَاعًا كَكِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً لِيَدْخُلَ مَا كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بَلْ اُعْتُبِرَ مُسْتَقِلًّا كَكِتَابِ الطَّهَارَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْلَالِ عَدَمُ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ الْمَسَائِلِ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهَا وَلَا شَيْءٍ بَعْدَهَا وَكِتَابُ الطَّهَارَةِ كَذَلِكَ لَا الْأَصَالَةُ وَعَدَمُ التَّبَعِيَّةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لِخُصُوصِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ وَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ لِلشَّمْلِ وَالْإِحَاطَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَيْسَ هُوَ هُنَا وَضْعًا شَرْعِيًّا ، وَإِنَّمَا هُوَ وَضْعٌ عُرْفِيٌّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كِتَابًا إلَّا إذَا أَحَاطَ بِمَسَائِلِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ وَشَمِلَهَا وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ فَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالطَّهَارَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْفِعْلُ لُغَةً ، وَهِيَ النَّظَافَةُ وَبِكَسْرِهَا الْآلَةُ وَبِضَمِّهَا فَضْلُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ
وَاصْطِلَاحًا زَوَالُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ وَ الْحَدَثُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْضَاءِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ وَهُوَ طَبْعِيٌّ كَالْمَاءِ وَشَرْعِيٌّ كَالتُّرَابِ وَالْخَبَثُ عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا وَكَلِمَةُ أَوْ فِي الْحَدِّ لَيْسَتْ لِمَنْعِ الْجَمْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِهَا الْحَدُّ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهَا إزَالَةُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الزَّوَالِ بِدُونِ الْإِزَالَةِ كَمَا إذَا وَقَعَ الْمَطَرُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَلَيْسَ بِإِزَالَةٍ لِعَدَمِ 9 الصُّنْعِ مِنْهُ وَلَا يَرِدُ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَبِدُونِ الزَّوَالِ الْمَذْكُورِ بِاعْتِبَارِ إزَالَةِ الْآثَارِ الْحَاصِلَةِ ; لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ طَهَارَةً مَجَازٌ وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَقِيقَةِ وَعَرَّفَهَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِمَا يَدْخُلُهُ فَقَالَ إيصَالُ مُطَهِّرٍ إلَى مَحَلٍّ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أَوْ يُنْدَبُ ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُصُولِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِزَالَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ ، وَهُوَ تَوَقُّفُ مُطَهِّرٍ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَهِيَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بَعْضُ التَّعْرِيفِ وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِالزَّوَالِ الْمَذْكُورِ تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ فَقَالَ الطَّهَارَةُ لُغَةً وَشَرْعًا هِيَ النَّظَافَةُ وَالتَّطْهِيرُ التَّنْظِيفُ ، وَهُوَ إثْبَاتُ النَّظَافَةِ فِي الْمَحَلِّ ، فَإِنَّهَا صِفَةٌ تَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُهَا بِوُجُودِ ضِدِّهَا ، وَهُوَ الْقَذَرُ فَإِذَا أَزَالَ الْقَذَرَ أَيْ امْتَنَعَ حُدُوثُهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْقَذِرَةِ تَحْدُثُ النَّظَافَةُ فَكَانَ زَوَالُ الْقَذَرِ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ حُدُوثِ الطَّهَارَةِ لَا أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَهَارَةً تَوَسُّعًا لِحُدُوثِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ زَوَالِهِ ا هـ .
وَتَعْلِيلُهُمْ لِلْأَهَمِّيَّةِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ أَصْلًا لَا يَخُصُّهَا ; لِأَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ بِأَنَّهَا مِنْ الشَّرَائِطِ اللَّازِمَةِ لِلصَّلَاةِ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهَا ، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ فَتَخْرُجُ النِّيَّةُ ; لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا ، وَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِهَا بَلْ مِنْ خَصَائِصِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا ثُمَّ كِتَابُ الطَّهَارَةِ مُرَكَّبٌ إضَافِيٌّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ جُزْأَيْهِ ، وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ فَالْكِتَابُ لُغَةً مَصْدَرُ كَتَبَ كِتَابَةً وَكِتْبَةً وَكِتَابًا بِمَعْنَى الْكَتْبِ ، وَهُوَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَسُمِّيَ بِهِ الْمَفْعُولُ لِلْمُبَالَغَةِ تَقُولُ كَتَبْت الْبُلْغَةَ إذَا جَمَعْت بَيْنَ رَحِمِهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ وَكَتَبْت الْقِرْبَةَ إذَا خَرَزْتهَا كَتْبًا وَالْكُتْبَةُ بِالضَّمِّ الْخَزْرَةُ وَالْجَمْعُ كُتَبٌ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْكَتِيبَةُ الْجَيْشُ الْمُجْتَمِعُ ، وَتَكَتَّبَتْ الْخَيْلُ أَيْ تَجَمَّعَتْ وَسُمِّيَتْ الْكِتَابَةُ كِتَابَةً ; لِأَنَّهَا جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَجَمْعُهُ كُتُبٌ بِضَمَّتَيْنِ وَكُتْبٌ بِسُكُونِ التَّاءِ وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ عَلَى الْجَمْعِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَقَوْلُهُمْ سُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ مُكَاتَبَةً ; لِأَنَّهُ ضَمُّ حُرِّيَّةِ الْيَدِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ ; أَوْ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا : هَذَا الْوَفَاءُ ، وَهَذَا الْأَدَاءُ انْتَهَى ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّجْمَيْنِ ضَعِيفًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهَا لِجَوَازِهَا حَالَّةً وَضَعْفُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ تَحْصُلْ حُرِّيَّةُ الرَّقَبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَ
فِي الِاصْطِلَاحِ جَمْعُ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَقِلَّةِ فَخَرَجَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسَائِلَ وَخَرَجَ الْبَابُ وَالْفَصْلُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ كِتَابٍ وَشَمِلَ مَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا مِنْ الْمَسَائِلِ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ أَوْ أَنْوَاعًا كَكِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً لِيَدْخُلَ مَا كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بَلْ اُعْتُبِرَ مُسْتَقِلًّا كَكِتَابِ الطَّهَارَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْلَالِ عَدَمُ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ الْمَسَائِلِ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهَا وَلَا شَيْءٍ بَعْدَهَا وَكِتَابُ الطَّهَارَةِ كَذَلِكَ لَا الْأَصَالَةُ وَعَدَمُ التَّبَعِيَّةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لِخُصُوصِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ وَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ لِلشَّمْلِ وَالْإِحَاطَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَيْسَ هُوَ هُنَا وَضْعًا شَرْعِيًّا ، وَإِنَّمَا هُوَ وَضْعٌ عُرْفِيٌّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كِتَابًا إلَّا إذَا أَحَاطَ بِمَسَائِلِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ وَشَمِلَهَا وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ فَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالطَّهَارَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْفِعْلُ لُغَةً ، وَهِيَ النَّظَافَةُ وَبِكَسْرِهَا الْآلَةُ وَبِضَمِّهَا فَضْلُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ
وَاصْطِلَاحًا زَوَالُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ وَ الْحَدَثُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْضَاءِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ وَهُوَ طَبْعِيٌّ كَالْمَاءِ وَشَرْعِيٌّ كَالتُّرَابِ وَالْخَبَثُ عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا وَكَلِمَةُ أَوْ فِي الْحَدِّ لَيْسَتْ لِمَنْعِ الْجَمْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِهَا الْحَدُّ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهَا إزَالَةُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الزَّوَالِ بِدُونِ الْإِزَالَةِ كَمَا إذَا وَقَعَ الْمَطَرُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَلَيْسَ بِإِزَالَةٍ لِعَدَمِ 9 الصُّنْعِ مِنْهُ وَلَا يَرِدُ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَبِدُونِ الزَّوَالِ الْمَذْكُورِ بِاعْتِبَارِ إزَالَةِ الْآثَارِ الْحَاصِلَةِ ; لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ طَهَارَةً مَجَازٌ وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَقِيقَةِ وَعَرَّفَهَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِمَا يَدْخُلُهُ فَقَالَ إيصَالُ مُطَهِّرٍ إلَى مَحَلٍّ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أَوْ يُنْدَبُ ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُصُولِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِزَالَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ ، وَهُوَ تَوَقُّفُ مُطَهِّرٍ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَهِيَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بَعْضُ التَّعْرِيفِ وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِالزَّوَالِ الْمَذْكُورِ تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ فَقَالَ الطَّهَارَةُ لُغَةً وَشَرْعًا هِيَ النَّظَافَةُ وَالتَّطْهِيرُ التَّنْظِيفُ ، وَهُوَ إثْبَاتُ النَّظَافَةِ فِي الْمَحَلِّ ، فَإِنَّهَا صِفَةٌ تَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُهَا بِوُجُودِ ضِدِّهَا ، وَهُوَ الْقَذَرُ فَإِذَا أَزَالَ الْقَذَرَ أَيْ امْتَنَعَ حُدُوثُهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْقَذِرَةِ تَحْدُثُ النَّظَافَةُ فَكَانَ زَوَالُ الْقَذَرِ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ حُدُوثِ الطَّهَارَةِ لَا أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَهَارَةً تَوَسُّعًا لِحُدُوثِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ زَوَالِهِ ا هـ .
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
9 كِتَابُ الطَّهَارَةِ
مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَلْيَتَوَضَّأْ .
مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَلْيَتَوَضَّأْ .
المالكية
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
اقرأ →
( الْفَرِيضَةُ ) الْأُولَى غَسْلُ الْوَجْهِ وَفَرْضِيَّتُهَا ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَحَدُّهُ عَرْضًا مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَهَذَا 184 أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمْ : مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ لِلْخِلَافِ فِي الْغَايَةِ هَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمُغَيَّا أَمْ لَا ؟ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ : مِنْ الْعِذَارِ إلَى الْعِذَارِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَقِيلَ : إنْ كَانَ نَقِيَّ الْخَدِّ فَكَالْأَوَّلِ وَإِلَّا فَكَالثَّانِي . حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَانْفَرَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِأَنَّ غَسْلَ مَا بَيْنِ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ سُنَّةٌ وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْوَجْهِ وَجَبَ وَإِلَّا سَقَطَ وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ سُنَّةً إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَثْبُتْ فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَأَنَّ مَا بَيْنَ الْعِذَارَيْنِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِالْجَمِيعِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْوَجْهِ الثَّانِي ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ غَالِبًا . وَوَجْهُ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ ظَاهِرٌ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ : وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ التَّنَازُعُ فِي الْمُوَاجَهَةِ هَلْ تَتَنَاوَلُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ أَمْ لَا ؟ وَالْعِذَارُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَارِضِ وَالْعَارِضُ صَفْحَةُ الْخَدِّ .
( تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ : وَانْظُرْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَغْسِلُ مِنْ الْعِذَارِ إلَى الْعِذَارِ ، هَلْ يَدْخُلُ الْعِذَارُ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ دُخُولُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ نَاجِي : قُلْتُ : الْأَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُهُ .
( قُلْتُ ) الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ .
( الثَّانِي ) قَالَ اللَّخْمِيُّ خَفِيفُ الْعِذَارِ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ عِذَارٌ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ .
( الثَّالِثُ ) عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ : إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ سُنَّةٌ فَيَغْسِلُهُ مَعَ الْوَجْهِ وَلَا يُفْرِدُهُ بِالْغَسْلِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ . قَالَ : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْأُذُنِ حَيْثُ طَلَبَ لَهَا تَجْدِيدَ الْمَاءِ أَنَّ إفْرَادَهُ بِالْغَسْلِ يُؤَدِّي إلَى التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا فَقَالَ : وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ . يَعْنِي أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ وَأَمَّا مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ظَاهِرَهَا وَلَوْ طَالَتْ . وَالذَّقَنُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ تَثْنِيَةُ لَحْيٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاء أَيْضًا ، وَحُكِيَ كَسْرُ اللَّامِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَاللَّحْيُ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ اللِّحْيَةُ . هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ الْأَسْنَانُ السُّفْلَى وَتَنْبُتُ اللِّحْيَةُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَمَا أَدْرِي لِمَ قَيَّدُوهُ بِالْأَسْنَانِ السُّفْلَى وَقَدْ قَالُوا فِي بَابِ الْجِرَاحِ : اللَّحْيُ الْأَعْلَى وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي أَحْكَامِ الْجِرَاحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ تَفْسِيرَ اللَّحْيِ الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ اللَّحْيَيْنِ اللَّذَانِ أُخِذَا فِي تَفْسِيرِ الذَّقَنِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَكَسْرُ اللَّامِ فِي اللِّحْيَةِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا ، وَتَسْمِيَةُ اللِّحْيَةِ دَقْنًا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ فِي اللُّغَةِ .
( تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ) قَوْلُهُ : وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ إنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْأُذُنَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَمَا بَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ اقْتَضَى كَلَامُهُ خُرُوجَ الذَّقَنِ مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ ، وَقَدْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لَا خِلَافَ أَنَّ الذَّقَنَ دَاخِلٌ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمِرْفَقِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى " مَا " مِنْ قَوْلِهِ : غَسْلَ عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَزِمَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَفْحَشُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ غَسْلَهُمَا فَقَطْ .
( قُلْتُ ) قَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي : إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ مَعَ غَسْلِ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالذَّقَنِ يَسْتَكْمِلُ غَسْلَ جَمِيعِ الْوَجْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ مِنْ الْوَجْهِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : قَوْلُهُ : وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأُذُنَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ مَعْطُوفَانِ عَلَى مَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْأُذُنَيْنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ الذَّقَنِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ لِحْيَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ غَسْلِ ظَاهِرِهَا .
( الثَّانِي ) قَوْلُهُ : مَنَابِتُ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ يَعْنِي الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا فِي الْعَادَةِ أَنْ يَنْبُتَ فِيهَا شَعْرُ الرَّأْسِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِنْ الْغَمَمِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَمِيمَيْنِ 185 وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ ذَلِكَ ، يُقَالُ : رَجُلٌ غَمٌّ وَامْرَأَةٌ غَمَّاءُ وَالْعَرَبُ تَذِمُّ بِهِ وَتَمْدَحُ بِالنَّزْعِ ; لِأَنَّ الْغَمَمَ يَدُلُّ عَلَى الْبَلَادَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالنَّزْعُ بِضِدِّ ذَلِكَ قَالَ ﴿﴾ : فَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَنَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا ﴿﴾ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَالْجَبْهَةُ مَا أَصَابَ الْأَرْضَ فِي حَالِ السُّجُودِ وَالْجَبِينَانِ مَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَالْعَارِضَانِ وَالْعَنْفَقَةُ وَأَهْدَابُ الْعَيْنِ وَالشَّارِبِ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ فَمَا كَانَ كَثِيفَ الشَّعْرِ غُسِلَ ظَاهِرُهُ وَلَمْ يَجِبْ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ ، وَقِيلَ : يَجِبُ ، وَمَا كَانَ خَفِيفًا وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ انْتَهَى . وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ .
( قُلْتُ ) لَهُ وَمَا حَدُّ الْوَجْهِ الَّذِي إذَا قَصُرَ عَنْهُ الْمُتَوَضِّئُ أَعَادَ فَقَالَ لِي : دَوْرُ الْوَجْهِ .
( قُلْتُ ) فَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ وَالذَّقَنُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَيْسَ فِيهِ مُوضِحَةٌ ، فَقَالَ : أَخْطَأَ مَنْ يَقُولُ هَذَا قَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْأَنْفَ لَا مُوضِحَةَ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : وَهَذَا كَمَا قَالَ . وَاللَّحْيُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ الذَّقَنُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَهُ وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَفِي النَّوَادِرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَمَا تَحْتَ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ : وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ ، وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِهِ لِلرِّسَالَةِ وَزَادَ فِيهِ : وَلَقَدْ رَأَيْت شَيْخَ الْمَالِكِيَّةِ نُورَ الدِّينِ السَّنْهُورِيَّ يَغْسِلُهُ وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ فَلَا أَدْرِي لِوَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الطِّرَازِ : وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْوَجْهِ . قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ : لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى . وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْضًا مِنْ الصَّلَعِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ خُلُوُّ النَّاصِيَةِ مِنْ الشَّعْرِ ، وَالنَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَلَا تَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ النَّزَعَتَانِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا وَالنَّزَعَتَانِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْعَيْنِ تَثْنِيَةُ نَزَعَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْضًا وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ . وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : هُمَا الْخَالِيَتَانِ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى جَنْبَيْ الْجَبِينِ الذَّاهِبَتَيْنِ عَلَى جَنْبَيْ الْيَافُوخِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ وَيُقَالُ لَهُمَا الْجَلَحَتَانِ مِنْ الْجَلَحِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ ، وَفِي الصِّحَاحِ رَجُلٌ أَنْزَعُ بَيْنَ النَّزَعِ وَهُوَ الَّذِي انْحَسَرَ عَنْ جَانِبَيْ جَبْهَتِهِ وَمَوْضِعُهُ النَّزَعَةُ وَهُمَا النَّزَعَتَانِ قَالَهُ فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَالَ فِي فَصْلِ الْجِيمِ مِنْ بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْجَلَحُ فَوْقَ النَّزَعِ وَهُوَ انْحِسَارُ الشَّعْرِ عَنْ جَانِبَيْ الرَّأْسِ ، أَوَّلُهُ النَّزَعُ ثُمَّ الْجَلَحُ ثُمَّ الصَّلَعُ وَقَدْ جَلِحَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَجْلَحُ بَيِّنُ الْجَلَحِ وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْجَلَحَةُ ، وَقَالَ سَنَدٌ : النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ وَهُمَا الْجَلَحَتَانِ ; لِأَنَّهُمَا فِي سَمْتِ النَّاصِيَةِ وَمَا يَلِي الْجَلَحَتَيْنِ إلَى الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ انْتَهَى فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ لَا مِنْ الْوَجْهِ . قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ شَعْرَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْحِ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي مِنْ فَوْقِ الْعَظْمِ مِنْ حَيْثُ يَعْرِضُ الصُّدْغُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَحْلِقُهُ الْمُحْرِمُ وَأَمَّا مَا دُون ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ . وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ شَعْرُ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْخِفَّةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ لَزِمَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ مَوْضِعِ الْعَظْمِ وَحَيْثُ يَبْتَدِئُ نَبَاتُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ انْتَهَى .
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ : النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ يُمْسَحَانِ وَلَا يُغْسَلَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ وَشَعْرُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ مَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلٌ مِنْهُ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ ا هـ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : الْمَوْضِعُ الثَّانِي مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ وَهُوَ الدَّاخِلُ إلَى الْجَبِينِ مِنْ جَانِبَيْ الْوَجْهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : 186 وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ التَّحْذِيفُ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَادَةِ إذْ لَمْ يَجْعَلْهُ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى . وَيُرِيدُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجَبِينِ جِدًّا وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ السَّابِقُ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي تَفْسِيرِ مَوْضِعِ التَّحْذِيفِ : هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ مُتَّصِلًا بِالصُّدْغِ وَضَابِطُهُ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ خَيْطٍ عَلَى طَرَفِ الْأُذُنِ ، وَالطَّرَفَ الثَّانِيَ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ فَمَا نَزَلَ عَنْهُ إلَى جَانِبِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَشْرَافَ يَحْذِفُونَ الشَّعْرَ عَنْهُ لِيَتَّسِعَ الْوَجْهُ .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ : صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنْ الرَّأْسِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ إلَّا مَا كَانَ دَاخِلًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ كَالْأَغَمِّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ . إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا إشْكَالَ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ : وَلَمْ يُبَيِّنُوا فِي الْمَذْهَبِ حَدَّ الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ الْأُذُنِ إلَى طَرَفِ الْجَبْهَةِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ وَفِي تِلْكَ الْجِهَةِ يَنْبُتُ الشَّعْرُ عَادَةً لِغَيْرِ الْأَغَمِّ ، فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حَدَّدُوهُ فِي الطُّولِ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حُدُودُهُ فِي الْعَرْضِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَحِدُّهُ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ دَخَلَ ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَى دُخُولِهِ انْتَهَى . وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِغَسْلِهِ إمَّا عَلَى أَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِنَفْسِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ سَوَاءٌ فِي الْجَبْهَةِ أَوْ فِي الصُّدْغِ إلَى آخِرِ الذَّقَنِ وَعَرْضًا مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ ، وَلَيْسَ وَتَدَا الْأُذُنِ مِنْهُ ، وَمِنْهُ الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ ، وَطَرَفُ اللَّحْيِ الْأَسْفَلُ الْخَارِجُ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ وَاللَّحْيَيْنِ الْخَارِجَيْنِ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَخْرَجَهُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ مِنْ الْوَجْهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّدْغَ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الصِّحَاحِ ، وَبِهِ فَسَّرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ دُونَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ وَمَا كَانَ فَوْقَهُ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ ، وَقَوْلُهُمْ : يَجِبُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ يَعْنُونَ بِهِ مَا كَانَ تَحْتَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( الثَّالِثُ ) قَوْلُهُ : وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَلَوْ طَالَتْ . قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقِيلَ : لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مِنْ لِحْيَتِهِ إلَّا مَا اتَّصَلَ مِنْهَا بِوَجْهِهِ لَا مَا طَالَ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي سَمَاع مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى . وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَزَمَ بِنِسْبَةِ الثَّانِي لِسَمَاعِ مُوسَى قَالَ : وَقَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَسْحِ مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا مَا حَاذَى الْمَمْسُوحَ مِنْ الرَّأْسِ . قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ : وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ هَلْ يُعْتَبَرُ الْأَصْلُ فَيَجِبُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْمُحَاذَى وَهُوَ الصَّدْرُ فَلَا يَجِبُ ؟ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ : وَاعْتِبَارُ الْأَصْلِ أَوْلَى ، وَالْمُرَادُ بِغَسْلِ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَيْهَا مَعَ الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهَا . قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي : لَا خِلَافَ أَنَّ التَّحْرِيكَ لَا بُدَّ مِنْهُ . وَقَالَ سَنَدٌ : إذَا قُلْنَا : لَا يَجِبُ تَخْلِيلُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَيْهَا مَعَ الْيَدِ وَيُحَرِّكُ يَدَهُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ 187 فَيَمْنَعُ بَعْضُهُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى بَعْضٍ فَإِذَا حَرَّكَ ذَلِكَ حَصَلَ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ ظَاهِرِهِ انْتَهَى . وَهَذَا التَّحْرِيكُ غَيْرُ التَّخْلِيلِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي التَّخْلِيلِ ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ : وَصِفَةُ التَّحْرِيكِ هُوَ أَنْ يُدَافِعَ مَا انْصَبَّ مِنْ الْمَاءِ عَلَيْهَا حَتَّى يُدَاخِلَهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ بِالْأَصَابِعِ : وَلَفْظُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : مَعْنَى تَحْرِيكِهَا تَحْرِيكُ الْيَدِ عَلَيْهَا عِنْدَ مُرُورِ الْيَدِ عَلَيْهَا لِيُدَاخِلَهَا الْمَاءُ ; لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو عَنْهُ الْمَاءُ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : يَنْبُو أَيْ يَنْدَفِعُ وَيَتَبَاعَدُ .
( تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ : وَانْظُرْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَغْسِلُ مِنْ الْعِذَارِ إلَى الْعِذَارِ ، هَلْ يَدْخُلُ الْعِذَارُ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ دُخُولُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ نَاجِي : قُلْتُ : الْأَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُهُ .
( قُلْتُ ) الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ .
( الثَّانِي ) قَالَ اللَّخْمِيُّ خَفِيفُ الْعِذَارِ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ عِذَارٌ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ .
( الثَّالِثُ ) عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ : إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ سُنَّةٌ فَيَغْسِلُهُ مَعَ الْوَجْهِ وَلَا يُفْرِدُهُ بِالْغَسْلِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ . قَالَ : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْأُذُنِ حَيْثُ طَلَبَ لَهَا تَجْدِيدَ الْمَاءِ أَنَّ إفْرَادَهُ بِالْغَسْلِ يُؤَدِّي إلَى التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا فَقَالَ : وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ . يَعْنِي أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ وَأَمَّا مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ظَاهِرَهَا وَلَوْ طَالَتْ . وَالذَّقَنُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ تَثْنِيَةُ لَحْيٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاء أَيْضًا ، وَحُكِيَ كَسْرُ اللَّامِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَاللَّحْيُ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ اللِّحْيَةُ . هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ الْأَسْنَانُ السُّفْلَى وَتَنْبُتُ اللِّحْيَةُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَمَا أَدْرِي لِمَ قَيَّدُوهُ بِالْأَسْنَانِ السُّفْلَى وَقَدْ قَالُوا فِي بَابِ الْجِرَاحِ : اللَّحْيُ الْأَعْلَى وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي أَحْكَامِ الْجِرَاحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ تَفْسِيرَ اللَّحْيِ الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ اللَّحْيَيْنِ اللَّذَانِ أُخِذَا فِي تَفْسِيرِ الذَّقَنِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَكَسْرُ اللَّامِ فِي اللِّحْيَةِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا ، وَتَسْمِيَةُ اللِّحْيَةِ دَقْنًا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ فِي اللُّغَةِ .
( تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ) قَوْلُهُ : وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ إنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْأُذُنَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَمَا بَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ اقْتَضَى كَلَامُهُ خُرُوجَ الذَّقَنِ مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ ، وَقَدْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لَا خِلَافَ أَنَّ الذَّقَنَ دَاخِلٌ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمِرْفَقِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى " مَا " مِنْ قَوْلِهِ : غَسْلَ عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَزِمَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَفْحَشُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ غَسْلَهُمَا فَقَطْ .
( قُلْتُ ) قَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي : إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ مَعَ غَسْلِ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالذَّقَنِ يَسْتَكْمِلُ غَسْلَ جَمِيعِ الْوَجْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ مِنْ الْوَجْهِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : قَوْلُهُ : وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأُذُنَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ مَعْطُوفَانِ عَلَى مَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْأُذُنَيْنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ الذَّقَنِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ لِحْيَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ غَسْلِ ظَاهِرِهَا .
( الثَّانِي ) قَوْلُهُ : مَنَابِتُ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ يَعْنِي الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا فِي الْعَادَةِ أَنْ يَنْبُتَ فِيهَا شَعْرُ الرَّأْسِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِنْ الْغَمَمِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَمِيمَيْنِ 185 وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ ذَلِكَ ، يُقَالُ : رَجُلٌ غَمٌّ وَامْرَأَةٌ غَمَّاءُ وَالْعَرَبُ تَذِمُّ بِهِ وَتَمْدَحُ بِالنَّزْعِ ; لِأَنَّ الْغَمَمَ يَدُلُّ عَلَى الْبَلَادَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالنَّزْعُ بِضِدِّ ذَلِكَ قَالَ ﴿﴾ : فَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَنَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا ﴿﴾ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَالْجَبْهَةُ مَا أَصَابَ الْأَرْضَ فِي حَالِ السُّجُودِ وَالْجَبِينَانِ مَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَالْعَارِضَانِ وَالْعَنْفَقَةُ وَأَهْدَابُ الْعَيْنِ وَالشَّارِبِ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ فَمَا كَانَ كَثِيفَ الشَّعْرِ غُسِلَ ظَاهِرُهُ وَلَمْ يَجِبْ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ ، وَقِيلَ : يَجِبُ ، وَمَا كَانَ خَفِيفًا وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ انْتَهَى . وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ .
( قُلْتُ ) لَهُ وَمَا حَدُّ الْوَجْهِ الَّذِي إذَا قَصُرَ عَنْهُ الْمُتَوَضِّئُ أَعَادَ فَقَالَ لِي : دَوْرُ الْوَجْهِ .
( قُلْتُ ) فَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ وَالذَّقَنُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَيْسَ فِيهِ مُوضِحَةٌ ، فَقَالَ : أَخْطَأَ مَنْ يَقُولُ هَذَا قَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْأَنْفَ لَا مُوضِحَةَ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : وَهَذَا كَمَا قَالَ . وَاللَّحْيُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ الذَّقَنُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَهُ وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَفِي النَّوَادِرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَمَا تَحْتَ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ : وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ ، وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِهِ لِلرِّسَالَةِ وَزَادَ فِيهِ : وَلَقَدْ رَأَيْت شَيْخَ الْمَالِكِيَّةِ نُورَ الدِّينِ السَّنْهُورِيَّ يَغْسِلُهُ وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ فَلَا أَدْرِي لِوَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الطِّرَازِ : وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْوَجْهِ . قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ : لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى . وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْضًا مِنْ الصَّلَعِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ خُلُوُّ النَّاصِيَةِ مِنْ الشَّعْرِ ، وَالنَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَلَا تَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ النَّزَعَتَانِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا وَالنَّزَعَتَانِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْعَيْنِ تَثْنِيَةُ نَزَعَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْضًا وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ . وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ : هُمَا الْخَالِيَتَانِ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى جَنْبَيْ الْجَبِينِ الذَّاهِبَتَيْنِ عَلَى جَنْبَيْ الْيَافُوخِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ وَيُقَالُ لَهُمَا الْجَلَحَتَانِ مِنْ الْجَلَحِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ ، وَفِي الصِّحَاحِ رَجُلٌ أَنْزَعُ بَيْنَ النَّزَعِ وَهُوَ الَّذِي انْحَسَرَ عَنْ جَانِبَيْ جَبْهَتِهِ وَمَوْضِعُهُ النَّزَعَةُ وَهُمَا النَّزَعَتَانِ قَالَهُ فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَالَ فِي فَصْلِ الْجِيمِ مِنْ بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْجَلَحُ فَوْقَ النَّزَعِ وَهُوَ انْحِسَارُ الشَّعْرِ عَنْ جَانِبَيْ الرَّأْسِ ، أَوَّلُهُ النَّزَعُ ثُمَّ الْجَلَحُ ثُمَّ الصَّلَعُ وَقَدْ جَلِحَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَجْلَحُ بَيِّنُ الْجَلَحِ وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْجَلَحَةُ ، وَقَالَ سَنَدٌ : النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ وَهُمَا الْجَلَحَتَانِ ; لِأَنَّهُمَا فِي سَمْتِ النَّاصِيَةِ وَمَا يَلِي الْجَلَحَتَيْنِ إلَى الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ انْتَهَى فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ لَا مِنْ الْوَجْهِ . قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ شَعْرَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْحِ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي مِنْ فَوْقِ الْعَظْمِ مِنْ حَيْثُ يَعْرِضُ الصُّدْغُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَحْلِقُهُ الْمُحْرِمُ وَأَمَّا مَا دُون ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ . وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ شَعْرُ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْخِفَّةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ لَزِمَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ مَوْضِعِ الْعَظْمِ وَحَيْثُ يَبْتَدِئُ نَبَاتُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ انْتَهَى .
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ : النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ يُمْسَحَانِ وَلَا يُغْسَلَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ وَشَعْرُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ مَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلٌ مِنْهُ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ ا هـ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : الْمَوْضِعُ الثَّانِي مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ وَهُوَ الدَّاخِلُ إلَى الْجَبِينِ مِنْ جَانِبَيْ الْوَجْهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : 186 وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ التَّحْذِيفُ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَادَةِ إذْ لَمْ يَجْعَلْهُ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى . وَيُرِيدُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجَبِينِ جِدًّا وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ السَّابِقُ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي تَفْسِيرِ مَوْضِعِ التَّحْذِيفِ : هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ مُتَّصِلًا بِالصُّدْغِ وَضَابِطُهُ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ خَيْطٍ عَلَى طَرَفِ الْأُذُنِ ، وَالطَّرَفَ الثَّانِيَ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ فَمَا نَزَلَ عَنْهُ إلَى جَانِبِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَشْرَافَ يَحْذِفُونَ الشَّعْرَ عَنْهُ لِيَتَّسِعَ الْوَجْهُ .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ : صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنْ الرَّأْسِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ إلَّا مَا كَانَ دَاخِلًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ كَالْأَغَمِّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ . إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا إشْكَالَ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ : وَلَمْ يُبَيِّنُوا فِي الْمَذْهَبِ حَدَّ الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ الْأُذُنِ إلَى طَرَفِ الْجَبْهَةِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ وَفِي تِلْكَ الْجِهَةِ يَنْبُتُ الشَّعْرُ عَادَةً لِغَيْرِ الْأَغَمِّ ، فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حَدَّدُوهُ فِي الطُّولِ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حُدُودُهُ فِي الْعَرْضِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَحِدُّهُ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ دَخَلَ ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَى دُخُولِهِ انْتَهَى . وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِغَسْلِهِ إمَّا عَلَى أَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِنَفْسِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ سَوَاءٌ فِي الْجَبْهَةِ أَوْ فِي الصُّدْغِ إلَى آخِرِ الذَّقَنِ وَعَرْضًا مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ ، وَلَيْسَ وَتَدَا الْأُذُنِ مِنْهُ ، وَمِنْهُ الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ ، وَطَرَفُ اللَّحْيِ الْأَسْفَلُ الْخَارِجُ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ وَاللَّحْيَيْنِ الْخَارِجَيْنِ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَخْرَجَهُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ مِنْ الْوَجْهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّدْغَ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الصِّحَاحِ ، وَبِهِ فَسَّرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ دُونَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ وَمَا كَانَ فَوْقَهُ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ ، وَقَوْلُهُمْ : يَجِبُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ يَعْنُونَ بِهِ مَا كَانَ تَحْتَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( الثَّالِثُ ) قَوْلُهُ : وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَلَوْ طَالَتْ . قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقِيلَ : لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مِنْ لِحْيَتِهِ إلَّا مَا اتَّصَلَ مِنْهَا بِوَجْهِهِ لَا مَا طَالَ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي سَمَاع مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى . وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَزَمَ بِنِسْبَةِ الثَّانِي لِسَمَاعِ مُوسَى قَالَ : وَقَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَسْحِ مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا مَا حَاذَى الْمَمْسُوحَ مِنْ الرَّأْسِ . قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ : وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ هَلْ يُعْتَبَرُ الْأَصْلُ فَيَجِبُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْمُحَاذَى وَهُوَ الصَّدْرُ فَلَا يَجِبُ ؟ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ : وَاعْتِبَارُ الْأَصْلِ أَوْلَى ، وَالْمُرَادُ بِغَسْلِ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَيْهَا مَعَ الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهَا . قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي : لَا خِلَافَ أَنَّ التَّحْرِيكَ لَا بُدَّ مِنْهُ . وَقَالَ سَنَدٌ : إذَا قُلْنَا : لَا يَجِبُ تَخْلِيلُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَيْهَا مَعَ الْيَدِ وَيُحَرِّكُ يَدَهُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ 187 فَيَمْنَعُ بَعْضُهُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى بَعْضٍ فَإِذَا حَرَّكَ ذَلِكَ حَصَلَ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ ظَاهِرِهِ انْتَهَى . وَهَذَا التَّحْرِيكُ غَيْرُ التَّخْلِيلِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي التَّخْلِيلِ ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ : وَصِفَةُ التَّحْرِيكِ هُوَ أَنْ يُدَافِعَ مَا انْصَبَّ مِنْ الْمَاءِ عَلَيْهَا حَتَّى يُدَاخِلَهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ بِالْأَصَابِعِ : وَلَفْظُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : مَعْنَى تَحْرِيكِهَا تَحْرِيكُ الْيَدِ عَلَيْهَا عِنْدَ مُرُورِ الْيَدِ عَلَيْهَا لِيُدَاخِلَهَا الْمَاءُ ; لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو عَنْهُ الْمَاءُ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : يَنْبُو أَيْ يَنْدَفِعُ وَيَتَبَاعَدُ .
الذخيرة
اقرأ →
( فُرُوعٌ خَمْسَةٌ )
الْأَوَّلُ : السِّبَاعُ ، وَفِي ( الْجَوَاهِرِ ) : هِيَ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فِي رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ ، وَظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ التَّحْرِيمُ ، 100 وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَدَنِيُّونَ فِي تَحْرِيمِ الْعَادِيِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَادِيِ كَالضَّبِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبْعِ وَالْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ ، فَمَكْرُوهٌ .
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : كُلُّ مَا يَفْتَرِسُ وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ فَلَا يُؤْكَلُ ، وَغَيْرُهُ يُؤْكَلُ . لَنَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ ) فَخَرَجَتِ السِّبَاعُ عَنِ التَّحْرِيمِ .
وَوَرَدَ عَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ هَذَا أَجَازَ عَنِ الْمَاضِي مِنَ الْوَحْيِ ، فَيَبْقَى الْمُسْتَقْبَلُ ، فَيَبْطُلُ الْحَصْرُ .
وَثَانِيهَا : يَنْتَقِضُ بِذَبَائِحِ الْمَجُوسِ . وَثَالِثُهَا : أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ ، وَوُجُودُ الْوَحْيِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ مَعْلُومٌ ، وَرَابِعُهَا : فِي الْمُوَطَّأِ : قَالَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ ( وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ) .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ ( لَا ) لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي ، فَلَيْسَ صَرْفُهَا لِلْمَاضِي بِأَوْلَى مِنْ صَرْفِ الْمَاضِي الَّذِي هُوَ أَرْجَى إِلَى الْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ الْحَرْفِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّصْرِيفِ وَالتَّصَرُّفِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ قِيَامَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّخْصِيصِ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالنَّصِّ . وَعَنِ الثَّالِثِ : أَنَّ قَوْلَهُ : ( لَا أَجِدُ ) عَامٌّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَخَبَرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقٌّ . وَعَنِ الرَّابِعِ : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ . سَلَّمْنَا أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ لَكِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالثَّعْلَبِ ، وَالضَّبْعِ مَعَ قَوْلِ الْخَصْمِ بِإِبَاحَتِهِمَا . سَلَّمْنَا 101 عَدَمَ الْمُنْتَقِضِ لَكِنَّ إِضَافَةَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ أَوْلَى مِنَ الْمَفْعُولِ ، فَيَكُونُ ذُو النَّابِ هُوَ الْآكِلَ ، فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا مَا افْتَرَسَهُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ .
تَمْهِيدٌ : أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى عَادَتَهُ بِتَغْيِيرِ الْأَغْذِيَةِ لِلْأَخْلَاقِ حَتَّى وَصَفَ الْأَطِبَّاءُ قُلُوبَ الْأُسُودِ مِنَ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ لِلشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ الْقَلْبِ ، فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا شَيْئًا اسْتَحَالَ طَبْعُهُ إِلَيْهِ ، وَالسِّبَاعُ ظَالِمَةٌ غَاشِمَةٌ قَاسِيَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ ، فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ مِنْ أَكْلِهَا لِئَلَّا يَصِيرَ كَذَلِكَ ، فَتَبْعُدُ مِنْ رَحْمَتِهِ بِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَالْعِنَادِ ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ نَهَضَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَنْهَضْ عِنْدَهُ إِلَّا لِلْكَرَاهَةِ .
الثَّانِي : ذَوَاتُ الْحَافِرِ الْمُقَانِسَةِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الْخَيْلُ مَكْرُوهَةٌ ، وَقَالَ ( ح ) : دُونَ كَرَاهَةِ السِّبَاعِ ، وَقِيلَ : مُبَاحَةٌ ، وَقَالَهُ ( ش ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ ، وَقِيلَ : مُحَرَّمَةٌ ( وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ لِتَرْكَبُوهَا ) ( النَّحْلِ : 8 ) فَلَوْ كَانَتْ يَجُوزُ أَكْلُهَا لَكَانَ الِامْتِنَانُ بِهِ أَوْلَى وَمَذْكُورًا مَعَ الرُّكُوبِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْخَيْلُ أَخَفُّ مِنَ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالُ بَيْنَهُمَا ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : ( نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ ) .
فَرْعٌ
فِي ( الْكِتَابِ ) : إِذَا دَجَنَ حِمَارُ وَحْشٍ وَصَارَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْكَلْ عِنْدَ مَالِكٍ نَظَرًا لِحَالِهِ الْآنَ ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ .
الثَّالِثُ : مَا اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ مَمْسُوخٌ كَالْفِيلِ وَالدُّبِّ وَالْقُنْفُدِ وَالْقِرْدِ 102 وَالضَّبِّ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : اخْتُلِفَ فِي إِبَاحَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ثَمَنِ الْقِرْدِ . وَلَوْ أُبِيحَ أَكْلُهُ لَمْ يَحْرُمْ ثَمَنُهُ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ الْقِرْدُ إِنْ كَانَ يَرْعَى كُلَّ الْحَشِيشِ . قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ التَّحْرِيمِ .
تَنْبِيهٌ : فِي مُسْلِمٍ : ( سُئِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ الضِّبَابِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْهَا ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يُعَقِّبُ ) فِي حَدِيثٍ آخَرَ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُخْبَرُ بِالْأَشْيَاءِ مُجْمَلَةً ، ثُمَّ يُفَصَّلُ لَهُ ، فَيُقَدَّمُ التَّفْصِيلُ عَلَى الْإِجْمَالِ ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ بِالدَّجَّالِ مُجْمَلًا ، فَقَالَ حِينَئِذٍ : ( إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ فَالْمَرْءُ حَجِيجُ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ ) ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، فَتَعْلِيلُ هَذِهِ بِالسَّبُعِيَّةِ وَالِاسْتِخْبَاثِ أَوْلَى .
الرَّابِعُ : الْحَيَوَانَاتُ الْمُسْتَقْذَرَةُ ، فَفِي الْجَوَاهِرِ : يَحْكِي الْمُخَالِفُونَ لَنَا عَنَّا جَوَازَهَا ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) ( الْأَعْرَافِ : 157 ) وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ، وَأَبَاحَ ابْنُ حَنْبَلٍ الضَّبَّ ; لِأَنَّهُ أُكِلَ عَلَى 103 مَائِدَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يُنْكِرْهُ ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى إِبَاحَةِ الْجَرَادِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْبُخَارِيِّ : ( إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً ) وَالْغَالِبُ مَوْتُهُ ، فَلَوْ كَانَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ صَوْنًا لِلطَّعَامِ عَنِ النَّجَاسَةِ ، فَيَكُونُ أَصْلًا لَا نَفْسَ لَهُ . وَقَوْلُهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ ) وَالْعَجَبُ مِنْ نَقْلِ الْجَوَاهِرِ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْجِلْدِ وَالْوَبَرِ .
وَإِذَا ذُكِّيَتِ الْحَيَّاتُ مَوْضِعَ ذَكَاتِهَا جَازَ أَكْلُهَا لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ خَشَاشِ الْأَرْضِ ، وَهُوَ مِمَّا إِذَا ذُكِّيَتْ ذَكَاةَ الْجَرَادِ . وَتُؤْكَلُ الضَّفَادِعُ وَإِنْ مَاتَتْ ; لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْمَاءِ ، وَالْحِلَزُونُ كَالْجَرَادِ ، فَيُؤْكَلُ مِنْهُ مَا سُلِقَ ، أَوْ شُوِيَ ، وَمَا مَاتَ فَلَا ، فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ مِنَ الْخَبَائِثِ بَعْدَ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ وَالْحَيَّاتِ .
فَائِدَةٌ : ذَكَاةُ الْحَيَّاتِ لَا يُحْكِمُهَا إِلَّا طَبِيبٌ مَاهِرٌ ، وَصِفَتُهَا : أَنْ يُمْسِكَ بِرَأْسِهَا وَذَنَبِهَا مِنْ غَيْرِ عُنُقٍ ، وَهِيَ عَلَى مِسْمَارٍ مَضْرُوبٍ فِي لَوْحٍ ، يَضْرِبُ بِآلَةٍ حَادَّةٍ رَزِينَةٍ عَلَيْهَا ، وَهِيَ مَمْدُودَةٌ عَلَى الْخَشَبَةِ فِي حَدِّ الرَّقِيقِ مِنْ رَقَبَتِهَا وَذَنَبِهَا مِنَ الْغَلِيظِ الَّذِي هُوَ وَسَطُهَا ، وَيَقْطَعُ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَمَتَى بَقِيَتْ جِلْدَةٌ يَسِيرَةٌ فَسَدَتْ وَقَتَلَتْ بِوَاسِطَةِ جَرَيَانِ السُّمِّ 104 مِنْ رَأْسِهَا فِي جِسْمِهَا بِسَبَبِ عَصَبِهَا أَوْ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنَ السُّمِّ مِنْ ذَنَبِهَا فِي جِسْمِهَا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : مَوْضِعُ ذَكَاتِهَا .
فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : قَالَ مَالِكٌ فِي ( الْكِتَابِ ) : لَا أَكْرَهُ الْجَلَّالَةَ مِنَ الْأَنْعَامِ ، وَلَوْ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَكَرِهْتُ الطَّيْرَ الْآكِلَ لِلنَّجَاسَةِ ، وَكَرِهَهَا ابْنُ حَبِيبٍ وَحَرَّمَهَا ( ش ) إِنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَةُ لَحْمِهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : إِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ حَرُمَ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا ، وَفِي بَيْضِهَا قَوْلَانِ لَهُ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ : ( نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا ) .
وَأَمَّا النَّبَاتُ الْمَسْقِيُّ بِالنَّجَاسَةِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : كَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَبَاحَهُ ( ش ) وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّ نَفْسَ النَّجَاسَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ يُشَاهَدُ دُخُولُهَا فِي الْحَيَوَانِ ، فَتَعَافُهُ النُّفُوسُ ، فَيُصَانُ الْإِنْسَانُ عَنْهُ بِخِلَافِ النَّبَاتِ .
فَائِدَةٌ : الْجَلَّالَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجِلَّةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَشَدَّ اللَّامِ ، وَهِيَ الْعَذِرَةُ .
تَمْهِيدٌ : قَدْ يَتَخَيَّلُ الْفَقِيهُ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) عَسِيرٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ : ( وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ) ( الْأَعْرَافِ : 58 ) ، وَالْمُرَادُ ضَعْفُ الْإِنْبَاتِ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ) ( النُّورِ : 26 ) وَالْمُرَادُ الْعُصَاةُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) ( الْبَقَرَةِ : 167 ) وَالْمُرَادُ بِهِ الدَّنِيَّةُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) ( إِبْرَاهِيمَ : 26 ) الْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْلِمَةُ ، وَإِذَا كَانَ الْخَبِيثُ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ بَقِيَ مُحْتَمِلًا ، فَسَقَطَ 105 الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمُسْتَبْعَدِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ حَمْلُ كَلَامِ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ عَلَى عُرْفِهِ ، وَالْبُعْدُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ، وَالنِّزَاعُ فِيهِ .
الْخَامِسُ : الطَّيْرُ ، فَفِي الْجَوَاهِرِ : كُلُّهُ مُبَاحٌ ذُو الْمِخْلَبِ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَهُ فِي الْكِتَابِ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ ذُو الْمِخْلَبِ ، وَقَالَهُ ( ش ) وَابْنُ حَنْبَلٍ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْهُ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ يَرْوِهَا الزُّهْرِيُّ وَلَا مَالِكٌ وَلَا غَيْرُهُمَا ، وَالْمُنْفَرِدُ بِهَا قَلِيلُ الرِّوَايَةِ .
وَالْفَرْقُ الْمَشْهُورُ بِأَنَّ الِاسْتِخْبَاثَ فِي الظُّلْمِ وَالسَّبُعِيَّةَ فِي السِّبَاعِ وَالْوَحْشِ أَعْظَمُ ، وَهُوَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ ، وَالْقُصُورُ فِي الْعِلَّةِ يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فِي الْحُكْمِ .
وَفِي الْكِتَابِ كَرَاهَةُ الْخُطَّافِ وَنَحْوِهَا . قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ : وَلَعَلَّهُ لِقِلَّةِ لَحْمِهَا فَيَكُونُ تَعْذِيبًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ : يُؤْكَلُ جَمِيعُ الْحَيَوَانِ مِنَ الْفِيلِ إِلَى النَّمْلِ وَالدُّودِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ، إِلَّا الْآدَمِيَّ وَالْخِنْزِيرَ ، وَهُوَ عَقْدُ الْمَذْهَبِ فِي رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَّا أَنَّ مِنْهُ مُبَاحًا وَمِنْهُ مَكْرُوهًا .
وَأَمَّا النَّبَاتُ وَالْجَمَادُ : فَفِي الْجَوَاهِرِ تَحْرِيمُ مَا كَانَ نَجِسًا ، فَإِنْ خَالَطَ الطَّاهِرَ نَجِسٌ ، فَالْمَائِعُ يُطْرَحُ جَمِيعُهُ ، وَالْجَامِدُ تُطْرَحُ النَّجَاسَةُ وَمَا حَوْلَهَا وَيُؤْكَلُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ دَلِيلُهُ وَتَفْصِيلُهُ ، وَلَا يُؤْكَلُ الْمُغَيَّرُ بِالْأَجْسَامِ ، وَقَالَهُ ( ش ) وَابْنُ حَنْبَلٍ .
وَيُكْرَهُ آكِلُ الطِّينِ ، وَحَرَّمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِإِفْسَادِهِ الْأَجْسَامَ ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا وَلَا ضَرَرَ فِيهِ أُبِيحَ .
وَحَرَّمَ ( ش ) الْمُخَاطَ وَالْمَنِيَّ ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا عِنْدَهُ ، وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْمُسْتَقْذَرَاتِ .
الْأَوَّلُ : السِّبَاعُ ، وَفِي ( الْجَوَاهِرِ ) : هِيَ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فِي رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ ، وَظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ التَّحْرِيمُ ، 100 وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَدَنِيُّونَ فِي تَحْرِيمِ الْعَادِيِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَادِيِ كَالضَّبِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبْعِ وَالْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ ، فَمَكْرُوهٌ .
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : كُلُّ مَا يَفْتَرِسُ وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ فَلَا يُؤْكَلُ ، وَغَيْرُهُ يُؤْكَلُ . لَنَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ ) فَخَرَجَتِ السِّبَاعُ عَنِ التَّحْرِيمِ .
وَوَرَدَ عَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ هَذَا أَجَازَ عَنِ الْمَاضِي مِنَ الْوَحْيِ ، فَيَبْقَى الْمُسْتَقْبَلُ ، فَيَبْطُلُ الْحَصْرُ .
وَثَانِيهَا : يَنْتَقِضُ بِذَبَائِحِ الْمَجُوسِ . وَثَالِثُهَا : أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ ، وَوُجُودُ الْوَحْيِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ مَعْلُومٌ ، وَرَابِعُهَا : فِي الْمُوَطَّأِ : قَالَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ ( وَذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ) .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ ( لَا ) لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي ، فَلَيْسَ صَرْفُهَا لِلْمَاضِي بِأَوْلَى مِنْ صَرْفِ الْمَاضِي الَّذِي هُوَ أَرْجَى إِلَى الْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ الْحَرْفِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّصْرِيفِ وَالتَّصَرُّفِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ قِيَامَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّخْصِيصِ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالنَّصِّ . وَعَنِ الثَّالِثِ : أَنَّ قَوْلَهُ : ( لَا أَجِدُ ) عَامٌّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَخَبَرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقٌّ . وَعَنِ الرَّابِعِ : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ . سَلَّمْنَا أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ لَكِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالثَّعْلَبِ ، وَالضَّبْعِ مَعَ قَوْلِ الْخَصْمِ بِإِبَاحَتِهِمَا . سَلَّمْنَا 101 عَدَمَ الْمُنْتَقِضِ لَكِنَّ إِضَافَةَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ أَوْلَى مِنَ الْمَفْعُولِ ، فَيَكُونُ ذُو النَّابِ هُوَ الْآكِلَ ، فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا مَا افْتَرَسَهُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ .
تَمْهِيدٌ : أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى عَادَتَهُ بِتَغْيِيرِ الْأَغْذِيَةِ لِلْأَخْلَاقِ حَتَّى وَصَفَ الْأَطِبَّاءُ قُلُوبَ الْأُسُودِ مِنَ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ لِلشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ الْقَلْبِ ، فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا شَيْئًا اسْتَحَالَ طَبْعُهُ إِلَيْهِ ، وَالسِّبَاعُ ظَالِمَةٌ غَاشِمَةٌ قَاسِيَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ ، فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ مِنْ أَكْلِهَا لِئَلَّا يَصِيرَ كَذَلِكَ ، فَتَبْعُدُ مِنْ رَحْمَتِهِ بِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَالْعِنَادِ ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ نَهَضَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَنْهَضْ عِنْدَهُ إِلَّا لِلْكَرَاهَةِ .
الثَّانِي : ذَوَاتُ الْحَافِرِ الْمُقَانِسَةِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الْخَيْلُ مَكْرُوهَةٌ ، وَقَالَ ( ح ) : دُونَ كَرَاهَةِ السِّبَاعِ ، وَقِيلَ : مُبَاحَةٌ ، وَقَالَهُ ( ش ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ ، وَقِيلَ : مُحَرَّمَةٌ ( وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ لِتَرْكَبُوهَا ) ( النَّحْلِ : 8 ) فَلَوْ كَانَتْ يَجُوزُ أَكْلُهَا لَكَانَ الِامْتِنَانُ بِهِ أَوْلَى وَمَذْكُورًا مَعَ الرُّكُوبِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْخَيْلُ أَخَفُّ مِنَ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالُ بَيْنَهُمَا ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : ( نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ ) .
فَرْعٌ
فِي ( الْكِتَابِ ) : إِذَا دَجَنَ حِمَارُ وَحْشٍ وَصَارَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْكَلْ عِنْدَ مَالِكٍ نَظَرًا لِحَالِهِ الْآنَ ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ .
الثَّالِثُ : مَا اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ مَمْسُوخٌ كَالْفِيلِ وَالدُّبِّ وَالْقُنْفُدِ وَالْقِرْدِ 102 وَالضَّبِّ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : اخْتُلِفَ فِي إِبَاحَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ثَمَنِ الْقِرْدِ . وَلَوْ أُبِيحَ أَكْلُهُ لَمْ يَحْرُمْ ثَمَنُهُ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ الْقِرْدُ إِنْ كَانَ يَرْعَى كُلَّ الْحَشِيشِ . قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ التَّحْرِيمِ .
تَنْبِيهٌ : فِي مُسْلِمٍ : ( سُئِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ الضِّبَابِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْهَا ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يُعَقِّبُ ) فِي حَدِيثٍ آخَرَ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُخْبَرُ بِالْأَشْيَاءِ مُجْمَلَةً ، ثُمَّ يُفَصَّلُ لَهُ ، فَيُقَدَّمُ التَّفْصِيلُ عَلَى الْإِجْمَالِ ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ بِالدَّجَّالِ مُجْمَلًا ، فَقَالَ حِينَئِذٍ : ( إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ فَالْمَرْءُ حَجِيجُ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ ) ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، فَتَعْلِيلُ هَذِهِ بِالسَّبُعِيَّةِ وَالِاسْتِخْبَاثِ أَوْلَى .
الرَّابِعُ : الْحَيَوَانَاتُ الْمُسْتَقْذَرَةُ ، فَفِي الْجَوَاهِرِ : يَحْكِي الْمُخَالِفُونَ لَنَا عَنَّا جَوَازَهَا ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) ( الْأَعْرَافِ : 157 ) وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ، وَأَبَاحَ ابْنُ حَنْبَلٍ الضَّبَّ ; لِأَنَّهُ أُكِلَ عَلَى 103 مَائِدَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يُنْكِرْهُ ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى إِبَاحَةِ الْجَرَادِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْبُخَارِيِّ : ( إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً ) وَالْغَالِبُ مَوْتُهُ ، فَلَوْ كَانَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ صَوْنًا لِلطَّعَامِ عَنِ النَّجَاسَةِ ، فَيَكُونُ أَصْلًا لَا نَفْسَ لَهُ . وَقَوْلُهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( أُحِلَّتْ لِي مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ ) وَالْعَجَبُ مِنْ نَقْلِ الْجَوَاهِرِ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْجِلْدِ وَالْوَبَرِ .
وَإِذَا ذُكِّيَتِ الْحَيَّاتُ مَوْضِعَ ذَكَاتِهَا جَازَ أَكْلُهَا لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ خَشَاشِ الْأَرْضِ ، وَهُوَ مِمَّا إِذَا ذُكِّيَتْ ذَكَاةَ الْجَرَادِ . وَتُؤْكَلُ الضَّفَادِعُ وَإِنْ مَاتَتْ ; لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْمَاءِ ، وَالْحِلَزُونُ كَالْجَرَادِ ، فَيُؤْكَلُ مِنْهُ مَا سُلِقَ ، أَوْ شُوِيَ ، وَمَا مَاتَ فَلَا ، فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ مِنَ الْخَبَائِثِ بَعْدَ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ وَالْحَيَّاتِ .
فَائِدَةٌ : ذَكَاةُ الْحَيَّاتِ لَا يُحْكِمُهَا إِلَّا طَبِيبٌ مَاهِرٌ ، وَصِفَتُهَا : أَنْ يُمْسِكَ بِرَأْسِهَا وَذَنَبِهَا مِنْ غَيْرِ عُنُقٍ ، وَهِيَ عَلَى مِسْمَارٍ مَضْرُوبٍ فِي لَوْحٍ ، يَضْرِبُ بِآلَةٍ حَادَّةٍ رَزِينَةٍ عَلَيْهَا ، وَهِيَ مَمْدُودَةٌ عَلَى الْخَشَبَةِ فِي حَدِّ الرَّقِيقِ مِنْ رَقَبَتِهَا وَذَنَبِهَا مِنَ الْغَلِيظِ الَّذِي هُوَ وَسَطُهَا ، وَيَقْطَعُ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَمَتَى بَقِيَتْ جِلْدَةٌ يَسِيرَةٌ فَسَدَتْ وَقَتَلَتْ بِوَاسِطَةِ جَرَيَانِ السُّمِّ 104 مِنْ رَأْسِهَا فِي جِسْمِهَا بِسَبَبِ عَصَبِهَا أَوْ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنَ السُّمِّ مِنْ ذَنَبِهَا فِي جِسْمِهَا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : مَوْضِعُ ذَكَاتِهَا .
فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : قَالَ مَالِكٌ فِي ( الْكِتَابِ ) : لَا أَكْرَهُ الْجَلَّالَةَ مِنَ الْأَنْعَامِ ، وَلَوْ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَكَرِهْتُ الطَّيْرَ الْآكِلَ لِلنَّجَاسَةِ ، وَكَرِهَهَا ابْنُ حَبِيبٍ وَحَرَّمَهَا ( ش ) إِنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَةُ لَحْمِهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : إِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ حَرُمَ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا ، وَفِي بَيْضِهَا قَوْلَانِ لَهُ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ : ( نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا ) .
وَأَمَّا النَّبَاتُ الْمَسْقِيُّ بِالنَّجَاسَةِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : كَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَبَاحَهُ ( ش ) وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّ نَفْسَ النَّجَاسَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ يُشَاهَدُ دُخُولُهَا فِي الْحَيَوَانِ ، فَتَعَافُهُ النُّفُوسُ ، فَيُصَانُ الْإِنْسَانُ عَنْهُ بِخِلَافِ النَّبَاتِ .
فَائِدَةٌ : الْجَلَّالَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجِلَّةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَشَدَّ اللَّامِ ، وَهِيَ الْعَذِرَةُ .
تَمْهِيدٌ : قَدْ يَتَخَيَّلُ الْفَقِيهُ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) عَسِيرٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ : ( وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ) ( الْأَعْرَافِ : 58 ) ، وَالْمُرَادُ ضَعْفُ الْإِنْبَاتِ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ) ( النُّورِ : 26 ) وَالْمُرَادُ الْعُصَاةُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) ( الْبَقَرَةِ : 167 ) وَالْمُرَادُ بِهِ الدَّنِيَّةُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) ( إِبْرَاهِيمَ : 26 ) الْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْلِمَةُ ، وَإِذَا كَانَ الْخَبِيثُ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ بَقِيَ مُحْتَمِلًا ، فَسَقَطَ 105 الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمُسْتَبْعَدِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ حَمْلُ كَلَامِ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ عَلَى عُرْفِهِ ، وَالْبُعْدُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ، وَالنِّزَاعُ فِيهِ .
الْخَامِسُ : الطَّيْرُ ، فَفِي الْجَوَاهِرِ : كُلُّهُ مُبَاحٌ ذُو الْمِخْلَبِ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَهُ فِي الْكِتَابِ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ ذُو الْمِخْلَبِ ، وَقَالَهُ ( ش ) وَابْنُ حَنْبَلٍ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْهُ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ يَرْوِهَا الزُّهْرِيُّ وَلَا مَالِكٌ وَلَا غَيْرُهُمَا ، وَالْمُنْفَرِدُ بِهَا قَلِيلُ الرِّوَايَةِ .
وَالْفَرْقُ الْمَشْهُورُ بِأَنَّ الِاسْتِخْبَاثَ فِي الظُّلْمِ وَالسَّبُعِيَّةَ فِي السِّبَاعِ وَالْوَحْشِ أَعْظَمُ ، وَهُوَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ ، وَالْقُصُورُ فِي الْعِلَّةِ يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فِي الْحُكْمِ .
وَفِي الْكِتَابِ كَرَاهَةُ الْخُطَّافِ وَنَحْوِهَا . قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ : وَلَعَلَّهُ لِقِلَّةِ لَحْمِهَا فَيَكُونُ تَعْذِيبًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ : يُؤْكَلُ جَمِيعُ الْحَيَوَانِ مِنَ الْفِيلِ إِلَى النَّمْلِ وَالدُّودِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ، إِلَّا الْآدَمِيَّ وَالْخِنْزِيرَ ، وَهُوَ عَقْدُ الْمَذْهَبِ فِي رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَّا أَنَّ مِنْهُ مُبَاحًا وَمِنْهُ مَكْرُوهًا .
وَأَمَّا النَّبَاتُ وَالْجَمَادُ : فَفِي الْجَوَاهِرِ تَحْرِيمُ مَا كَانَ نَجِسًا ، فَإِنْ خَالَطَ الطَّاهِرَ نَجِسٌ ، فَالْمَائِعُ يُطْرَحُ جَمِيعُهُ ، وَالْجَامِدُ تُطْرَحُ النَّجَاسَةُ وَمَا حَوْلَهَا وَيُؤْكَلُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ دَلِيلُهُ وَتَفْصِيلُهُ ، وَلَا يُؤْكَلُ الْمُغَيَّرُ بِالْأَجْسَامِ ، وَقَالَهُ ( ش ) وَابْنُ حَنْبَلٍ .
وَيُكْرَهُ آكِلُ الطِّينِ ، وَحَرَّمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِإِفْسَادِهِ الْأَجْسَامَ ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا وَلَا ضَرَرَ فِيهِ أُبِيحَ .
وَحَرَّمَ ( ش ) الْمُخَاطَ وَالْمَنِيَّ ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا عِنْدَهُ ، وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْمُسْتَقْذَرَاتِ .
الشافعية
المجموع شرح المهذب
اقرأ →
121 " الشَّرْحُ " قَدْ يُقَالُ قَوْلُهُ " هَذَا : إشَارَةٌ إلَى حَاضِرٍ ، وَلَيْسَ هُنَا الْآنَ شَيْءٌ يُشَارُ إلَيْهِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اسْتَعْمَلَهَا الْأَئِمَّةُ مِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ الْفُنُونِ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ وَإِمَامُ النَّحْوِيِّينَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَدَّرَ كِتَابَهُ بِهَا .
وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالنَّحْوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ مَجْمُوعُهَا : أَنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ عَزْمُهُ عَلَى تَصْنِيفِهِ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمَوْجُودِ فَأَشَارَ إلَيْهِ . وَذَلِكَ لُغَةُ الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ } وَنَظَائِرُهُ ، وَمِنْ الْمُصَنِّفِينَ مَنْ يَتْرُكُ مَوْضِعَ الْخُطْبَةِ بَيَاضًا فَإِذَا فَرَغَ ذَكَرَهَا فَأَشَارَ إلَى حَاضِرٍ لِتَكُونَ عِبَارَتُهُ فِي الْخُطْبَةِ مُوَافِقَةً لِمَا ذَكَرَهُ . وَقَوْلُهُ : كِتَابٌ ، أَصْلُ الْكَتْبِ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَمِنْهُ كَتِيبَةُ الْخَيْلِ لِتَتَابُعِهَا وَاجْتِمَاعِهَا فَسُمِّيَ كِتَابًا لِضَمِّ حُرُوفِهِ وَمَسَائِلِهِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ مَجَازًا ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِينَ كَالْجِنْسِ الْمُسْتَقِلِّ الْجَامِعِ لِأَبْوَابٍ ، تِلْكَ الْأَبْوَابُ أَنْوَاعُهُ ، فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ يَشْمَلُ بَابَ الْمِيَاهِ وَالْآنِيَةِ وَبَابَ الْوُضُوءِ وَغَيْرَهَا .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ : كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا ، وَجَمْعُهُ كُتُبٌ بِضَمِّ التَّاءُ وَتُسَكَّنُ . وَقَوْلُهُ : مُهَذَّبٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : التَّهْذِيبُ التَّنْقِيَةُ وَالتَّصْفِيَةُ ، وَالْمُهَذَّبُ : الْمُنَقَّى مِنْ الْعُيُوبِ ، وَرَجُلٌ مُهَذَّبٌ مُطَهَّرُ الْأَخْلَاقِ ، وَقَوْلُهُ : أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَهُ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فَيُسَنُّ قَوْلُ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُعْزَمُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَاضِي فَلَا يُقَالُ : خَرَجْتُ أَمْسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالنَّحْوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ مَجْمُوعُهَا : أَنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ عَزْمُهُ عَلَى تَصْنِيفِهِ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمَوْجُودِ فَأَشَارَ إلَيْهِ . وَذَلِكَ لُغَةُ الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ } وَنَظَائِرُهُ ، وَمِنْ الْمُصَنِّفِينَ مَنْ يَتْرُكُ مَوْضِعَ الْخُطْبَةِ بَيَاضًا فَإِذَا فَرَغَ ذَكَرَهَا فَأَشَارَ إلَى حَاضِرٍ لِتَكُونَ عِبَارَتُهُ فِي الْخُطْبَةِ مُوَافِقَةً لِمَا ذَكَرَهُ . وَقَوْلُهُ : كِتَابٌ ، أَصْلُ الْكَتْبِ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَمِنْهُ كَتِيبَةُ الْخَيْلِ لِتَتَابُعِهَا وَاجْتِمَاعِهَا فَسُمِّيَ كِتَابًا لِضَمِّ حُرُوفِهِ وَمَسَائِلِهِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ مَجَازًا ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِينَ كَالْجِنْسِ الْمُسْتَقِلِّ الْجَامِعِ لِأَبْوَابٍ ، تِلْكَ الْأَبْوَابُ أَنْوَاعُهُ ، فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ يَشْمَلُ بَابَ الْمِيَاهِ وَالْآنِيَةِ وَبَابَ الْوُضُوءِ وَغَيْرَهَا .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ : كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا ، وَجَمْعُهُ كُتُبٌ بِضَمِّ التَّاءُ وَتُسَكَّنُ . وَقَوْلُهُ : مُهَذَّبٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : التَّهْذِيبُ التَّنْقِيَةُ وَالتَّصْفِيَةُ ، وَالْمُهَذَّبُ : الْمُنَقَّى مِنْ الْعُيُوبِ ، وَرَجُلٌ مُهَذَّبٌ مُطَهَّرُ الْأَخْلَاقِ ، وَقَوْلُهُ : أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَهُ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فَيُسَنُّ قَوْلُ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُعْزَمُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَاضِي فَلَا يُقَالُ : خَرَجْتُ أَمْسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
57 كِتَابُ الطَّهَارَةِ
الْكِتَابُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ ، يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا وَمِثْلُهُ الْكَثْبُ بِالْمُثَلَّثَةِ . وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ : إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا الِاشْتِقَاقَ الْأَصْغَرَ ، وَهُوَ رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى ، وَالْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْأَكْبَرَ ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ مِمَّا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَوَافَقَتْ حُرُوفُهُ حُرُوفَهُ أَمْ لَا كَمَا فِي الثَّلْمِ وَالثَّلْبِ ، 58 وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْبَيْعَ مُشْتَقٌّ مِنْ مَدِّ الْبَاعِ مَعَ أَنَّهُ يَائِيٌّ وَالْبَاعُ وَاوِيٌّ ، وَأَنَّ الصَّدَاقَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصَّدْقِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَهُوَ الشَّيْءُ الصُّلْبُ ; لِأَنَّهُ أَشْبَهَهُ فِي قُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ انْتَهَى .
وَيَرُدُّ الِاعْتِرَاضَ مَا صَرَّحَ بِهِ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ بِقَوْلِهِ : وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَنَا بِالْمَصْدَرِ هُوَ الْمَصْدَرُ الْمُجَرَّدُ ; لِأَنَّ الْمَزِيدَ فِيهِ مُشْتَقٌّ مِنْهُ لِمُوَافَقَتِهِ إيَّاهُ بِحُرُوفِهِ وَمَعْنَاهُ ا هـ وَاصْطِلَاحًا : اسْمٌ لِضَمِّ مَخْصُوصٍ أَوَلِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ غَالِبًا فَهُوَ إمَّا مَصْدَرٌ لَكِنْ لِضَمٍّ مَخْصُوصٍ أَوْ اسْمِ مَفْعُولٍ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ أَوْ اسْمِ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الْجَامِعِ لِلطَّهَارَةِ وَقَدْ افْتَتَحَ الْأَئِمَّةُ كُتُبَهُمْ بِالطَّهَارَةِ لِخَبَرِ { مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ } مَعَ افْتِتَاحِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُمَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بِالصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي وَلِكَوْنِهَا أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا عَلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَقُدِّمَ عَلَيْهِ وَضْعًا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِعِبَادَةٍ أَوْ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ بِمُنَاكَحَةٍ أَوْ بِجِنَايَةٍ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ 59 مِنْ الْبَعْثَةِ نَظْمُ أَحْوَالِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ ، وَانْتِظَامُهَا إنَّمَا يُحَصَّلُ بِكَمَالِ قُوَاهُمْ النُّطْقِيَّةِ وَالشَّهَوِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ ، فَمَا يُبْحَثُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ إنْ تَعَلَّقَ بِكَمَالِ النُّطْقِيَّةِ فَالْعِبَادَةُ إذْ بِهَا كَمَالُهَا أَوْ بِكَمَالِ الشَّهْوِيَّةِ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ فَالْمُعَامَلَةُ أَوْ بِالْوَطْءِ وَنَحْوِهِ فَالْمُنَاكَحَةُ أَوْ بِكَمَالِ الْغَضَبِيَّةِ فَالْجِنَايَةُ ، وَأَهَمُّهَا الْعِبَادَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَشْرَفِ ، ثُمَّ الْمُعَامَلَةُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ; ثُمَّ الْمُنَاكَحَةُ ; لِأَنَّهَا دُونَهَا فِي الْحَاجَةِ ، ثُمَّ الْجِنَايَةُ لِقِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا ، فَرَتَّبُوهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَرَتَّبُوا الْعِبَادَةَ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ } وَاخْتَارُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى رِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ أَعَمُّ وُجُوبًا لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَلِتَكَرُّرِهِ فِي كُلِّ عَامٍ .
وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يَطْهُرُ بِضَمِّهَا فِيهِمَا ، وَهِيَ لُغَةً : النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَانَتْ كَالْأَنْجَاسِ أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ ، وَشَرْعًا : 60 زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ أَوْ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ أَوْ لِإِفَادَةِ بَعْضِ آثَارِهِ ، كَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ جَوَازَ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ ، فَهِيَ قِسْمَانِ ، وَلِهَذَا عَرَّفَهَا النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي بِأَنَّهَا رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةِ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا ، كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ . وَتَنْقَسِمُ الطَّهَارَةُ إلَى عَيْنِيَّةٍ وَحُكْمِيَّةٍ ، فَالْعَيْنِيَّةُ مَا لَا تُجَاوِزُ مَحَلَّ حُلُولِ مُوجِبِهَا كَغَسْلِ الْخَبَثِ ، وَالْحُكْمِيَّةُ مَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ كَالْوُضُوءِ
الْكِتَابُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ ، يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا وَمِثْلُهُ الْكَثْبُ بِالْمُثَلَّثَةِ . وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ : إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا الِاشْتِقَاقَ الْأَصْغَرَ ، وَهُوَ رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى ، وَالْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْأَكْبَرَ ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ مِمَّا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَوَافَقَتْ حُرُوفُهُ حُرُوفَهُ أَمْ لَا كَمَا فِي الثَّلْمِ وَالثَّلْبِ ، 58 وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْبَيْعَ مُشْتَقٌّ مِنْ مَدِّ الْبَاعِ مَعَ أَنَّهُ يَائِيٌّ وَالْبَاعُ وَاوِيٌّ ، وَأَنَّ الصَّدَاقَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصَّدْقِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَهُوَ الشَّيْءُ الصُّلْبُ ; لِأَنَّهُ أَشْبَهَهُ فِي قُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ انْتَهَى .
وَيَرُدُّ الِاعْتِرَاضَ مَا صَرَّحَ بِهِ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ بِقَوْلِهِ : وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَنَا بِالْمَصْدَرِ هُوَ الْمَصْدَرُ الْمُجَرَّدُ ; لِأَنَّ الْمَزِيدَ فِيهِ مُشْتَقٌّ مِنْهُ لِمُوَافَقَتِهِ إيَّاهُ بِحُرُوفِهِ وَمَعْنَاهُ ا هـ وَاصْطِلَاحًا : اسْمٌ لِضَمِّ مَخْصُوصٍ أَوَلِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ غَالِبًا فَهُوَ إمَّا مَصْدَرٌ لَكِنْ لِضَمٍّ مَخْصُوصٍ أَوْ اسْمِ مَفْعُولٍ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ أَوْ اسْمِ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الْجَامِعِ لِلطَّهَارَةِ وَقَدْ افْتَتَحَ الْأَئِمَّةُ كُتُبَهُمْ بِالطَّهَارَةِ لِخَبَرِ { مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ } مَعَ افْتِتَاحِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُمَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بِالصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي وَلِكَوْنِهَا أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا عَلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَقُدِّمَ عَلَيْهِ وَضْعًا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِعِبَادَةٍ أَوْ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ بِمُنَاكَحَةٍ أَوْ بِجِنَايَةٍ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ 59 مِنْ الْبَعْثَةِ نَظْمُ أَحْوَالِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ ، وَانْتِظَامُهَا إنَّمَا يُحَصَّلُ بِكَمَالِ قُوَاهُمْ النُّطْقِيَّةِ وَالشَّهَوِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ ، فَمَا يُبْحَثُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ إنْ تَعَلَّقَ بِكَمَالِ النُّطْقِيَّةِ فَالْعِبَادَةُ إذْ بِهَا كَمَالُهَا أَوْ بِكَمَالِ الشَّهْوِيَّةِ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ فَالْمُعَامَلَةُ أَوْ بِالْوَطْءِ وَنَحْوِهِ فَالْمُنَاكَحَةُ أَوْ بِكَمَالِ الْغَضَبِيَّةِ فَالْجِنَايَةُ ، وَأَهَمُّهَا الْعِبَادَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَشْرَفِ ، ثُمَّ الْمُعَامَلَةُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ; ثُمَّ الْمُنَاكَحَةُ ; لِأَنَّهَا دُونَهَا فِي الْحَاجَةِ ، ثُمَّ الْجِنَايَةُ لِقِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا ، فَرَتَّبُوهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَرَتَّبُوا الْعِبَادَةَ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ } وَاخْتَارُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى رِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ أَعَمُّ وُجُوبًا لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَلِتَكَرُّرِهِ فِي كُلِّ عَامٍ .
وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يَطْهُرُ بِضَمِّهَا فِيهِمَا ، وَهِيَ لُغَةً : النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَانَتْ كَالْأَنْجَاسِ أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ ، وَشَرْعًا : 60 زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ أَوْ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ أَوْ لِإِفَادَةِ بَعْضِ آثَارِهِ ، كَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ جَوَازَ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ ، فَهِيَ قِسْمَانِ ، وَلِهَذَا عَرَّفَهَا النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي بِأَنَّهَا رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةِ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا ، كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ . وَتَنْقَسِمُ الطَّهَارَةُ إلَى عَيْنِيَّةٍ وَحُكْمِيَّةٍ ، فَالْعَيْنِيَّةُ مَا لَا تُجَاوِزُ مَحَلَّ حُلُولِ مُوجِبِهَا كَغَسْلِ الْخَبَثِ ، وَالْحُكْمِيَّةُ مَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ كَالْوُضُوءِ
الأم
اقرأ →
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّهَارَةِ
16 أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ " أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } الْآيَةَ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) فَكَانَ بَيِّنًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ غَسْلَهُمْ إنَّمَا كَانَ بِالْمَاءِ ثُمَّ أَبَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ وَكَانَ مَعْقُولًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمَاءَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّا لَا صَنْعَةَ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ وَذِكْرُ الْمَاءِ عَامًّا فَكَانَ مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ وَالْقُلَّاتِ وَالْبِحَارِ الْعَذْبُ مِنْ جَمِيعِهِ وَالْأُجَاجُ سَوَاءً فِي أَنَّهُ يُطَهِّرُ مَنْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ مِنْهُ ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَاءٍ طَاهِرٌ مَاءُ بَحْرٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ يُوَافِقُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا أَعْرِفُهُ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ رَجُلٌ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ خَبَّرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ { سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَمَعَنَا الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هِنْدٍ الْفِرَاسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْبَحْرُ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ } ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) فَكُلُّ الْمَاءِ طَهُورٌ مَا لَمْ تُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ وَلَا طَهُورَ إلَّا فِيهِ أَوْ فِي الصَّعِيدِ ، وَسَوَاءٌ كُلُّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ أُذِيبَ وَمَاءٍ مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ ; لِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ طَهَارَةُ النَّارِ وَالنَّارُ لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ .
16 أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ " أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } الْآيَةَ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) فَكَانَ بَيِّنًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ غَسْلَهُمْ إنَّمَا كَانَ بِالْمَاءِ ثُمَّ أَبَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ وَكَانَ مَعْقُولًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمَاءَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّا لَا صَنْعَةَ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ وَذِكْرُ الْمَاءِ عَامًّا فَكَانَ مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ وَالْقُلَّاتِ وَالْبِحَارِ الْعَذْبُ مِنْ جَمِيعِهِ وَالْأُجَاجُ سَوَاءً فِي أَنَّهُ يُطَهِّرُ مَنْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ مِنْهُ ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَاءٍ طَاهِرٌ مَاءُ بَحْرٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ يُوَافِقُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا أَعْرِفُهُ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ رَجُلٌ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ خَبَّرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ { سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَمَعَنَا الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هِنْدٍ الْفِرَاسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْبَحْرُ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ } ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) فَكُلُّ الْمَاءِ طَهُورٌ مَا لَمْ تُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ وَلَا طَهُورَ إلَّا فِيهِ أَوْ فِي الصَّعِيدِ ، وَسَوَاءٌ كُلُّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ أُذِيبَ وَمَاءٍ مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ ; لِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ طَهَارَةُ النَّارِ وَالنَّارُ لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ .
الأم
اقرأ →
باب الطهارة
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
34 35 [ كِتَابُ الطَّهَارَةِ ]
بَابُ الطَّهَارَةِ
قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ :
" قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [ الْفَرْقَانِ :
48 ] . وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْتَرَضَ مَنْ ذَكَرْنَا إِعْنَاتَهُ لِلْمُزَنِيِّ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَالُوا : أَسْنَدَ الْمُزَنِيُّ الْقُرْآنَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقُرْآنُ مَقْطُوعٌ بِهِ ، لَا يَقْتَصِرُ إِلَى الْإِسْنَادِ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِيهِ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ بَعْدَ الِاسْتِيعَاذِ مِنْ خِدَعِ الْهَوَى : أَنَّ الْمُزَنِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إِسْنَادَ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِضَافَةَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ لِيَعْلَمَ النَّاظِرُ فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ بِالْآيَةِ هُوَ الشَّافِعِيُّ دُونَ الْمُزَنِيِّ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي إِنْ قَالُوا : قَدَّمَ الدَّلِيلَ عَلَى الْمَدْلُولِ وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْمَوْضُوعِ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : لَمَّا ابْتَدَأَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ حَسُنَ أَنْ يَبْدَأَ بِتَقْدِيمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ مُبْتَدِئًا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا عَلَى أَنَّ الدَّلَائِلَ ضَرْبَانِ :
ضَرْبٌ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَسْأَلَةٍ ، فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ .
وَضَرْبٌ يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى أَصْلِ الْبَابِ ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى الْبَابِ .
بَابُ الطَّهَارَةِ
قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ :
" قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [ الْفَرْقَانِ :
48 ] . وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْتَرَضَ مَنْ ذَكَرْنَا إِعْنَاتَهُ لِلْمُزَنِيِّ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَالُوا : أَسْنَدَ الْمُزَنِيُّ الْقُرْآنَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقُرْآنُ مَقْطُوعٌ بِهِ ، لَا يَقْتَصِرُ إِلَى الْإِسْنَادِ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِيهِ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ بَعْدَ الِاسْتِيعَاذِ مِنْ خِدَعِ الْهَوَى : أَنَّ الْمُزَنِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إِسْنَادَ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِضَافَةَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ لِيَعْلَمَ النَّاظِرُ فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ بِالْآيَةِ هُوَ الشَّافِعِيُّ دُونَ الْمُزَنِيِّ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي إِنْ قَالُوا : قَدَّمَ الدَّلِيلَ عَلَى الْمَدْلُولِ وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْمَوْضُوعِ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : لَمَّا ابْتَدَأَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ حَسُنَ أَنْ يَبْدَأَ بِتَقْدِيمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ مُبْتَدِئًا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا عَلَى أَنَّ الدَّلَائِلَ ضَرْبَانِ :
ضَرْبٌ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَسْأَلَةٍ ، فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ .
وَضَرْبٌ يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى أَصْلِ الْبَابِ ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى الْبَابِ .
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
باب الطهارة
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
7 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) . الْفُرْقَانِ : 48 . الْمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ، الْمَاءُ الْمُطْلَقُ خَاصَّةً ، وَهُوَ الْعَارِي عَنِ الْإِضَافَةِ اللَّازِمَةِ . وَقِيلَ : الْبَاقِي عَلَى وَصْفِ خِلْقَتِهِ .
وَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي رَفْعِ حَدَثٍ ، فَطَاهِرٌ ، وَلَيْسَ بِطَهُورٍ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : طَهُورٌ فِي الْقَدِيمِ . وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي نَقْلِ الطَّهَارَةِ ، كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ ، وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ ، وَالثَّالِثَةِ ، وَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ ، طَهُورٌ عَلَى الْأَصَحِّ . وَأَمَّا مَا اغْتَسَلَتْ بِهِ كِتَابِيَّةٌ عَنْ حَيْضٍ لِتَحِلَّ لِمُسْلِمٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ إِعَادَةُ الْغُسْلِ إِذَا أَسْلَمَتْ ، فَلَيْسَ بِطَهُورٍ . وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا - وَهُوَ الْأَصَحُّ - فَوَجْهَانِ ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ . وَمَا تَطَهَّرُ بِهِ لِصَلَاةِ النَّفْلِ ، مُسْتَعْمَلٌ ، وَكَذَا مَا تَطَهَّرُ بِهِ الصَّبِيُّ عَلَى الصَّحِيحِ . وَالْمُسْتَعْمَلُ الَّذِي لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، لَا يُزِيلُ النَّجَسَ عَلَى الصَّحِيحِ . وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَسِ إِذَا قُلْنَا : إِنَّهُ طَاهِرٌ ، لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الصَّحِيحِ . وَلَوْ جُمِعَ الْمُسْتَعْمَلُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ ، عَادَ طَهُورًا فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوِ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي قُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ . وَلَوِ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِيمَا دُونَ قُلَّتَيْنِ حَتَّى عَمَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ ، ثُمَّ نَوَى ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَصَارَ الْمَاءُ فِي الْحَالِ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَمُقْتَضَى كَلَامِ 8 الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنْغَمِسِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا لِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ . وَلَوِ انْغَمَسَ فِيهِ جُنُبَانِ ، وَنَوَيَا مَعًا بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُمَا بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوْ نَوَى الْجُنُبُ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ ، إِمَّا فِي أَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ ، وَإِمَّا بَعْدَ غَمْسِ بَعْضِ الْبَدَنِ ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ الْجُزْءِ الْمُلَاقِي بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ، بَلْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ الِانْغِمَاسَ وَيُرْفَعُ الْحَدَثُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ . وَقَالَ الْخُضَرِيُّ : يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ، فَلَا تَرْتَفِعُ عَنِ الْبَاقِي .
قُلْتُ : وَلَوِ انْغَمَسَ جُنُبَانِ ، وَنَوَى أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ النَّاوِي ، وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَإِنْ نَوَيَا مَعًا بَعْدَ غَمْسِ جُزْءٍ مِنْهُمَا ، ارْتَفَعَ عَنْ جُزْءَيْهِمَا ، وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَا دَامَ الْمَاءُ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ ، لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ .
قُلْتُ : وَإِذَا جَرَى الْمَاءُ مِنْ عُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ إِلَى عُضْوٍ ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا ، حَتَّى لَوِ انْتَقَلَ مِنْ إِحْدَى الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ مَحْكِيٌّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ . مِنَ ( الْبَيَانِ ) أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ، لِأَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ . 9 وَلَوِ انْفَصَلَ مِنْ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْجُنُبِ إِلَى بَعْضِهَا ، فَوَجْهَانِ ; الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبَيِ ( الْحَاوِي ) وَ ( الْبَحْرِ ) : لَا يَصِيرُ . وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ يَصِيرُ ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ . وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إِنْ نَقَلَهُ قَصْدًا ، صَارَ ، وَإِلَّا فَلَا . وَلَوْ غَمَسَ الْمُتَوَضِّئُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الْوَجْهِ ، لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا . وَإِنْ غَمَسَهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوَجْهِ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا . وَإِنْ نَوَى الِاغْتِرَافَ ، لَمْ يَصِرْ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ . وَالْجُنُبُ بَعْدَ النِّيَّةِ ، كَمُحْدِثٍ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ . وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ الْحَنَفِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ نِيَّةِ 10 الْوُضُوءِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِيرُ . وَالثَّانِي : لَا يَصِيرُ . وَالثَّالِثُ : إِنْ نَوَى ، صَارَ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ ، كَمَا لَوِ اسْتَعْمَلَ فِي طَهَارَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ حَاجَتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) . الْفُرْقَانِ : 48 . الْمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ، الْمَاءُ الْمُطْلَقُ خَاصَّةً ، وَهُوَ الْعَارِي عَنِ الْإِضَافَةِ اللَّازِمَةِ . وَقِيلَ : الْبَاقِي عَلَى وَصْفِ خِلْقَتِهِ .
وَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي رَفْعِ حَدَثٍ ، فَطَاهِرٌ ، وَلَيْسَ بِطَهُورٍ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : طَهُورٌ فِي الْقَدِيمِ . وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي نَقْلِ الطَّهَارَةِ ، كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ ، وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ ، وَالثَّالِثَةِ ، وَمَاءِ الْمَضْمَضَةِ ، طَهُورٌ عَلَى الْأَصَحِّ . وَأَمَّا مَا اغْتَسَلَتْ بِهِ كِتَابِيَّةٌ عَنْ حَيْضٍ لِتَحِلَّ لِمُسْلِمٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ إِعَادَةُ الْغُسْلِ إِذَا أَسْلَمَتْ ، فَلَيْسَ بِطَهُورٍ . وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا - وَهُوَ الْأَصَحُّ - فَوَجْهَانِ ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ . وَمَا تَطَهَّرُ بِهِ لِصَلَاةِ النَّفْلِ ، مُسْتَعْمَلٌ ، وَكَذَا مَا تَطَهَّرُ بِهِ الصَّبِيُّ عَلَى الصَّحِيحِ . وَالْمُسْتَعْمَلُ الَّذِي لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، لَا يُزِيلُ النَّجَسَ عَلَى الصَّحِيحِ . وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَسِ إِذَا قُلْنَا : إِنَّهُ طَاهِرٌ ، لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الصَّحِيحِ . وَلَوْ جُمِعَ الْمُسْتَعْمَلُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ ، عَادَ طَهُورًا فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوِ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي قُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ . وَلَوِ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِيمَا دُونَ قُلَّتَيْنِ حَتَّى عَمَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ ، ثُمَّ نَوَى ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَصَارَ الْمَاءُ فِي الْحَالِ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَمُقْتَضَى كَلَامِ 8 الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنْغَمِسِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا لِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ . وَلَوِ انْغَمَسَ فِيهِ جُنُبَانِ ، وَنَوَيَا مَعًا بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُمَا بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوْ نَوَى الْجُنُبُ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ ، إِمَّا فِي أَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ ، وَإِمَّا بَعْدَ غَمْسِ بَعْضِ الْبَدَنِ ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ الْجُزْءِ الْمُلَاقِي بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ، بَلْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ الِانْغِمَاسَ وَيُرْفَعُ الْحَدَثُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ . وَقَالَ الْخُضَرِيُّ : يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ، فَلَا تَرْتَفِعُ عَنِ الْبَاقِي .
قُلْتُ : وَلَوِ انْغَمَسَ جُنُبَانِ ، وَنَوَى أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَةُ النَّاوِي ، وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَإِنْ نَوَيَا مَعًا بَعْدَ غَمْسِ جُزْءٍ مِنْهُمَا ، ارْتَفَعَ عَنْ جُزْءَيْهِمَا ، وَصَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَا دَامَ الْمَاءُ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ ، لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ .
قُلْتُ : وَإِذَا جَرَى الْمَاءُ مِنْ عُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ إِلَى عُضْوٍ ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا ، حَتَّى لَوِ انْتَقَلَ مِنْ إِحْدَى الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ مَحْكِيٌّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ . مِنَ ( الْبَيَانِ ) أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ، لِأَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ . 9 وَلَوِ انْفَصَلَ مِنْ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْجُنُبِ إِلَى بَعْضِهَا ، فَوَجْهَانِ ; الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبَيِ ( الْحَاوِي ) وَ ( الْبَحْرِ ) : لَا يَصِيرُ . وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ يَصِيرُ ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ . وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إِنْ نَقَلَهُ قَصْدًا ، صَارَ ، وَإِلَّا فَلَا . وَلَوْ غَمَسَ الْمُتَوَضِّئُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الْوَجْهِ ، لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا . وَإِنْ غَمَسَهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوَجْهِ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ ، صَارَ مُسْتَعْمَلًا . وَإِنْ نَوَى الِاغْتِرَافَ ، لَمْ يَصِرْ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ . وَالْجُنُبُ بَعْدَ النِّيَّةِ ، كَمُحْدِثٍ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ . وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ الْحَنَفِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ نِيَّةِ 10 الْوُضُوءِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِيرُ . وَالثَّانِي : لَا يَصِيرُ . وَالثَّالِثُ : إِنْ نَوَى ، صَارَ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ ، كَمَا لَوِ اسْتَعْمَلَ فِي طَهَارَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ حَاجَتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
كتاب الطهارة
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَدَأَ بِذَلِكَ اقْتِدَاءً بِالْأَئِمَّةِ ، كَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطُهَا ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَهِيَ تَكُونُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ 23 وَالْمَاءُ هُوَ الْأَصْلُ وَبَدَأَ بِرُبْعِ الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَتَقْدِيمًا لَهَا عَلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَقَدَّمُوا الْمُعَامَلَاتِ عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْمُعَامَلَاتِ - وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَنَحْوُهُمَا - ضَرُورِيٌّ يَسْتَوِي فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ .
وَقَدَّمُوا النِّكَاحَ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ ; لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَالْكِتَابُ : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ ، يُقَالُ : كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابًا وَكِتَابَةً ، وَمَعْنَاهَا : الْجَمْعُ يُقَالُ : كَتَبْتُ الْبَغْلَةَ إذَا جَمَعَتْ : بَيْنَ شَفْرَتِهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ .
قَالَ سَالِمُ بْنُ دَارَةَ ﴿﴾ : لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ ﴿﴾ أَيْ وَاجْمَعْ بَيْنَ شَفْرَيْهَا وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ وَهِيَ الْجَيْشُ .
وَالْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ وَأَمَّا الْكُثْبَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ فَالرَّمْلُ الْمُجْتَمَعُ وَاعْتُرِضَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْكِتَابَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ بِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ مِثْلِهِ وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْمَصْدَرَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ وَأُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ الْمَكْتُوبُ لِلطَّهَارَةِ أَوْ الْمَكْتُوبُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ لِمَا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا ، كَالْبَيْعِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَاعِ أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَإِنَّ الْمَصْدَرَ الْمَزِيدَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ .
وَكِتَابُ الطَّهَارَةِ : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ هَذَا كِتَابُ الطَّهَارَةِ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، أَوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ، وَكَذَا تُقَدَّرُ فِي نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ ( وَهِيَ ) أَيْ الطَّهَارَةُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ حِسِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً ، وَمِنْهُ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ قَالَ لَا بَأْسَ ، طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ } أَيْ مُطَهِّرٌ مِنْ الذُّنُوبِ ، وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ يَطْهُرُ بِضَمِّ الْهَاءِ فِيهِمَا وَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ لَا يَتَعَدَّى إلَّا بِالتَّضْعِيفِ فَيُقَال طَهَّرْتُ الثَّوْبَ ، وَمَصْدَرُ 24 طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ الطُّهْرُ ، كَحَكَمَ حُكْمًا .
وَشَرْعًا : ( ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ ) أَكْبَرَ كَانَ أَوْ أَصْغَرَ أَيْ زَوَالُ الْوَصْفِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَعَبَّرَ بِالِارْتِفَاعِ لِيُطَابِقَ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ ، وَلَمْ يُعَبَّرْ بِالرَّفْعِ - كَمَا عَبَّرَ بِهِ جَمْعٌ ; لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلتَّطْهِيرِ لَا الطَّهَارَةِ ، وَلَكِنْ سَهَّلَهُ كَوْنُ الطَّهَارَةِ أَثَرَهُ وَنَاشِئَةً عَنْهُ وَسُمِّيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ طَهَارَةً لِكَوْنِهِ يُنَقِّي الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ كَمَا فِي الْإِخْبَارِ ( وَمَا فِي مَعْنَاهُ ) أَيْ مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ كَالْحَاصِلِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ ; لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَنْ حَدَثٍ وَالْحَاصِلُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمُسْتَحَبَّيْنِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
( وَزَوَالُ النَّجَسِ ) سَوَاءٌ كَانَتْ إزَالَتُهُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ كَغَسْلِ الْمُتَنَجِّسِ ، أَوْ بِنَفْسِهِ كَزَوَالِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ وَانْقِلَابِ الْخَمْرَةِ خَلًّا ( أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ ) أَيْ الْحَدَثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالنَّجَسُ ، إمَّا بِالتُّرَابِ كَالتَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ بِبَدَنٍ ، أَوْ عَنْ غُسْلِ مَيِّتٍ أَوْ عَنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ وَإِمَّا بِالْأَحْجَارِ نَحْوهَا فِي الْخَارِجِ مِنْ سَبِيلٍ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ وَهَذَا الْحَدُّ أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِي الطَّهَارَةِ وَقَدْ عُرِفَتْ بِحُدُودٍ كَثِيرَةٍ وَكُلُّهَا مُنْتَقَدَةٌ ، .
وَمَا حَذَفَهُ مِنْ عِبَارَةِ التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ بَلْ مِنْ الْمَحْدُودِ ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى التَّنْقِيحِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمَا : أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِهِمَا : لِمَا قَدَّمْتُهُ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَحَيْثُ أُطْلِقَ لَفْظُ الطَّهَارَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ ، حَيْثُ لَا صَارِفَ ، وَكَذَا كُلُّ مَالَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ كَالصَّلَاةِ فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ هُوَ الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيَانِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ ، وَمَا يُتَطَهَّرُ لَهُ ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يُتَطَهَّرَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
بَدَأَ بِذَلِكَ اقْتِدَاءً بِالْأَئِمَّةِ ، كَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطُهَا ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَهِيَ تَكُونُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ 23 وَالْمَاءُ هُوَ الْأَصْلُ وَبَدَأَ بِرُبْعِ الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَتَقْدِيمًا لَهَا عَلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَقَدَّمُوا الْمُعَامَلَاتِ عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْمُعَامَلَاتِ - وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَنَحْوُهُمَا - ضَرُورِيٌّ يَسْتَوِي فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ .
وَقَدَّمُوا النِّكَاحَ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ ; لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَالْكِتَابُ : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ ، يُقَالُ : كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابًا وَكِتَابَةً ، وَمَعْنَاهَا : الْجَمْعُ يُقَالُ : كَتَبْتُ الْبَغْلَةَ إذَا جَمَعَتْ : بَيْنَ شَفْرَتِهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ .
قَالَ سَالِمُ بْنُ دَارَةَ ﴿﴾ : لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ ﴿﴾ أَيْ وَاجْمَعْ بَيْنَ شَفْرَيْهَا وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ وَهِيَ الْجَيْشُ .
وَالْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ وَأَمَّا الْكُثْبَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ فَالرَّمْلُ الْمُجْتَمَعُ وَاعْتُرِضَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْكِتَابَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ بِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ مِثْلِهِ وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْمَصْدَرَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ وَأُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ الْمَكْتُوبُ لِلطَّهَارَةِ أَوْ الْمَكْتُوبُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ لِمَا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا ، كَالْبَيْعِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَاعِ أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَإِنَّ الْمَصْدَرَ الْمَزِيدَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ .
وَكِتَابُ الطَّهَارَةِ : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ هَذَا كِتَابُ الطَّهَارَةِ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، أَوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ، وَكَذَا تُقَدَّرُ فِي نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ ( وَهِيَ ) أَيْ الطَّهَارَةُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ حِسِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً ، وَمِنْهُ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ قَالَ لَا بَأْسَ ، طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ } أَيْ مُطَهِّرٌ مِنْ الذُّنُوبِ ، وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ يَطْهُرُ بِضَمِّ الْهَاءِ فِيهِمَا وَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ لَا يَتَعَدَّى إلَّا بِالتَّضْعِيفِ فَيُقَال طَهَّرْتُ الثَّوْبَ ، وَمَصْدَرُ 24 طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ الطُّهْرُ ، كَحَكَمَ حُكْمًا .
وَشَرْعًا : ( ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ ) أَكْبَرَ كَانَ أَوْ أَصْغَرَ أَيْ زَوَالُ الْوَصْفِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَعَبَّرَ بِالِارْتِفَاعِ لِيُطَابِقَ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ ، وَلَمْ يُعَبَّرْ بِالرَّفْعِ - كَمَا عَبَّرَ بِهِ جَمْعٌ ; لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلتَّطْهِيرِ لَا الطَّهَارَةِ ، وَلَكِنْ سَهَّلَهُ كَوْنُ الطَّهَارَةِ أَثَرَهُ وَنَاشِئَةً عَنْهُ وَسُمِّيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ طَهَارَةً لِكَوْنِهِ يُنَقِّي الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ كَمَا فِي الْإِخْبَارِ ( وَمَا فِي مَعْنَاهُ ) أَيْ مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ كَالْحَاصِلِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ ; لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَنْ حَدَثٍ وَالْحَاصِلُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمُسْتَحَبَّيْنِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
( وَزَوَالُ النَّجَسِ ) سَوَاءٌ كَانَتْ إزَالَتُهُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ كَغَسْلِ الْمُتَنَجِّسِ ، أَوْ بِنَفْسِهِ كَزَوَالِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ وَانْقِلَابِ الْخَمْرَةِ خَلًّا ( أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ ) أَيْ الْحَدَثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالنَّجَسُ ، إمَّا بِالتُّرَابِ كَالتَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ بِبَدَنٍ ، أَوْ عَنْ غُسْلِ مَيِّتٍ أَوْ عَنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ وَإِمَّا بِالْأَحْجَارِ نَحْوهَا فِي الْخَارِجِ مِنْ سَبِيلٍ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ وَهَذَا الْحَدُّ أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِي الطَّهَارَةِ وَقَدْ عُرِفَتْ بِحُدُودٍ كَثِيرَةٍ وَكُلُّهَا مُنْتَقَدَةٌ ، .
وَمَا حَذَفَهُ مِنْ عِبَارَةِ التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ بَلْ مِنْ الْمَحْدُودِ ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى التَّنْقِيحِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمَا : أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِهِمَا : لِمَا قَدَّمْتُهُ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَحَيْثُ أُطْلِقَ لَفْظُ الطَّهَارَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ ، حَيْثُ لَا صَارِفَ ، وَكَذَا كُلُّ مَالَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ كَالصَّلَاةِ فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ هُوَ الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيَانِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ ، وَمَا يُتَطَهَّرُ لَهُ ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يُتَطَهَّرَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
13 ( كِتَابُ الطَّهَارَةِ ) : هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هَذَا كِتَابُ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ مِمَّا يُذْكَرُ كِتَابُ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ، لَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ إلَّا مَعَ الْإِضَافَةِ ، وَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِهِ وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْكَتْبِ وَالْكِتَابَةِ ، بِمَعْنَى الْجَمْعِ ، وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ بِالْمُثَنَّاةِ لِلْجَيْشِ ، وَالْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ لِجَمْعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ الْجَامِعِ لِمَسَائِلِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِهَا وَمَا تُوجِبُهَا ، وَمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ قَالُوا : إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ .
وَبَدَأَ الْفُقَهَاءُ بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ : وَالطَّهَارَةُ شَرْطُهَا وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ ، وَقَدَّمُوا الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ ، ثُمَّ الْمُعَامَلَاتِ لِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِهَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَنَحْوَهُ مِنْ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْمُخَاصَمَاتِ لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي الْغَالِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ( الطَّهَارَةُ ) مَصْدَرُ طَهُرَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ ، كَمَا فِي الصِّحَاحِ ، وَالِاسْمُ الطُّهْرُ .
وَهِيَ لُغَةً : النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ حَتَّى الْمَعْنَوِيَّةُ ، وَشَرْعًا ( ارْتِفَاعُ حَدَثٍ ) أَيْ زَوَالُ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ بِهِ الْمَانِعِ مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ ، وَالِارْتِفَاعُ مَصْدَرُ ارْتَفَعَ ، فَفِيهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ فِي اللُّزُومِ بِخِلَافِ الرَّفْعِ ، وَيَأْتِي مَعْنَى الْحَدَثِ ( وَمَا فِي مَعْنَاهُ ) أَيْ مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ ، كَالْحَاصِلِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَنْ حَدَثٍ وَكَذَا غَسْلُ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ .
وَمَا يَحْصُلُ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمُسْتَحَبَّيْنِ ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَبِغَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الْمَذْيِ إنْ لَمْ يُصِبْهُمَا ، وَكَوُضُوءِ نَحْوِ الْمُسْتَحَاضَةِ إنْ قِيلَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ( بِمَاءٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِارْتِفَاعِ ( طَهُورٍ مُبَاحٍ ) فَلَا يَرْتَفِعُ 14 حَدَثٌ بِغَيْرِ مَاءٍ طَهُورٍ مُبَاحٍ ( وَزَوَالُ خَبَثٍ ) أَيْ نَجَسٍ حُكْمِيٍّ ( بِهِ ) أَيْ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ .
( وَلَوْ لَمْ يُبَحْ ) فَتَزُولُ النَّجَاسَةُ بِنَحْوِ مَغْصُوبٍ ، لِأَنَّ إزَالَتَهَا مِنْ قِسْمِ التُّرُوكِ ، بِخِلَافِ رَفْعِ الْحَدَثِ ، وَتَزُولُ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ ( أَوْ ) بِمَاءٍ طَهُورٍ ( مَعَ تُرَابٍ طَهُورٍ أَوْ نَحْوِهِ ) كَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ إنْ كَانَتْ مِنْهُ ، فَلَا يَكْفِي فِيهَا الْمَاءُ وَحْدَهُ ( أَوْ ) زَوَالُ خَبَثٍ ( بِنَفْسِهِ ) أَيْ بِغَيْرِ شَيْءٍ يُفْعَلُ بِهِ ، كَخَمْرَةٍ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا ، وَمَاءٍ كَثِيرٍ مُتَغَيِّرٍ بِنَجَاسَةٍ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ ، فَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ ( أَوْ ارْتِفَاعِ حُكْمِهِمَا ) أَيْ الْحَدَثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالْخَبَثِ ( بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ ) أَيْ الْمَاءُ كَالتَّيَمُّمِ وَالِاسْتِجْمَارِ - وَهَذَا الْحَدُّ لِصَاحِبِ التَّنْقِيحِ ، وَسَبَقَهُ إلَى قَرِيبٍ مِنْهُ الْمُوَفَّقُ ، وَاعْتَرَضَهُ الْحَجَّاوِيُّ ، كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ .
وَبَدَأَ الْفُقَهَاءُ بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ : وَالطَّهَارَةُ شَرْطُهَا وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ ، وَقَدَّمُوا الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ ، ثُمَّ الْمُعَامَلَاتِ لِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِهَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَنَحْوَهُ مِنْ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْمُخَاصَمَاتِ لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي الْغَالِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ( الطَّهَارَةُ ) مَصْدَرُ طَهُرَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ ، كَمَا فِي الصِّحَاحِ ، وَالِاسْمُ الطُّهْرُ .
وَهِيَ لُغَةً : النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ حَتَّى الْمَعْنَوِيَّةُ ، وَشَرْعًا ( ارْتِفَاعُ حَدَثٍ ) أَيْ زَوَالُ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ بِهِ الْمَانِعِ مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ ، وَالِارْتِفَاعُ مَصْدَرُ ارْتَفَعَ ، فَفِيهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ فِي اللُّزُومِ بِخِلَافِ الرَّفْعِ ، وَيَأْتِي مَعْنَى الْحَدَثِ ( وَمَا فِي مَعْنَاهُ ) أَيْ مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ ، كَالْحَاصِلِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَنْ حَدَثٍ وَكَذَا غَسْلُ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ .
وَمَا يَحْصُلُ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمُسْتَحَبَّيْنِ ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَبِغَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الْمَذْيِ إنْ لَمْ يُصِبْهُمَا ، وَكَوُضُوءِ نَحْوِ الْمُسْتَحَاضَةِ إنْ قِيلَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ( بِمَاءٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِارْتِفَاعِ ( طَهُورٍ مُبَاحٍ ) فَلَا يَرْتَفِعُ 14 حَدَثٌ بِغَيْرِ مَاءٍ طَهُورٍ مُبَاحٍ ( وَزَوَالُ خَبَثٍ ) أَيْ نَجَسٍ حُكْمِيٍّ ( بِهِ ) أَيْ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ .
( وَلَوْ لَمْ يُبَحْ ) فَتَزُولُ النَّجَاسَةُ بِنَحْوِ مَغْصُوبٍ ، لِأَنَّ إزَالَتَهَا مِنْ قِسْمِ التُّرُوكِ ، بِخِلَافِ رَفْعِ الْحَدَثِ ، وَتَزُولُ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ ( أَوْ ) بِمَاءٍ طَهُورٍ ( مَعَ تُرَابٍ طَهُورٍ أَوْ نَحْوِهِ ) كَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ إنْ كَانَتْ مِنْهُ ، فَلَا يَكْفِي فِيهَا الْمَاءُ وَحْدَهُ ( أَوْ ) زَوَالُ خَبَثٍ ( بِنَفْسِهِ ) أَيْ بِغَيْرِ شَيْءٍ يُفْعَلُ بِهِ ، كَخَمْرَةٍ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا ، وَمَاءٍ كَثِيرٍ مُتَغَيِّرٍ بِنَجَاسَةٍ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ ، فَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ ( أَوْ ارْتِفَاعِ حُكْمِهِمَا ) أَيْ الْحَدَثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالْخَبَثِ ( بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ ) أَيْ الْمَاءُ كَالتَّيَمُّمِ وَالِاسْتِجْمَارِ - وَهَذَا الْحَدُّ لِصَاحِبِ التَّنْقِيحِ ، وَسَبَقَهُ إلَى قَرِيبٍ مِنْهُ الْمُوَفَّقُ ، وَاعْتَرَضَهُ الْحَجَّاوِيُّ ، كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ .
الإنصاف
اقرأ →
وَلِلْوُضُوءِ شُرُوطٌ أُخْرَى . مِنْهَا : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَهُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى الْفَرْجَيْنِ مِنْ أَذًى بِالْمَاءِ ، أَوْ بِالْأَحْجَارِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . 144
وَمِنْهَا : إزَالَةُ مَا عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مِنْ نَجَاسَةٍ ، عَلَى قَوْلٍ تَقَدَّمَ هُنَاكَ . وَمِنْهَا : دُخُولُ الْوَقْتِ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِمْ ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ . وَمِنْهَا : التَّمْيِيزُ . فَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ ، كَمَنْ لَهُ دُونَ سَبْعٍ ، وَقِيلَ : سِتٌّ ، أَوْ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَلَا يَرُدُّ الْجَوَابَ ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . وَمِنْهَا : إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ . وَمِنْهَا : الْعَقْلُ ، فَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ، كَالْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِ . وَمِنْهَا : الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ الْحَائِضِ ، عَلَى مَا يَأْتِي أَوَّلَ الْحَيْضِ مُسْتَوْفًى . قُلْت : وَمِنْهَا الطَّهَارَةُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ . أَعْنِي انْقِطَاعَهُمَا ، وَالْفَرَاغَ مِنْ خُرُوجِهِمَا . وَمِنْهَا : طَهُورِيَّةُ الْمَاءِ ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ فِي تَجْوِيزِهِ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي نَفْلِ الْوُضُوءِ ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . وَمِنْهَا : إبَاحَةُ الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ . وَمِنْهَا : الْإِسْلَامُ . قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ . فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ شَرْطًا لِلْوُضُوءِ فِي بَعْضِهَا خِلَافٌ .
وَمِنْهَا : إزَالَةُ مَا عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مِنْ نَجَاسَةٍ ، عَلَى قَوْلٍ تَقَدَّمَ هُنَاكَ . وَمِنْهَا : دُخُولُ الْوَقْتِ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِمْ ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ . وَمِنْهَا : التَّمْيِيزُ . فَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ ، كَمَنْ لَهُ دُونَ سَبْعٍ ، وَقِيلَ : سِتٌّ ، أَوْ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَلَا يَرُدُّ الْجَوَابَ ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . وَمِنْهَا : إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ . وَمِنْهَا : الْعَقْلُ ، فَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ، كَالْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِ . وَمِنْهَا : الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ الْحَائِضِ ، عَلَى مَا يَأْتِي أَوَّلَ الْحَيْضِ مُسْتَوْفًى . قُلْت : وَمِنْهَا الطَّهَارَةُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ . أَعْنِي انْقِطَاعَهُمَا ، وَالْفَرَاغَ مِنْ خُرُوجِهِمَا . وَمِنْهَا : طَهُورِيَّةُ الْمَاءِ ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ فِي تَجْوِيزِهِ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي نَفْلِ الْوُضُوءِ ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . وَمِنْهَا : إبَاحَةُ الْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ . وَمِنْهَا : الْإِسْلَامُ . قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُ . فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ شَرْطًا لِلْوُضُوءِ فِي بَعْضِهَا خِلَافٌ .
الفروع
اقرأ →
72 - 73 كِتَابُ الطَّهَارَةِ ( مَسْأَلَةٌ 1 ) قَوْلُهُ : " وَلَا يُكْرَهُ مُشَمَّسٌ قَصْدًا وَقِيلَ : يُكْرَهُ ، وَقِيلَ : أَوْ غَيْرَ قَصْدٍ مِنْ مَاءِ آنِيَةٍ ، وَلَوْ فِي طَعَامٍ يَأْكُلُهُ ، فَإِنْ بَرَدَ فَاحْتِمَالَانِ " انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) 74 لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) تَزُولُ ، قُلْت : يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى أَرْبَابِ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا حُكْمُهُ إذَا بَرَدَ : حُكْمُهُ حَالَ التَّشْمِيسِ كَانَ كَذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَا .
( أَحَدُهُمَا ) 74 لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) تَزُولُ ، قُلْت : يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى أَرْبَابِ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا حُكْمُهُ إذَا بَرَدَ : حُكْمُهُ حَالَ التَّشْمِيسِ كَانَ كَذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَا .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
29 كِتَابُ الطَّهَارَةِ
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الطهارة
شرح عمدة الفقه
اقرأ →
60 " كِتَابُ الطَّهَارَةِ "
( بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ )
مَسْأَلَةٌ :
" خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا يُطَهِّرُ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ "
الطَّهُورُ هُوَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِثْلُ الْفَطُورِ وَالسَّحُورِ وَالْوَجُورِ ، فَأَمَّا الطَّهُورُ فَمَصْدَرُ طَهُرَ الشَّيْءُ ، وَطَهُرَ طَهَارَةً وَطُهْرًا وَطَهُورًا لَيْسَ الطَّهُورُ هُوَ الطَّاهِرَ وَلَا مُبَالَغَةً فِيهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتُهُ " ، وَقَالَ : " جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " أَيْ مُطَهِّرَةً ، وَهَذِهِ صِفَةٌ لِلْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ، فَلِذَلِكَ طَهَّرَ غَيْرَهُ وَدَفَعَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ .
وَالْحَدَثُ : هُوَ مَعْنًى يَقُومُ بِالْبَدَنِ تَمْتَنِعُ مَعَهُ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ .
وَالنَّجَاسَةُ : هِيَ أَعْيَانٌ مُسْتَخْبَثَةٌ فِي الشَّرْعِ يَمْتَنِعُ الْمُصَلِّي مِنِ اسْتِصْحَابِهَا ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ نَجُسَ الشَّيْءُ يَنْجُسُ نَجَاسَةً فَهُوَ نَجَسٌ ، وَيُقَالُ نَجِسَ الشَّيْءُ يَنْجَسُ نَجَسًا ثُمَّ سُمِّيَ الشَّيْءُ النَّجِسُ نَجَاسَةً وَنَجِسًا فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْأَنْوَاعَ ، وَالْمَاءُ يُطَهِّرُ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) 61 وَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) . وَتَطَهُّرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِالْمَاءِ مَشْهُورٌ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ .
( بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ )
مَسْأَلَةٌ :
" خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا يُطَهِّرُ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ "
الطَّهُورُ هُوَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِثْلُ الْفَطُورِ وَالسَّحُورِ وَالْوَجُورِ ، فَأَمَّا الطَّهُورُ فَمَصْدَرُ طَهُرَ الشَّيْءُ ، وَطَهُرَ طَهَارَةً وَطُهْرًا وَطَهُورًا لَيْسَ الطَّهُورُ هُوَ الطَّاهِرَ وَلَا مُبَالَغَةً فِيهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتُهُ " ، وَقَالَ : " جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " أَيْ مُطَهِّرَةً ، وَهَذِهِ صِفَةٌ لِلْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ، فَلِذَلِكَ طَهَّرَ غَيْرَهُ وَدَفَعَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ .
وَالْحَدَثُ : هُوَ مَعْنًى يَقُومُ بِالْبَدَنِ تَمْتَنِعُ مَعَهُ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ .
وَالنَّجَاسَةُ : هِيَ أَعْيَانٌ مُسْتَخْبَثَةٌ فِي الشَّرْعِ يَمْتَنِعُ الْمُصَلِّي مِنِ اسْتِصْحَابِهَا ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ نَجُسَ الشَّيْءُ يَنْجُسُ نَجَاسَةً فَهُوَ نَجَسٌ ، وَيُقَالُ نَجِسَ الشَّيْءُ يَنْجَسُ نَجَسًا ثُمَّ سُمِّيَ الشَّيْءُ النَّجِسُ نَجَاسَةً وَنَجِسًا فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْأَنْوَاعَ ، وَالْمَاءُ يُطَهِّرُ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) 61 وَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) . وَتَطَهُّرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِالْمَاءِ مَشْهُورٌ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ .
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
90 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ الطَّهَارَةِ 110 - مَسْأَلَةٌ : الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ . هَذَا إجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ ، وَأَصْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } .