التيمم
الحنفية
المبسوط
اقرأ →
بَابُ التَّيَمُّمِ
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ ﴿﴾ وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ﴿﴾ ﴿﴾ أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي ﴿﴾ أَيْ قَصَدْت ، وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ إلَى الصَّعِيدِ لِلتَّطْهِيرِ الِاسْمُ شَرْعِيٌّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ ( وَثُبُوتُ التَّيَمُّمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ) أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } وَنُزُولُ الْآيَةِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ حِينَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَسَقَطَ عِقْدُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَمَّا ارْتَحَلُوا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهِ وَنَزَلُوا يَنْتَظِرُونَهُمَا فَأَصْبَحُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ حَبَسْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَلَمَّا صَلَّوْا جَاءَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ إلَى مِضْرَبِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَجَعَلَ يَقُولُ مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَا عَائِشَةُ مَا نَزَلَ بِك أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرَجًا .
وَالسُّنَّةُ مَا رُوِيَ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَيَمَّمَتْ وَصَلَّيْتُ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ يَنْتَظِرُ مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُو ذَلِكَ لَا يُؤَخِّرْ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ ; لِأَنَّ الِانْتِظَارَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ إذَا كَانَ مُفِيدًا ، فَإِذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ فَالِانْتِظَارُ مُفِيدٌ لَعَلَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فَيُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الْمَاءِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ .
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ ﴿﴾ وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ﴿﴾ ﴿﴾ أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي ﴿﴾ أَيْ قَصَدْت ، وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ إلَى الصَّعِيدِ لِلتَّطْهِيرِ الِاسْمُ شَرْعِيٌّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ ( وَثُبُوتُ التَّيَمُّمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ) أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } وَنُزُولُ الْآيَةِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ حِينَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَسَقَطَ عِقْدُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَمَّا ارْتَحَلُوا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهِ وَنَزَلُوا يَنْتَظِرُونَهُمَا فَأَصْبَحُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ حَبَسْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَلَمَّا صَلَّوْا جَاءَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ إلَى مِضْرَبِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَجَعَلَ يَقُولُ مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَا عَائِشَةُ مَا نَزَلَ بِك أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرَجًا .
وَالسُّنَّةُ مَا رُوِيَ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَيَمَّمَتْ وَصَلَّيْتُ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ يَنْتَظِرُ مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُو ذَلِكَ لَا يُؤَخِّرْ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ ; لِأَنَّ الِانْتِظَارَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ إذَا كَانَ مُفِيدًا ، فَإِذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ فَالِانْتِظَارُ مُفِيدٌ لَعَلَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فَيُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الْمَاءِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ .
فتح القدير
اقرأ →
121 بَابُ التَّيَمُّمِ ( وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَهُوَ مُسَافِرٌ 122 أَوْ خَارِجَ الْمِصْرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ نَحْوُ مِيلٍ أَوْ أَكْثَرَ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ ) قَوْله تَعَالَى { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ } وَالْمِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمِقْدَارِ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِدُخُولِ الْمِصْرِ ، 123 وَالْمَاءُ مَعْدُومٌ حَقِيقَةً وَالْمُعْتَبَرُ الْمَسَافَةُ دُونَ خَوْفِ الْفَوْتِ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ ( وَلَوْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ إلَّا أَنَّهُ مَرِيضٌ يَخَافُ إنْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ 124 يَتَيَمَّمُ ) لِمَا تَلَوْنَا ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي زِيَادَةِ الْمَرَضِ فَوْقَ الضَّرَرِ فِي زِيَادَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ ، وَذَلِكَ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ فَهَذَا أَوْلَى . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ . وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ خَوْفَ التَّلَفِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
229 بَابُ التَّيَمُّمِ ثَلَّثَ بِهِ تَأَسِّيًا بِالْكِتَابِ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِلَا ارْتِيَابٍ . ( هُوَ ) لُغَةً : الْقَصْدُ . وَشَرْعًا ( قَصْدُ صَعِيدٍ ) شُرِطَ الْقَصْدُ ; لِأَنَّهُ النِّيَّةُ ( مُطَهَّرٌ ) خَرَجَ الْأَرْضُ الْمُتَنَجِّسَةُ إذَا جَفَّتْ فَإِنَّهَا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ( وَاسْتِعْمَالُهُ ) 230 حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَعُمَّ التَّيَمُّمَ بِالْحَجَرِ الْأَمْلَسِ ( بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الضَّرْبَتَيْنِ رُكْنٌ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْأَحْوَطُ ( لِ ) أَجْلِ ( إقَامَةِ الْقُرْبَةِ ) خَرَجَ التَّيَمُّمُ لِلتَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى بِهِ . وَرُكْنُهُ شَيْئَانِ : الضَّرْبَتَانِ ، وَالِاسْتِيعَابُ . وَشَرْطُهُ سِتَّةٌ : النِّيَّةُ ، وَالْمَسْحُ ، وَكَوْنُهُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ فَأَكْثَرَ ، وَالصَّعِيدُ ، وَكَوْنُهُ مُطَهِّرًا ، وَفَقْدُ الْمَاءِ .
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
( قَوْلُهُ : فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا ) وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ قَالَ وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الزَّاهِدِيِّ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْمَنْبَعِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْإِيمَاءِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَتَبِعَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَفِي الْمِفْتَاحِ أَوْمَأَ الْقَائِمُ أَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ الْقَاعِدُ جَازَ . ا هـ .
قُلْتُ : وَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَنْعُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ وَالْأَصْلِ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْبَحْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّهْرِ بَعْدُ كَمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ تَنَبَّهْ .
وَالْحَاصِلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ صَلَاتِهِ بِهِ قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِئًا ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا مُومِئًا وَالْأَفْضَلِيَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ . ( قَوْلُهُ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّابِعُ دُونَ الثَّالِثِ فِي الْفَضْلِ ) مُرَادُهُ بِالرَّابِعِ الْإِيمَاءُ قَائِمًا وَبِالثَّالِثِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَسَمَّاهُ رَابِعًا ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ نَقْلِ عِبَارَةِ مُلْتَقَى الْبِحَارِ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلًا وَلِيُشِيرَ إلَى مَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ نَعَمْ عِبَارَةُ الْمُلْتَقَى تُفِيدُ صُورَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَهِيَ صَلَاتُهُ 289 عُرْيَانًا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ مَرْتَبَتَهَا فِي الْفَضِيلَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَوْقَ الْقِيَامِ عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ; لِأَنَّ السِّتْرَ فِيهَا أَبْلَغُ تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : وَفِي الْأَسْرَارِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ ) نَظَرَ فِيهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَرَاجِعْهُ . ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جِلْدَ مَيْتَةٍ إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ الْعَارِضَةِ لَا الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ السِّتْرُ بِذَلِكَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي كَوْنِ نَجَاسَةِ جِلْدَ الْمَيْتَةِ أَصْلِيَّةً نَظَرٌ بَلْ هِيَ عَارِضَةٌ بِالْمَوْتِ تَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ : لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَحَرُّكِ الطَّرَفِ فِي الْآخَرِ هُنَا إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ رُبْعًا تَحَتَّمَ لُبْسُهُ سَوَاءٌ تَحَرَّكَ أَوْ لَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ خُيِّرَ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَا عَلِمْت نَعَمْ الْمُنَاسِبُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى قَوْلِهِ . ( قَوْلُهُ : قِيَاسًا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ فِي آخِرِهِ ) أَقُولُ : تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ وُعِدَ بِالْمَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِظَارُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي قِيَاسُ الثَّوْبِ عَلَيْهِ إذْ هُوَ أَقْرَبُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ الظَّاهِرُ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ ، فَإِنَّ فِيهِ قِيَاسَ الْمَوْعُودِ عَلَى الْمَوْعُودِ تَأَمَّلْ 290
( قَوْلُهُ : وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَخْ ) وَاخْتَارَ تَقْيِيدَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِمَا إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ ( قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ ) ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَشَهِّدِ تَبْدُو عَوْرَتُهُ الْغَلِيظَةُ حَالَةَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَكْثَرَ مِمَّا إذَا جَلَسَ وَمَقْعَدَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ مَادًّا رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ إلَّا انْكِشَافٌ يَسِيرٌ حَالَةَ الْإِيمَاءِ وَفِي مَدِّ رِجْلَيْهِ زِيَادَةُ سِتْرٍ عَلَى مَا إذَا جَلَسَ مُتَرَبِّعًا وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرَانِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّتْرِ فِيهِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا قُلْتُ : وَعَلَيْهِ مَشَى الزَّيْلَعِيُّ وَكَذَا فِي السِّرَاجِ وَالدُّرَرِ فَتَدَبَّرْ . ( قَوْلُهُ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلَخْ ) يُوَافِقُهُ مَا مَرَّ عَنْ ظَاهِرِ الْهِدَايَةِ فِي الْمَقُولَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا أَقُولُ : وَهَذَا الْبَحْثُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ .
( قَوْلُهُ : قِيلَ يَسْتُرُ الدُّبُرَ ; لِأَنَّهُ أَفْحَشُ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ تَعَيَّنَ سِتْرُ الْقُبُلِ . ( قَوْلُهُ : وَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا إلَخْ ) وَافَقَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ يُمْكِنُ تَأْيِيدُ الْإِطْلَاقِ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَمَّا كَانَتْ لَا تَسْقُطُ وَلَا بِعُذْرٍ كَمَا سَبَقَ جَرَى فِيهَا التَّفْصِيلُ لِأَهَمِّيَّتِهَا بِخِلَافِ سِتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ كَمَا تَرَى فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ .
وَفِيهِ بَحْثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي السُّقُوطِ بِالْعُذْرِ فَاضْمَحَلَّ الْفَرْقُ .
( قَوْلُهُ : هَلْ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ كَالْمَاءِ إلَخْ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِ هَلْ فَمُقْتَضَى النُّسْخَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْضًا وَلَكِنْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ نَقْلَ مَسْأَلَةٍ عَنْ السِّرَاجِ وَأَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ النَّهْرِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى شِرَاءِ الْمَاءِ . ا هـ .
وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ ثُمَّ رَأَيْت فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ جَزَمَ بِأَنَّ الثَّوْبَ كَالْمَاءِ
قُلْتُ : وَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَنْعُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ وَالْأَصْلِ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْبَحْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّهْرِ بَعْدُ كَمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ تَنَبَّهْ .
وَالْحَاصِلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ صَلَاتِهِ بِهِ قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِئًا ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا مُومِئًا وَالْأَفْضَلِيَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ . ( قَوْلُهُ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّابِعُ دُونَ الثَّالِثِ فِي الْفَضْلِ ) مُرَادُهُ بِالرَّابِعِ الْإِيمَاءُ قَائِمًا وَبِالثَّالِثِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَسَمَّاهُ رَابِعًا ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ نَقْلِ عِبَارَةِ مُلْتَقَى الْبِحَارِ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلًا وَلِيُشِيرَ إلَى مَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ نَعَمْ عِبَارَةُ الْمُلْتَقَى تُفِيدُ صُورَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَهِيَ صَلَاتُهُ 289 عُرْيَانًا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ مَرْتَبَتَهَا فِي الْفَضِيلَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَوْقَ الْقِيَامِ عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ; لِأَنَّ السِّتْرَ فِيهَا أَبْلَغُ تَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : وَفِي الْأَسْرَارِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ ) نَظَرَ فِيهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَرَاجِعْهُ . ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جِلْدَ مَيْتَةٍ إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ الْعَارِضَةِ لَا الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ السِّتْرُ بِذَلِكَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي كَوْنِ نَجَاسَةِ جِلْدَ الْمَيْتَةِ أَصْلِيَّةً نَظَرٌ بَلْ هِيَ عَارِضَةٌ بِالْمَوْتِ تَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ : لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَحَرُّكِ الطَّرَفِ فِي الْآخَرِ هُنَا إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ رُبْعًا تَحَتَّمَ لُبْسُهُ سَوَاءٌ تَحَرَّكَ أَوْ لَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ خُيِّرَ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَا عَلِمْت نَعَمْ الْمُنَاسِبُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى قَوْلِهِ . ( قَوْلُهُ : قِيَاسًا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ فِي آخِرِهِ ) أَقُولُ : تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ وُعِدَ بِالْمَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِظَارُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي قِيَاسُ الثَّوْبِ عَلَيْهِ إذْ هُوَ أَقْرَبُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ الظَّاهِرُ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ ، فَإِنَّ فِيهِ قِيَاسَ الْمَوْعُودِ عَلَى الْمَوْعُودِ تَأَمَّلْ 290
( قَوْلُهُ : وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَخْ ) وَاخْتَارَ تَقْيِيدَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِمَا إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ ( قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ ) ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَشَهِّدِ تَبْدُو عَوْرَتُهُ الْغَلِيظَةُ حَالَةَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَكْثَرَ مِمَّا إذَا جَلَسَ وَمَقْعَدَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ مَادًّا رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ إلَّا انْكِشَافٌ يَسِيرٌ حَالَةَ الْإِيمَاءِ وَفِي مَدِّ رِجْلَيْهِ زِيَادَةُ سِتْرٍ عَلَى مَا إذَا جَلَسَ مُتَرَبِّعًا وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرَانِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّتْرِ فِيهِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا قُلْتُ : وَعَلَيْهِ مَشَى الزَّيْلَعِيُّ وَكَذَا فِي السِّرَاجِ وَالدُّرَرِ فَتَدَبَّرْ . ( قَوْلُهُ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلَخْ ) يُوَافِقُهُ مَا مَرَّ عَنْ ظَاهِرِ الْهِدَايَةِ فِي الْمَقُولَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا أَقُولُ : وَهَذَا الْبَحْثُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ .
( قَوْلُهُ : قِيلَ يَسْتُرُ الدُّبُرَ ; لِأَنَّهُ أَفْحَشُ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ تَعَيَّنَ سِتْرُ الْقُبُلِ . ( قَوْلُهُ : وَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا إلَخْ ) وَافَقَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ يُمْكِنُ تَأْيِيدُ الْإِطْلَاقِ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَمَّا كَانَتْ لَا تَسْقُطُ وَلَا بِعُذْرٍ كَمَا سَبَقَ جَرَى فِيهَا التَّفْصِيلُ لِأَهَمِّيَّتِهَا بِخِلَافِ سِتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ كَمَا تَرَى فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ .
وَفِيهِ بَحْثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي السُّقُوطِ بِالْعُذْرِ فَاضْمَحَلَّ الْفَرْقُ .
( قَوْلُهُ : هَلْ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ كَالْمَاءِ إلَخْ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِ هَلْ فَمُقْتَضَى النُّسْخَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْضًا وَلَكِنْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ نَقْلَ مَسْأَلَةٍ عَنْ السِّرَاجِ وَأَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ النَّهْرِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى شِرَاءِ الْمَاءِ . ا هـ .
وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ ثُمَّ رَأَيْت فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ جَزَمَ بِأَنَّ الثَّوْبَ كَالْمَاءِ
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
27 بَابُ التَّيَمُّمِ
مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِبُعْدِهِ مِيلًا أَوْ لِمَرَضٍ ( ف ) أَوْ بَرْدٍ ( ف ) أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ عَطَشٍ أَوْ عَدَمِ آلَةٍ ، يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالْجِصِّ ( فس ) وَالْكُحْلِ ( فس ) ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الطَّهَارَةِ وَالنِّيَّةِ ( ز ) ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ . وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ فَيَنْفُضَهُمَا ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ يَضْرِبَهُمَا كَذَلِكَ ، وَيَمْسَحَ بِكُلِّ كَفٍّ ظَهْرَ ذِرَاعِ الْأُخْرَى وَبَاطِنَهَا مَعَ الْمِرْفَقِ ( ف ) وَالِاسْتِيعَابُ شَرْطٌ ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ ( ف ) وَقَبْلَ طَلَبِ الْمَاءِ ( ف ) ، - وَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ - ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يُعِدْ ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ تَوَضَّأَ ( ف ) وَاسْتَقْبَلَ ، وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ مَا شَاءَ ( ف ) مِنَ الصَّلَوَاتِ كَالْوُضُوءِ; وَيُسْتَحَبُّ تَأُخِيرُ الصَّلَاةِ لِمَنْ طَمِعَ فِي الْمَاءِ ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ ( ف ) بِالتَّيَمُّمِ إِذَا خَافَ فَوْتَهَا لَوْ تَوَضَّأَ ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ ( ف ) ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ ، وَلَا لِلْفَرْضِ إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ ، وَيَنْقُضُهُ نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالتَّيَمُّمِ وَنَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ لَمْ يُعِدْ ( فس ) ، وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مِنْ رَفِيقِهِ فَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ ، وَيَشْتَرِي الْمَاءَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمِ ، فَمَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ غَسَلَ بَدَنَهُ إِلَّا مَوْضِعَهَا ، وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا .
مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِبُعْدِهِ مِيلًا أَوْ لِمَرَضٍ ( ف ) أَوْ بَرْدٍ ( ف ) أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ عَطَشٍ أَوْ عَدَمِ آلَةٍ ، يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالْجِصِّ ( فس ) وَالْكُحْلِ ( فس ) ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الطَّهَارَةِ وَالنِّيَّةِ ( ز ) ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ . وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ فَيَنْفُضَهُمَا ثُمَّ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ يَضْرِبَهُمَا كَذَلِكَ ، وَيَمْسَحَ بِكُلِّ كَفٍّ ظَهْرَ ذِرَاعِ الْأُخْرَى وَبَاطِنَهَا مَعَ الْمِرْفَقِ ( ف ) وَالِاسْتِيعَابُ شَرْطٌ ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ ( ف ) وَقَبْلَ طَلَبِ الْمَاءِ ( ف ) ، - وَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ - ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يُعِدْ ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ تَوَضَّأَ ( ف ) وَاسْتَقْبَلَ ، وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ مَا شَاءَ ( ف ) مِنَ الصَّلَوَاتِ كَالْوُضُوءِ; وَيُسْتَحَبُّ تَأُخِيرُ الصَّلَاةِ لِمَنْ طَمِعَ فِي الْمَاءِ ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ ( ف ) بِالتَّيَمُّمِ إِذَا خَافَ فَوْتَهَا لَوْ تَوَضَّأَ ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ ( ف ) ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ ، وَلَا لِلْفَرْضِ إِذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ ، وَيَنْقُضُهُ نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالتَّيَمُّمِ وَنَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ لَمْ يُعِدْ ( فس ) ، وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مِنْ رَفِيقِهِ فَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ ، وَيَشْتَرِي الْمَاءَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمِ ، فَمَنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ غَسَلَ بَدَنَهُ إِلَّا مَوْضِعَهَا ، وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا .
الشافعية
المجموع شرح المهذب
اقرأ →
( الشَّرْحُ ) مَذْهَبُنَا أَنَّهَا لَا تُصَلِّي بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ مُؤَدَّاةً كَانَتْ أَوْ مَقْضِيَّةً ، وَأَمَّا الْمَنْذُورَةُ فَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ . 553 وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، قَالُوا : وَلَا يَصِحُّ ذِكْرُ الْوُضُوءِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَإِذَا بَطُلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ تَعَيَّنَ الِاحْتِجَاجُ بِغَيْرِهِ فَيُقَالُ : مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ مِنْ الْفَرْجِ خَالَفْنَا ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ الْوَاحِدَةِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى مُقْتَضَاهُ ، وَتَسْتَبِيحُ مَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ بِطَهَارَةٍ مُفْرَدَةٍ ، وَتَسْتَبِيحُ مَا شَاءَتْ مِنْهَا بِطَهَارَةِ الْفَرِيضَةِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ فِي اسْتِبَاحَتِهَا النَّافِلَةَ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي صِحَّةِ اسْتِبَاحَةِ الْمَعْضُوبِ وَالْمَيِّتِ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ ، وَحَكَوْا مِثْلَهُمَا وَجْهَيْنِ فِي اسْتِبَاحَةِ النَّافِلَةِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ فِي كُلِّ ذَلِكَ . وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ هَذَا بَيَانُ مَذْهَبِنَا ، وَمِمَّنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ بِوُضُوئِهَا أَكْثَرُ مِنْ فَرِيضَةٍ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : طَهَارَتُهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْوَقْتِ فَتُصَلِّي مَا شَاءَتْ مِنْ الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةِ فِي الْوَقْتِ فَإِذَا خَرَجَ بَطُلَتْ طَهَارَتُهَا . وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَدَاوُد : دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ لَيْسَ بِحَدَثٍ فَإِذَا تَطَهَّرَتْ صَلَّتْ مَا شَاءَتْ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ إلَى أَنْ تُحْدِثَ بِغَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ . وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ فَرَائِضَ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ : " { الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ } " وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) مَذْهَبُنَا أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ الْوُضُوءُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي وَقْتِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا وَاحِدًا وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا قَالَا : تَغْتَسِلُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى الظُّهْرِ دَائِمًا ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ فَلَا يَجِبُ إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ 554 فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي } " وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْغُسْلِ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَمَنْ قَبْلَهُ ضَعْفَهَا ، وَإِنَّمَا صَحَّ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اسْتَحَاضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي } " فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالَ : وَلَا أَشُكُّ أَنَّ غُسْلَهَا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَا أُمِرَتْ بِهِ وَذَلِكَ وَاسِعٌ لَهَا ، هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَذَا قَالَهُ شَيْخُهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا : إذَا تَوَضَّأَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ ارْتَفَعَ حَدَثُهَا السَّابِقُ وَلَمْ يَرْتَفِعْ الْمُسْتَقْبَلُ وَلَا الْمُقَارَنُ وَلَكِنْ تَصِحُّ صَلَاتُهَا وَطَوَافُهَا وَنَحْوُهُمَا مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ لِلضَّرُورَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ ، وَنَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ هَذَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ . وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ أَنَّ الْقَفَّالَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالُوا : فِي ارْتِفَاعِ حَدَثِهَا بِالْوُضُوءِ قَوْلَانِ ، وَأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَالشَّاشِيَّ قَالَا : هَذَا غَلَطٌ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ ، قَالَا : وَيَسْتَحِيلُ ارْتِفَاعُ حَدَثِهَا مَعَ مُقَارَنَتِهِ لِلطَّهَارَةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا الْمُسْتَقْبَلُ وَفِي ارْتِفَاعِ الْمَاضِي وَجْهَانِ وَالْمُقَارَنُ لَيْسَ بِحَدَثٍ ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ : ( أَشْهُرُهَا ) : يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا الْمَاضِي دُونَ الْمُقَارَنِ وَالْمُسْتَقْبَلِ ، ( وَالثَّانِي ) فِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ ، ( وَالثَّالِثُ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ دَلِيلًا : لَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ مِنْ حَدَثِهَا لَكِنْ تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مَعَ الْحَدَثِ لِلضَّرُورَةِ ، وَفِي كَيْفِيَّةِ نِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ أَوْجُهٌ سَبَقَتْ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ ( أَصَحُّهَا ) : تَجِبُ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ وَلَا تُجْزِئُ .
( وَالثَّانِي ) يَكْفِيهَا نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
( فَرْعٌ ) مَذْهَبُنَا أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ الْوُضُوءُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي وَقْتِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا وَاحِدًا وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا قَالَا : تَغْتَسِلُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى الظُّهْرِ دَائِمًا ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ فَلَا يَجِبُ إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ 554 فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي } " وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْغُسْلِ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَمَنْ قَبْلَهُ ضَعْفَهَا ، وَإِنَّمَا صَحَّ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اسْتَحَاضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي } " فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالَ : وَلَا أَشُكُّ أَنَّ غُسْلَهَا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَا أُمِرَتْ بِهِ وَذَلِكَ وَاسِعٌ لَهَا ، هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَذَا قَالَهُ شَيْخُهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا : إذَا تَوَضَّأَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ ارْتَفَعَ حَدَثُهَا السَّابِقُ وَلَمْ يَرْتَفِعْ الْمُسْتَقْبَلُ وَلَا الْمُقَارَنُ وَلَكِنْ تَصِحُّ صَلَاتُهَا وَطَوَافُهَا وَنَحْوُهُمَا مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ لِلضَّرُورَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ ، وَنَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ هَذَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ . وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ أَنَّ الْقَفَّالَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالُوا : فِي ارْتِفَاعِ حَدَثِهَا بِالْوُضُوءِ قَوْلَانِ ، وَأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَالشَّاشِيَّ قَالَا : هَذَا غَلَطٌ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ ، قَالَا : وَيَسْتَحِيلُ ارْتِفَاعُ حَدَثِهَا مَعَ مُقَارَنَتِهِ لِلطَّهَارَةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا الْمُسْتَقْبَلُ وَفِي ارْتِفَاعِ الْمَاضِي وَجْهَانِ وَالْمُقَارَنُ لَيْسَ بِحَدَثٍ ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ : ( أَشْهُرُهَا ) : يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا الْمَاضِي دُونَ الْمُقَارَنِ وَالْمُسْتَقْبَلِ ، ( وَالثَّانِي ) فِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ ، ( وَالثَّالِثُ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ دَلِيلًا : لَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ مِنْ حَدَثِهَا لَكِنْ تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مَعَ الْحَدَثِ لِلضَّرُورَةِ ، وَفِي كَيْفِيَّةِ نِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ أَوْجُهٌ سَبَقَتْ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ ( أَصَحُّهَا ) : تَجِبُ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ وَلَا تُجْزِئُ .
( وَالثَّانِي ) يَكْفِيهَا نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
( بَابُ التَّيَمُّمِ ) هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ وَشَرْعًا إيصَالُ التُّرَابِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَرَائِطَ
تَأْتِي وَهُوَ رُخْصَةٌ مُطْلَقًا وَصِحَّتُهُ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ لِكَوْنِهِ آلَةَ الرُّخْصَةِ لَا الْمُجَوِّزَ لَهَا وَالْمُمْتَنِعُ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ سَبَبِهَا الْمُجَوِّزِ لَهَا مَعْصِيَةً ، وَمِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا وَفُرِضَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ 325 ( يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ ) إجْمَاعًا ( وَالْجُنُبُ ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَأْمُورُ بِغُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ مَسْنُونٍ ، وَكَذَا الْمَيِّتُ وَخَصَّ الْأَوَّلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ النَّصِّ وَأَغْلَبُ مِنْ الْبَقِيَّةِ ( لِأَسْبَابٍ ) وَيَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ( تَنْبِيهٌ )
جَعْلُهُ هَذِهِ أَسْبَابًا نَظَرَ فِيهِ لِلظَّاهِرِ أَنَّهَا الْمُبِيحَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُبِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ سَبَبٌ وَاحِدٌ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا وَتِلْكَ أَسْبَابٌ لِهَذَا الْعَجْزِ قِيلَ لَوْ قَالَ لِأَحَدِ أَسْبَابٍ كَانَ أَوْلَى وَيَرِدُ بِوُضُوحِ الْمُرَادِ جِدًّا فَلَا أَوْلَوِيَّةَ ( أَحَدُهَا فَقْدُ الْمَاءِ ) حِسًّا كَأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ فَالْمُرَادُ بِالْحِسِّيِّ مَا تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُهُ حِسًّا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ فِي رَاكِبِ بَحْرٍ خَافَ مِنْ الِاسْتِقَاءِ مِنْهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْفَقْدِ هُنَا حِسِّيًّا صِحَّةُ تَيَمُّمِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حِسًّا لَمْ يَكُنْ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ عَلَى التَّوْبَةِ فَائِدَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَانِعُهُ شَرْعِيًّا كَعَطَشٍ أَوْ مَرَضٍ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ لَا يَتَيَمَّمُ لِلْعَطَشِ عَاصٍ بِسَفَرِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ اتِّفَاقًا ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ وَخَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ وَوَاجِدٌ لِلْمَاءِ انْتَهَتْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } .
تَأْتِي وَهُوَ رُخْصَةٌ مُطْلَقًا وَصِحَّتُهُ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ لِكَوْنِهِ آلَةَ الرُّخْصَةِ لَا الْمُجَوِّزَ لَهَا وَالْمُمْتَنِعُ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ سَبَبِهَا الْمُجَوِّزِ لَهَا مَعْصِيَةً ، وَمِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا وَفُرِضَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ 325 ( يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ ) إجْمَاعًا ( وَالْجُنُبُ ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَأْمُورُ بِغُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ مَسْنُونٍ ، وَكَذَا الْمَيِّتُ وَخَصَّ الْأَوَّلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ النَّصِّ وَأَغْلَبُ مِنْ الْبَقِيَّةِ ( لِأَسْبَابٍ ) وَيَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ( تَنْبِيهٌ )
جَعْلُهُ هَذِهِ أَسْبَابًا نَظَرَ فِيهِ لِلظَّاهِرِ أَنَّهَا الْمُبِيحَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُبِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ سَبَبٌ وَاحِدٌ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا وَتِلْكَ أَسْبَابٌ لِهَذَا الْعَجْزِ قِيلَ لَوْ قَالَ لِأَحَدِ أَسْبَابٍ كَانَ أَوْلَى وَيَرِدُ بِوُضُوحِ الْمُرَادِ جِدًّا فَلَا أَوْلَوِيَّةَ ( أَحَدُهَا فَقْدُ الْمَاءِ ) حِسًّا كَأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ فَالْمُرَادُ بِالْحِسِّيِّ مَا تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُهُ حِسًّا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ فِي رَاكِبِ بَحْرٍ خَافَ مِنْ الِاسْتِقَاءِ مِنْهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْفَقْدِ هُنَا حِسِّيًّا صِحَّةُ تَيَمُّمِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حِسًّا لَمْ يَكُنْ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ عَلَى التَّوْبَةِ فَائِدَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَانِعُهُ شَرْعِيًّا كَعَطَشٍ أَوْ مَرَضٍ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ لَا يَتَيَمَّمُ لِلْعَطَشِ عَاصٍ بِسَفَرِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ اتِّفَاقًا ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ وَخَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ وَوَاجِدٌ لِلْمَاءِ انْتَهَتْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } .
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
حاشية الشبراملسي
( قَوْلُهُ : كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ ) هَلْ شَرْطُ هَذَا عِلْمُ الْمَأْمُومِ بِحَالِهِ حَالَ الِاقْتِدَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَنَسِيَ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مُطْلَقًا إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ صَحَّتْ ، وَلَا قَضَاءَ ; لِأَنَّ هَذَا الْإِمَامَ مُحْدِثٌ ، وَتَبَيُّنُ حَدَثِ الْإِمَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ وَلَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَمَا سَيَأْتِي ، أَوْ لَا فَرْقَ هُنَا وَيَخُصُّ مَا سَيَأْتِي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيُفَرَّقُ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالتَّسْوِيَةُ قَرِيبَةٌ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فَرْقٌ وَاضِحٌ .
فَإِنْ قِيلَ عَلَى التَّسْوِيَةِ : هَلْ اكْتَفَى عَنْ هَذَا الْمِثَالِ بِمَسْأَلَةِ الْحَدَثِ الْآتِيَةِ ؟ قُلْنَا : يَفُوتُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ الْمُتَيَمَّمَ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ بَاقِيًا تَأَمَّلْ . ا هـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ .
وَقَوْلُهُ : وَالتَّسْوِيَةُ قَرِيبَةٌ : أَيْ فَلَا قَضَاءَ كَمَا لَوْ بَانَ حَدَثُ إمَامِهِ . وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فَرْقٌ وَاضِحٌ . أَقُولُ : قَدْ يُقَالُ الْفَرْقُ أَنَّ الْحَدَثَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يَخْفَى فَلَا يُنْسَبُ الْمَأْمُومُ مَعَهُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ مِمَّا يَغْلِبُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِينَ فَيُنْسَبُ الْمَأْمُومُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِحَالِ الْإِمَامِ ، هَذَا وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مَا يُصَرِّحُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْدِثِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ : وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ .
وَأُجِيبَ عَنْ الْخَبَرِ : أَيْ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَيْثُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَقَدْ تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ وَلَا أَصْحَابَهُ بِالْقَضَاءِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ; لِأَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ ، وَبِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَيُحْتَمَلُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِمْ الْحُكْمَ أَوْ جَهْلُهُمْ بِحَالِهِ وَقْتَ الْقُدْوَةِ بِهِ . ( قَوْلُهُ : مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ) أَيْ لَمَّا تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ( قَوْلُهُ : وَلِجَوَازِ كَوْنِهِمْ كَانُوا عَالِمِينَ ) أَيْ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ اقْتَدَى بِمَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ، وَاقْتِدَاؤُهُمْ بِعَمْرٍو إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ حَالَ الِاقْتِدَاءِ
( قَوْلُهُ : كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ ) هَلْ شَرْطُ هَذَا عِلْمُ الْمَأْمُومِ بِحَالِهِ حَالَ الِاقْتِدَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَنَسِيَ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مُطْلَقًا إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ صَحَّتْ ، وَلَا قَضَاءَ ; لِأَنَّ هَذَا الْإِمَامَ مُحْدِثٌ ، وَتَبَيُّنُ حَدَثِ الْإِمَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ وَلَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَمَا سَيَأْتِي ، أَوْ لَا فَرْقَ هُنَا وَيَخُصُّ مَا سَيَأْتِي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيُفَرَّقُ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالتَّسْوِيَةُ قَرِيبَةٌ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فَرْقٌ وَاضِحٌ .
فَإِنْ قِيلَ عَلَى التَّسْوِيَةِ : هَلْ اكْتَفَى عَنْ هَذَا الْمِثَالِ بِمَسْأَلَةِ الْحَدَثِ الْآتِيَةِ ؟ قُلْنَا : يَفُوتُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ الْمُتَيَمَّمَ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ بَاقِيًا تَأَمَّلْ . ا هـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ .
وَقَوْلُهُ : وَالتَّسْوِيَةُ قَرِيبَةٌ : أَيْ فَلَا قَضَاءَ كَمَا لَوْ بَانَ حَدَثُ إمَامِهِ . وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فَرْقٌ وَاضِحٌ . أَقُولُ : قَدْ يُقَالُ الْفَرْقُ أَنَّ الْحَدَثَ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يَخْفَى فَلَا يُنْسَبُ الْمَأْمُومُ مَعَهُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ مِمَّا يَغْلِبُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِينَ فَيُنْسَبُ الْمَأْمُومُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِحَالِ الْإِمَامِ ، هَذَا وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مَا يُصَرِّحُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْدِثِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ : وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ .
وَأُجِيبَ عَنْ الْخَبَرِ : أَيْ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَيْثُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَقَدْ تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ وَلَا أَصْحَابَهُ بِالْقَضَاءِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ; لِأَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ ، وَبِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَيُحْتَمَلُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِمْ الْحُكْمَ أَوْ جَهْلُهُمْ بِحَالِهِ وَقْتَ الْقُدْوَةِ بِهِ . ( قَوْلُهُ : مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ) أَيْ لَمَّا تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ( قَوْلُهُ : وَلِجَوَازِ كَوْنِهِمْ كَانُوا عَالِمِينَ ) أَيْ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ اقْتَدَى بِمَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ، وَاقْتِدَاؤُهُمْ بِعَمْرٍو إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ حَالَ الِاقْتِدَاءِ
الأم
اقرأ →
باب التيمم
الأم
اقرأ →
باب التيمم
الأم
اقرأ →
باب التيمم
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
233 بَابُ التَّيَمُّمِ
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [ النِّسَاءِ : 43 ] . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ( قَالَ ) وَمَعْقُولٌ إِذَا كَانَ بَدَلًا مِنَ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أَنْ يُؤْتَى بِالتَّيَمُّمِ عَلَى مَا يُؤْتَى بِالْوُضُوءِ عَلَيْهِ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : " ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَالْأَصْلُ فِي التَّيَمُّمِ وَبَيَانِ حُكْمِهِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي طَلَبِهَا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ وَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَصْنَعَانِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ : فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُصَيْنٍ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَمَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ مِنْهُ مَخْرَجًا وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا : فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ فَرْضِ التَّيَمُّمِ ، فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَسُورَةِ الْمَائِدَةِ ، فَقَالَ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ .
وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [ الْبَقَرَةِ : 267 ، ] أَيْ : وَلَا تَقْصِدُوا ، وَقَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ مَهْمَةٍ ذِي شَزَنِ ﴿﴾ وَقَالَ آخَرُ :
﴿﴾ وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ﴿﴾ ﴿﴾ أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي ﴿﴾ 234 فَصَارَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَتَيَمَّمُوا أَيِ اقْصُدُوا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ فَأَتُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، فَأَمَّا الصَّعِيدُ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا تَصَاعَدَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ اسْمٌ لِلتُّرَابِ وَحْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ طَيِّبًا فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَعْنِي حَلَالًا ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ .
وَالثَّانِي : يَعْنِي طَاهِرًا ، وَهُوَ أَشْبَهُ ، ثُمَّ قَالَ : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فَاقْتَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، دُونَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ، لِأَنَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِالتُّرَابِ مُضَاهَاةً لِأَرْبَابِ الْمَصَائِبِ وَالرِّجْلَانِ لَا يَخْلُو التُّرَابُ مِنْهُمَا فِي السَّفَرِ غَالِبًا .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [ النِّسَاءِ : 43 ] . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ( قَالَ ) وَمَعْقُولٌ إِذَا كَانَ بَدَلًا مِنَ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أَنْ يُؤْتَى بِالتَّيَمُّمِ عَلَى مَا يُؤْتَى بِالْوُضُوءِ عَلَيْهِ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : " ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَالْأَصْلُ فِي التَّيَمُّمِ وَبَيَانِ حُكْمِهِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي طَلَبِهَا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ وَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَصْنَعَانِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ : فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُصَيْنٍ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَمَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ مِنْهُ مَخْرَجًا وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا : فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ فَرْضِ التَّيَمُّمِ ، فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَسُورَةِ الْمَائِدَةِ ، فَقَالَ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ .
وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [ الْبَقَرَةِ : 267 ، ] أَيْ : وَلَا تَقْصِدُوا ، وَقَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ مَهْمَةٍ ذِي شَزَنِ ﴿﴾ وَقَالَ آخَرُ :
﴿﴾ وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ﴿﴾ ﴿﴾ أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي ﴿﴾ 234 فَصَارَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَتَيَمَّمُوا أَيِ اقْصُدُوا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ فَأَتُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، فَأَمَّا الصَّعِيدُ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا تَصَاعَدَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ اسْمٌ لِلتُّرَابِ وَحْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ طَيِّبًا فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَعْنِي حَلَالًا ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ .
وَالثَّانِي : يَعْنِي طَاهِرًا ، وَهُوَ أَشْبَهُ ، ثُمَّ قَالَ : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فَاقْتَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، دُونَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ، لِأَنَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِالتُّرَابِ مُضَاهَاةً لِأَرْبَابِ الْمَصَائِبِ وَالرِّجْلَانِ لَا يَخْلُو التُّرَابُ مِنْهُمَا فِي السَّفَرِ غَالِبًا .
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
92 كِتَابُ التَّيَمُّمِ
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ .
الْأَوَّلُ : فِيمَا يُبِيحُهُ . وَإِنَّمَا يُبَاحُ بِالْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِتَعَذُّرِهِ ، أَوْ بِعُسْرِهِ ، لِخَوْفِ ضَرَرٍ ظَاهِرٍ . وَأَسْبَابُ الْعَجْزِ سَبْعَةٌ .
أَحَدُهَا : فَقْدُ الْمَاءِ . وَلِلْمُسَافِرِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ .
أَحَدُهَا : أَنْ يَتَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ حَوْلَهُ ، كَبَعْضِ رِمَالِ الْبَوَادِي ، فَيَتَيَمَّمُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الْمَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ .
الثَّانِي : أَنْ يَجُوزَ وُجُودُهُ تَجْوِيزًا بَعِيدًا ، أَوْ قَرِيبًا ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الطَّلَبِ قَطْعًا . وَيُشْتَرَطُ فِي الطَّلَبِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ . وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ بِنَفْسِهِ ، وَيَكْفِيهِ طَلَبُ مَنْ أَذِنَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا يَكْفِيهِ طَلَبُ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ قَطْعًا . وَالطَّلَبُ : أَنْ يُفَتِّشَ رَحْلَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ ، نَظَرَ يَمِينًا ، وَشِمَالًا ، وَقُدَّامًا ، وَخَلْفًا ، إِنِ اسْتَوَى مَوْضِعُهُ ، وَيَخُصُّ مَوَاضِعَ الْخُضْرَةِ ، وَاجْتِمَاعَ الطَّيْرِ بِمَزِيدِ احْتِيَاطٍ . وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ الْمَوْضِعُ ، نُظِرَ ، إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ مَالِهِ ، لَوْ تَرَدَّدَ ، لَمْ يَجِبِ التَّرَدُّدُ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ، وَجَبَ التَّرَدُّدُ إِلَى حَدٍّ يَلْحَقُهُ غَوْثُ الرِّفَاقِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّشَاغُلِ بِشُغْلِهِمْ ، وَالتَّفَاوُضِ فِي أَقْوَالِهِمْ . وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاسْتِوَاءِ الْأَرْضِ وَاخْتِلَافِهَا صُعُودًا وَهُبُوطًا ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ رُفْقَةٌ ، وَجَبَ سُؤَالُهُمْ إِلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَهُمْ ، أَوْ يَضِيقَ الْوَقْتُ 93 فَلَا يَبْقَى إِلَّا مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي الْأَصَحِّ . وَفِي وَجْهٍ : إِلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُ رَكْعَةً . وَفِي وَجْهٍ : يَسْتَوْعِبُهُمْ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ .
قُلْتُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرُّفْقَةِ بِعَيْنِهِ ، بَلْ يُنَادِي فِيهِمْ : مَنْ مَعَهُ مَاءٌ ؟ مَنْ يَجُودُ بِالْمَاءِ ؟ وَنَحْوِهِ . حَتَّى قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ : لَوْ قَلَّتِ الرُّفْقَةُ ، لَمْ يَطْلُبْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَوْ بَعَثَ النَّازِلُونَ ثِقَةً يَطْلُبُ لَهُمْ ، كَفَاهُمْ كُلَّهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَتَى عَرَفَ مَعَهُمْ مَاءً ، وَجَبَ اسْتِيهَابُهُ عَلَى الْأَصَحِّ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ تَيَمُّمٌ وَطَلَبٌ . فَإِنْ سَبَقَ ، نَظَرَ ، إِنْ جَرَى أَمْرٌ يُحْتَمَلُ بِسَبَبِهِ حُصُولُ مَاءٍ ، بِأَنِ انْتَقَلَ مِنْ مَوْضِعِهِ ، أَوْ طَلَعَ رَكْبٌ ، أَوْ سَحَابَةٌ ، وَجَبَ الطَّلَبُ أَيْضًا . لَكِنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَيَقَّنَ بِالطَّلَبِ أَنْ لَا مَاءَ فِيهِ ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ حُدُوثَهُ فِيهِ ، لَمْ يَجِبِ الطَّلَبُ مِنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَإِنْ لَمْ يَجْرِ الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ ، نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَ تَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَ ظَنَّهُ ، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ ، لَكِنَّهُ أَخَفُّ طَلَبًا مِنَ الْأَوَّلِ . وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ تَخَلَّلَ بَيْنَ التَّيَمُّمَيْنِ زَمَنٌ طَوِيلٌ ، أَوْ قَصِيرٌ ، أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَتَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ . وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ .
الْأُولَى : أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةٍ يَنْتَشِرُ إِلَيْهَا النَّازِلُونَ لِلْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالرَّعْيِ ، فَيَجِبُ السَّعْيُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ . وَهَذَا فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ الَّذِي يَقْصِدُهُ عِنْدَ التَّوَهُّمِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : لَعَلَّهُ يَقْرُبُ مِنْ نِصْفِ فَرْسَخٍ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا ، بِحَيْثُ لَوْ سَعَى إِلَيْهِ فَاتَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ ، فَيَتَيَمَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ ، وَخَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَفِي ( التَّهْذِيبِ ) وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُعِيدُ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . ثُمَّ الْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ ، أَنَّ الِاعْتِبَارَ 94 فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ لَوْ كَانَ نَازِلًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ . وَلَا بَأْسَ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاقِيتِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَلَا بِاخْتِلَافِ الْمَسَافَةِ فِي السُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ . فَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِفَائِتَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ ، اعْتُبِرَ بِوَقْتِ الْفَرِيضَةِ الْحَاضِرَةِ ، وَعَلَى هَذَا لَوِ انْتَهَى إِلَى الْمَنْزِلِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ، وَالْمَاءُ فِي حَدِّ الْقُرْبِ ، وَجَبَ قَصْدُهُ وَالْوُضُوءُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي رَحْلِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ .
قُلْتُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ ، وَنَقَلَهُ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ ، مِنَ اعْتِبَارِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَيْسَ كَمَا قَالَهُ ، بَلِ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ : أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الطَّلَبِ . هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كُتُبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ وَالْمَهْجُورَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ( الْأُمِّ ) وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ وَعِبَارَتَهُمْ : وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَاءٍ ، وَلَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ ، وَلَا ضَرَرًا ، لَزِمَهُ طَلَبُهُ . هَذَا نَصُّهُ وَنَصُّهُمْ ، وَهُوَ صَرِيحٌ ، أَوْ كَالصَّرِيحِ فِيمَا قُلْتُهُ ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ ذَلِكَ وَأَتْقَنْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ ، فَيَزِيدُ عَلَى مَا يَنْتَشِرُ إِلَيْهِ النَّازِلُونَ ، وَيَقْصُرُ عَنْ خُرُوجِ الْوَقْتِ . فَهَلْ يَجِبُ قَصْدُهُ ، أَمْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ ؟ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْمَنْزِلِ أَوْ يَسَارِهِ ، وَجَبَ . وَإِنْ كَانَ صَوْبَ مَقْصِدِهِ ، لَمْ يَجِبْ ، فَقِيلَ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ ، وَقِيلَ : فِيهِمَا قَوْلَانِ . وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ التَّيَمُّمِ وَإِنْ عَلِمَ وُصُولَهُ إِلَى الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ . وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لِلسَّائِرِ إِلَى جِهَةِ الْمَاءِ ، فَالنَّازِلُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْلَى . وَالسَّائِرُ وَهُوَ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْلَى ، هَذَا فِي الْمُسَافِرِ . أَمَّا الْمُقِيمُ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ سَعَى إِلَى الْمَاءِ ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْقَضَاءِ . ثُمَّ إِذَا قُلْنَا فِي الْمُسَافِرِ بِالْمَذْهَبِ : وَهُوَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ مُطْلَقًا ، فَإِنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ ، فَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِيُؤَدِّيَهَا بِالْوُضُوءِ . وَفِي ( التَّتِمَّةِ ) وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّ تَقْدِيمَهَا بِالتَّيَمُّمِ أَفْضَلُ ، لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنِ الْمَاءَ ، وَلَكِنْ رَجَا ، فَقَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ . وَمَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ . أَمَّا إِذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ، 95 وَبِالْوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى آخِرَهُ ، فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي إِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ . وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ ، أَوْ تَسَاوَى احْتِمَالُ وَجُودِهِ وَعَدَمِهِ ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ قَطْعًا . وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ نَقْلُ الْقَوْلَيْنِ ، فِيمَا إِذَا لَمْ يَظُنَّ الْوُجُودَ . وَلَا وُثُوقَ بِهَذَا النَّقْلِ .
قُلْتُ : قَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَصَاحِبُ ( الْحَاوِي ) وَ ( الْمَحَامِلِيُّ ) وَآخَرُونَ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا تَسَاوَى الِاحْتِمَالُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا تَعْجِيلُ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ، وَتَأْخِيرُهَا لِانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ . قِيلَ : التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ ، وَقِيلَ : التَّأْخِيرُ ، وَقِيلَ : وَجْهَانِ .
قُلْتُ : قَطَعَ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ ، بِأَنَّ التَّأْخِيرَ لِلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ . وَمُعْظَمُ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، بِأَنَّ التَّقْدِيمَ مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هُوَ كَالتَّيَمُّمِ . فَإِنْ تَيَقَّنَ الْجَمَاعَةَ آخِرَ الْوَقْتِ ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ . وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهَا ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ . وَإِنْ رَجَاهَا ، فَقَوْلَانِ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَسَّطَ فَيُقَالُ : إِنْ فَحُشَ التَّأْخِيرُ ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ . وَإِنْ خَفَّ ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ . وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ ، إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاةٍ . فَأَمَّا إِذَا صَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ، وَآخِرَهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ ، وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) وَغَيْرِهِ .
قَالَ صَاحِبُ ( الْبَيَانِ ) : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْقَوْلَانِ فِي التَّيَمُّمِ ، يَجْرِيَانِ فِي مَرِيضٍ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ ، وَرَجَاهُ آخِرَ الْوَقْتِ ، أَوْ رَجَا الْعُرْيَانُ السُّتْرَةَ آخِرَهُ ، هَلِ الْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى حَالِهِمَا ، أَمِ التَّأْخِيرُ ؟ قَالَ : وَلَا يَتْرُكُ التَّرَخُّصَ بِالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ . وَإِنْ عَلِمَ إِقَامَتَهُ آخِرَ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ . قَالَ : قَالَ صَاحِبُ ( الْفُرُوعِ ) : إِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ ، فَإِدْرَاكُهَا أَوْلَى مِنَ الِانْحِبَاسِ ، لِإِكْمَالِهِ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
96 الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَاضِرًا ، بِأَنْ يَزْدَحِمَ مُسَافِرُونَ عَلَى بِئْرٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا إِلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ، لِضِيقِ الْمَوْقِفِ ، أَوِ اتِّحَادِ الْآلَةِ ، فَإِنْ تَوَقَّعَ حُصُولَ نَوْبَتِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ . وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، أَنَّهُ يَجِبُ الصَّبْرُ لِيَتَوَضَّأَ . وَنَصَّ فِي عُرَاةٍ مَعَهُمْ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَتَنَاوَبُونَهُ ، أَنَّهُ يَصْبِرُ لِيَسْتُرَ عَوْرَتَهُ ، وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ . وَنَصَّ فِي جَمَاعَةٍ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَائِمًا إِلَّا وَاحِدٌ ، أَنَّهُ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ قَاعِدًا ، إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَوْبَتَهُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ . وَهَذَا يُخَالِفُ النَّصَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ ، فَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ : أَنَّ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا : يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَعَارِيًا ، وَقَاعِدًا ، لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ . وَالثَّانِي : يَصْبِرُ ، لِلْقُدْرَةِ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ، فَيَصْبِرُ لِلْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ ، دُونَ الْقِيَامِ ، لِسُهُولَةِ أَمْرِهِ .
وَقَالَ كَثِيرُونَ : لَا نَصَّ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ ، وَنَصَّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ ، وَأَلْحَقُوا الْوُضُوءَ بِالْقِيَامِ لِحُصُولِ بَدَلِهِمَا . فَقَالُوا : يَتَيَمَّمُ فِي الْوَقْتِ وَيُصَلِّي . وَأَجْرَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَالْغَزَالِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا لَاحَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءُ ، وَلَا عَائِقَ دُونَهُ ، وَلَكِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِهِ ، فَاتَهُ الْوَقْتُ . وَهَذَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْخِلَافِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ، مِنَ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ هُنَاكَ .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ إِجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ . وَأَظْهَرُهُمَا : يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَعَارِيًا ، وَقَاعِدًا ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَفِي ( التَّهْذِيبِ ) فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ ، قَوْلَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
إِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ ، أَوِ الْمُحْدِثُ مَا لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ ، ثُمَّ يَجِبُ التَّيَمُّمُ بَعْدَهُ لِلْبَاقِي ، فَيَغْسِلُ الْمُحْدِثُ وَجْهَهُ ، ثُمَّ يَدَيْهِ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَيَغْسِلُ الْجُنُبُ مِنْ جَسَدِهِ مَا شَاءَ . وَالْأَوْلَى : أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ . فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا 97 جُنُبًا ، وَوَجَدَ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ وَحْدَهُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ : أَنَّهُ يُدْخِلُ الْأَصْغَرَ فِي الْأَكْبَرِ ، فَهُوَ كَالْجُنُبِ الْمَحْضِ . وَإِنْ قُلْنَا : لَا يُدْخِلُ ، تَوَضَّأَ بِهِ عَنِ الْأَصْغَرِ ، وَتَيَمَّمَ عَنِ الْجَنَابَةِ ، يُقَدِّمُ أَيُّهُمَا شَاءَ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا صَلَحَ الْمَوْجُودُ لِلْغُسْلِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُحْدِثُ إِلَّا ثَلْجًا ، أَوْ بَرَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِذَابَتِهِ ، لَمْ يَجِبِ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ . فَإِنْ أَوْجَبْنَا ، تَيَمَّمَ عَنِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلرِّجْلَيْنِ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَجَدَ تُرَابًا . فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُ النَّاقِصِ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ .
قُلْتُ : وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ . وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً ، وَوَجَدَ مَا يَشْتَرِي بِهِ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ ، فَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ . فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً ، وَلَا تُرَابًا ، فَفِي وُجُوبِ شِرَاءِ بَعْضِ مَا يَكْفِي مِنَ الْمَاءِ الطَّرِيقَانِ . وَلَوْ تَيَمَّمَ ، ثُمَّ رَأَى مَا لَا يَكْفِيهِ ، فَإِنِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، وَإِنْ عَلِمَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ ، أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اسْتِعْمَالِهِ . إِنْ أَوْجَبْنَاهُ ، بَطَلَ . وَإِلَّا فَلَا . وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَاتٌ ، وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بَعْضَهَا ، وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَلَوْ كَانَ جُنُبًا ، أَوْ مُحْدِثًا ، أَوْ حَائِضًا ، وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ ، وَوَجَدَ مَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا ، تَعَيَّنَ لِلنَّجَاسَةِ ، فَيَغْسِلُهَا ثُمَّ يَتَيَمَّمُ . فَلَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ غَسَلَهَا ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَبَقِيَتْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ ، اسْتَقْصَيْتُهَا فِي شَرْحَيِ ( الْمُهَذَّبِ ) وَ ( التَّنْبِيهِ ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ .
الْأَوَّلُ : فِيمَا يُبِيحُهُ . وَإِنَّمَا يُبَاحُ بِالْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِتَعَذُّرِهِ ، أَوْ بِعُسْرِهِ ، لِخَوْفِ ضَرَرٍ ظَاهِرٍ . وَأَسْبَابُ الْعَجْزِ سَبْعَةٌ .
أَحَدُهَا : فَقْدُ الْمَاءِ . وَلِلْمُسَافِرِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ .
أَحَدُهَا : أَنْ يَتَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ حَوْلَهُ ، كَبَعْضِ رِمَالِ الْبَوَادِي ، فَيَتَيَمَّمُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الْمَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ .
الثَّانِي : أَنْ يَجُوزَ وُجُودُهُ تَجْوِيزًا بَعِيدًا ، أَوْ قَرِيبًا ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الطَّلَبِ قَطْعًا . وَيُشْتَرَطُ فِي الطَّلَبِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ . وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ بِنَفْسِهِ ، وَيَكْفِيهِ طَلَبُ مَنْ أَذِنَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا يَكْفِيهِ طَلَبُ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ قَطْعًا . وَالطَّلَبُ : أَنْ يُفَتِّشَ رَحْلَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ ، نَظَرَ يَمِينًا ، وَشِمَالًا ، وَقُدَّامًا ، وَخَلْفًا ، إِنِ اسْتَوَى مَوْضِعُهُ ، وَيَخُصُّ مَوَاضِعَ الْخُضْرَةِ ، وَاجْتِمَاعَ الطَّيْرِ بِمَزِيدِ احْتِيَاطٍ . وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ الْمَوْضِعُ ، نُظِرَ ، إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ مَالِهِ ، لَوْ تَرَدَّدَ ، لَمْ يَجِبِ التَّرَدُّدُ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ، وَجَبَ التَّرَدُّدُ إِلَى حَدٍّ يَلْحَقُهُ غَوْثُ الرِّفَاقِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّشَاغُلِ بِشُغْلِهِمْ ، وَالتَّفَاوُضِ فِي أَقْوَالِهِمْ . وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاسْتِوَاءِ الْأَرْضِ وَاخْتِلَافِهَا صُعُودًا وَهُبُوطًا ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ رُفْقَةٌ ، وَجَبَ سُؤَالُهُمْ إِلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَهُمْ ، أَوْ يَضِيقَ الْوَقْتُ 93 فَلَا يَبْقَى إِلَّا مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي الْأَصَحِّ . وَفِي وَجْهٍ : إِلَى أَنْ يَبْقَى مَا يَسَعُ رَكْعَةً . وَفِي وَجْهٍ : يَسْتَوْعِبُهُمْ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ .
قُلْتُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرُّفْقَةِ بِعَيْنِهِ ، بَلْ يُنَادِي فِيهِمْ : مَنْ مَعَهُ مَاءٌ ؟ مَنْ يَجُودُ بِالْمَاءِ ؟ وَنَحْوِهِ . حَتَّى قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ : لَوْ قَلَّتِ الرُّفْقَةُ ، لَمْ يَطْلُبْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَوْ بَعَثَ النَّازِلُونَ ثِقَةً يَطْلُبُ لَهُمْ ، كَفَاهُمْ كُلَّهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَتَى عَرَفَ مَعَهُمْ مَاءً ، وَجَبَ اسْتِيهَابُهُ عَلَى الْأَصَحِّ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ تَيَمُّمٌ وَطَلَبٌ . فَإِنْ سَبَقَ ، نَظَرَ ، إِنْ جَرَى أَمْرٌ يُحْتَمَلُ بِسَبَبِهِ حُصُولُ مَاءٍ ، بِأَنِ انْتَقَلَ مِنْ مَوْضِعِهِ ، أَوْ طَلَعَ رَكْبٌ ، أَوْ سَحَابَةٌ ، وَجَبَ الطَّلَبُ أَيْضًا . لَكِنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَيَقَّنَ بِالطَّلَبِ أَنْ لَا مَاءَ فِيهِ ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ حُدُوثَهُ فِيهِ ، لَمْ يَجِبِ الطَّلَبُ مِنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَإِنْ لَمْ يَجْرِ الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ ، نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَ تَيَقَّنَ عَدَمَ الْمَاءِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَ ظَنَّهُ ، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ ، لَكِنَّهُ أَخَفُّ طَلَبًا مِنَ الْأَوَّلِ . وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ تَخَلَّلَ بَيْنَ التَّيَمُّمَيْنِ زَمَنٌ طَوِيلٌ ، أَوْ قَصِيرٌ ، أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَتَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ . وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ .
الْأُولَى : أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةٍ يَنْتَشِرُ إِلَيْهَا النَّازِلُونَ لِلْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالرَّعْيِ ، فَيَجِبُ السَّعْيُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ . وَهَذَا فَوْقَ حَدِّ الْغَوْثِ الَّذِي يَقْصِدُهُ عِنْدَ التَّوَهُّمِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : لَعَلَّهُ يَقْرُبُ مِنْ نِصْفِ فَرْسَخٍ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا ، بِحَيْثُ لَوْ سَعَى إِلَيْهِ فَاتَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ ، فَيَتَيَمَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ ، وَخَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَفِي ( التَّهْذِيبِ ) وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُعِيدُ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . ثُمَّ الْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ ، أَنَّ الِاعْتِبَارَ 94 فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ لَوْ كَانَ نَازِلًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ . وَلَا بَأْسَ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاقِيتِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَلَا بِاخْتِلَافِ الْمَسَافَةِ فِي السُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ . فَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِفَائِتَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ ، اعْتُبِرَ بِوَقْتِ الْفَرِيضَةِ الْحَاضِرَةِ ، وَعَلَى هَذَا لَوِ انْتَهَى إِلَى الْمَنْزِلِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ، وَالْمَاءُ فِي حَدِّ الْقُرْبِ ، وَجَبَ قَصْدُهُ وَالْوُضُوءُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي رَحْلِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ .
قُلْتُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ ، وَنَقَلَهُ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ ، مِنَ اعْتِبَارِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَيْسَ كَمَا قَالَهُ ، بَلِ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ : أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الطَّلَبِ . هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كُتُبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ وَالْمَهْجُورَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ( الْأُمِّ ) وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ وَعِبَارَتَهُمْ : وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَاءٍ ، وَلَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ ، وَلَا ضَرَرًا ، لَزِمَهُ طَلَبُهُ . هَذَا نَصُّهُ وَنَصُّهُمْ ، وَهُوَ صَرِيحٌ ، أَوْ كَالصَّرِيحِ فِيمَا قُلْتُهُ ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ ذَلِكَ وَأَتْقَنْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ ، فَيَزِيدُ عَلَى مَا يَنْتَشِرُ إِلَيْهِ النَّازِلُونَ ، وَيَقْصُرُ عَنْ خُرُوجِ الْوَقْتِ . فَهَلْ يَجِبُ قَصْدُهُ ، أَمْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ ؟ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْمَنْزِلِ أَوْ يَسَارِهِ ، وَجَبَ . وَإِنْ كَانَ صَوْبَ مَقْصِدِهِ ، لَمْ يَجِبْ ، فَقِيلَ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ ، وَقِيلَ : فِيهِمَا قَوْلَانِ . وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ التَّيَمُّمِ وَإِنْ عَلِمَ وُصُولَهُ إِلَى الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ . وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لِلسَّائِرِ إِلَى جِهَةِ الْمَاءِ ، فَالنَّازِلُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْلَى . وَالسَّائِرُ وَهُوَ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْلَى ، هَذَا فِي الْمُسَافِرِ . أَمَّا الْمُقِيمُ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ سَعَى إِلَى الْمَاءِ ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْقَضَاءِ . ثُمَّ إِذَا قُلْنَا فِي الْمُسَافِرِ بِالْمَذْهَبِ : وَهُوَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ مُطْلَقًا ، فَإِنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ ، فَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِيُؤَدِّيَهَا بِالْوُضُوءِ . وَفِي ( التَّتِمَّةِ ) وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّ تَقْدِيمَهَا بِالتَّيَمُّمِ أَفْضَلُ ، لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنِ الْمَاءَ ، وَلَكِنْ رَجَا ، فَقَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ . وَمَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ . أَمَّا إِذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ، 95 وَبِالْوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى آخِرَهُ ، فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي إِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ . وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ ، أَوْ تَسَاوَى احْتِمَالُ وَجُودِهِ وَعَدَمِهِ ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ قَطْعًا . وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ نَقْلُ الْقَوْلَيْنِ ، فِيمَا إِذَا لَمْ يَظُنَّ الْوُجُودَ . وَلَا وُثُوقَ بِهَذَا النَّقْلِ .
قُلْتُ : قَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَصَاحِبُ ( الْحَاوِي ) وَ ( الْمَحَامِلِيُّ ) وَآخَرُونَ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا تَسَاوَى الِاحْتِمَالُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا تَعْجِيلُ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ، وَتَأْخِيرُهَا لِانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ . قِيلَ : التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ ، وَقِيلَ : التَّأْخِيرُ ، وَقِيلَ : وَجْهَانِ .
قُلْتُ : قَطَعَ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ ، بِأَنَّ التَّأْخِيرَ لِلْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ . وَمُعْظَمُ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، بِأَنَّ التَّقْدِيمَ مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هُوَ كَالتَّيَمُّمِ . فَإِنْ تَيَقَّنَ الْجَمَاعَةَ آخِرَ الْوَقْتِ ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ . وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهَا ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ . وَإِنْ رَجَاهَا ، فَقَوْلَانِ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَسَّطَ فَيُقَالُ : إِنْ فَحُشَ التَّأْخِيرُ ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ . وَإِنْ خَفَّ ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ . وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ ، إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاةٍ . فَأَمَّا إِذَا صَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ، وَآخِرَهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ ، وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ ، فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) وَغَيْرِهِ .
قَالَ صَاحِبُ ( الْبَيَانِ ) : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْقَوْلَانِ فِي التَّيَمُّمِ ، يَجْرِيَانِ فِي مَرِيضٍ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ ، وَرَجَاهُ آخِرَ الْوَقْتِ ، أَوْ رَجَا الْعُرْيَانُ السُّتْرَةَ آخِرَهُ ، هَلِ الْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى حَالِهِمَا ، أَمِ التَّأْخِيرُ ؟ قَالَ : وَلَا يَتْرُكُ التَّرَخُّصَ بِالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ . وَإِنْ عَلِمَ إِقَامَتَهُ آخِرَ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ . قَالَ : قَالَ صَاحِبُ ( الْفُرُوعِ ) : إِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ ، فَإِدْرَاكُهَا أَوْلَى مِنَ الِانْحِبَاسِ ، لِإِكْمَالِهِ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
96 الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَاضِرًا ، بِأَنْ يَزْدَحِمَ مُسَافِرُونَ عَلَى بِئْرٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا إِلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ، لِضِيقِ الْمَوْقِفِ ، أَوِ اتِّحَادِ الْآلَةِ ، فَإِنْ تَوَقَّعَ حُصُولَ نَوْبَتِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ . وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، أَنَّهُ يَجِبُ الصَّبْرُ لِيَتَوَضَّأَ . وَنَصَّ فِي عُرَاةٍ مَعَهُمْ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَتَنَاوَبُونَهُ ، أَنَّهُ يَصْبِرُ لِيَسْتُرَ عَوْرَتَهُ ، وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ . وَنَصَّ فِي جَمَاعَةٍ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَائِمًا إِلَّا وَاحِدٌ ، أَنَّهُ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ قَاعِدًا ، إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَوْبَتَهُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ . وَهَذَا يُخَالِفُ النَّصَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ ، فَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ : أَنَّ فِي الْجَمِيعِ قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا : يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَعَارِيًا ، وَقَاعِدًا ، لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ . وَالثَّانِي : يَصْبِرُ ، لِلْقُدْرَةِ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ، فَيَصْبِرُ لِلْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ ، دُونَ الْقِيَامِ ، لِسُهُولَةِ أَمْرِهِ .
وَقَالَ كَثِيرُونَ : لَا نَصَّ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ ، وَنَصَّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ ، وَأَلْحَقُوا الْوُضُوءَ بِالْقِيَامِ لِحُصُولِ بَدَلِهِمَا . فَقَالُوا : يَتَيَمَّمُ فِي الْوَقْتِ وَيُصَلِّي . وَأَجْرَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَالْغَزَالِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا لَاحَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءُ ، وَلَا عَائِقَ دُونَهُ ، وَلَكِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِهِ ، فَاتَهُ الْوَقْتُ . وَهَذَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْخِلَافِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ، مِنَ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ هُنَاكَ .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ إِجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ . وَأَظْهَرُهُمَا : يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَعَارِيًا ، وَقَاعِدًا ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَفِي ( التَّهْذِيبِ ) فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ ، قَوْلَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
إِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ ، أَوِ الْمُحْدِثُ مَا لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ ، ثُمَّ يَجِبُ التَّيَمُّمُ بَعْدَهُ لِلْبَاقِي ، فَيَغْسِلُ الْمُحْدِثُ وَجْهَهُ ، ثُمَّ يَدَيْهِ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَيَغْسِلُ الْجُنُبُ مِنْ جَسَدِهِ مَا شَاءَ . وَالْأَوْلَى : أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ . فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا 97 جُنُبًا ، وَوَجَدَ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ وَحْدَهُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ : أَنَّهُ يُدْخِلُ الْأَصْغَرَ فِي الْأَكْبَرِ ، فَهُوَ كَالْجُنُبِ الْمَحْضِ . وَإِنْ قُلْنَا : لَا يُدْخِلُ ، تَوَضَّأَ بِهِ عَنِ الْأَصْغَرِ ، وَتَيَمَّمَ عَنِ الْجَنَابَةِ ، يُقَدِّمُ أَيُّهُمَا شَاءَ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا صَلَحَ الْمَوْجُودُ لِلْغُسْلِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُحْدِثُ إِلَّا ثَلْجًا ، أَوْ بَرَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِذَابَتِهِ ، لَمْ يَجِبِ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ . فَإِنْ أَوْجَبْنَا ، تَيَمَّمَ عَنِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلرِّجْلَيْنِ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَجَدَ تُرَابًا . فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُ النَّاقِصِ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ .
قُلْتُ : وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ . وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً ، وَوَجَدَ مَا يَشْتَرِي بِهِ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ ، فَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ . فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً ، وَلَا تُرَابًا ، فَفِي وُجُوبِ شِرَاءِ بَعْضِ مَا يَكْفِي مِنَ الْمَاءِ الطَّرِيقَانِ . وَلَوْ تَيَمَّمَ ، ثُمَّ رَأَى مَا لَا يَكْفِيهِ ، فَإِنِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، وَإِنْ عَلِمَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ ، أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اسْتِعْمَالِهِ . إِنْ أَوْجَبْنَاهُ ، بَطَلَ . وَإِلَّا فَلَا . وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَاتٌ ، وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بَعْضَهَا ، وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَلَوْ كَانَ جُنُبًا ، أَوْ مُحْدِثًا ، أَوْ حَائِضًا ، وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ ، وَوَجَدَ مَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا ، تَعَيَّنَ لِلنَّجَاسَةِ ، فَيَغْسِلُهَا ثُمَّ يَتَيَمَّمُ . فَلَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ غَسَلَهَا ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَبَقِيَتْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ ، اسْتَقْصَيْتُهَا فِي شَرْحَيِ ( الْمُهَذَّبِ ) وَ ( التَّنْبِيهِ ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
باب التيمم
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
باب التيمم
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
باب التيمم
الإنصاف
اقرأ →
قَوْلُهُ ( وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا ، إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ . وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ . وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ . وَقِيلَ : لَا يَلْزَمُهُ .
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا : لَوْ وُهِبَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ . وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا . وَقِيلَ : يَلْزَمُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ . الثَّانِيَةُ : يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُ السُّتْرَةِ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ ، وَالزِّيَادَةُ هُنَا عَلَى قِيمَةِ الْمِثْلِ مِثْلُ الزِّيَادَةِ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ .
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا : لَوْ وُهِبَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ . وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا . وَقِيلَ : يَلْزَمُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ . الثَّانِيَةُ : يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُ السُّتْرَةِ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ ، وَالزِّيَادَةُ هُنَا عَلَى قِيمَةِ الْمِثْلِ مِثْلُ الزِّيَادَةِ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ .
الفروع
اقرأ →
209 بَابُ التَّيَمُّمِ وَهُوَ بَدَلٌ مَشْرُوعٌ إجْمَاعًا لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ ( وَ ) وَقَالَ الشَّيْخُ فِيهِ : إنْ احْتَاجَ ، وَكَوَطْءِ حَائِضٍ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْوَاطِئِ جِرَاحٌ ( م ) أَوْ لَمْ يُصَلِّ بِهِ ابْتِدَاءً ( هـ ) وَقِيلَ يَحْرُمُ ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً ، وَصَحَّحَهَا ، ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ ، وَهَلْ يُكْرَهُ لِمَنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ ( و م ) فِيهِ رِوَايَتَانِ ( م 1 ) حَضَرًا وَسَفَرًا ( وَ ) وَقِيلَ مُبَاحًا طَوِيلًا لِعَادِمِ الْمَاءِ بِحَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ ( وَ ) وَعَنْهُ سَفَرًا ، فَعَلَى الْأُولَى يُعِيدُ عَلَى الْأَصَحِّ ( و م )
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
205 بَابُ التَّيَمُّمِ
وَهُوَ بَدَلٌ
وَهُوَ بَدَلٌ
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب التيمم
شرح عمدة الفقه
اقرأ →
379 فَصْلٌ
وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ ، كَمَا يَجُوزُ لِلْحَدَثِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ ؟ قَالَ : أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ . قَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَحَدِيثُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهِيَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ مَا لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ طَهَارَةٍ يُمْكِنُ إِبْقَاؤُهَا وَالتَّعَرُّضُ لِإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ ، وَحَمْلًا لِمَا جَاءَ مِنَ الرُّخْصَةِ عَلَى مَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْأَثَرِ ، وَقَدْ تَضَمَّنَ أَيْضًا جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ إِذَا عَدِمَ مَا يُزِيلُهَا وَخَشِيَ الضَّرَرَ بِإِزَالَتِهَا كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ ، فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ لَمْ يُجْزِئْهُ . قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَتَيَمَّمُ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَنَجَاسَةِ الِاسْتِحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ ؛ وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْجُنُبِ بِالْمَاءِ لَا تَتَعَدَّى مَحَلَّهَا فَأَنْ لَا تَتَعَدَّى طَهَارَةُ التُّرَابِ مَحَلَّهُ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ طَهَارَةَ التُّرَابِ تَعَبُّدٌ قَدْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهَا وَعَنِ التَّيَمُّمِ لَهَا ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ " وَهَذَا يَعُمُّ طَهَارَتَيِ الْحَدَثِ وَالْجُنُبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِقَوْلِهِ : " فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ " وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مِنَ الْبَدَنِ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ بِالْمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ بِالتُّرَابِ عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَوَاضِعِ الْحَدَثِ 380 وَبَدَنِ الْمَيِّتِ ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَإِنَّمَا يُبِيحُ فِعْلَ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، فَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ عَنِ الْجُنُبِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ يَجِبُ عَلَيْهَا غَسْلُ النَّجَاسَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى جُرْحٍ لَمْ يَجِبْ تَطْهِيرُهُ مِنَ الْحَدَثِ تَيَمَّمَ لَهَا ، خَاصَّةً إِنْ كَانَتْ عَلَى مَحَلِّ الْحَدَثِ ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا يَتَيَمَّمُ عَنِ الْحَدَثِ وَالْجُنُبِ وَيُجْزِئُهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ ، كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، كَمَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْحَدَثَيْنِ وَكَمَا تَتَدَاخَلُ طَهَارَتَا الْحَدَثِ وَالْجُنُبِ فِي الْمَاءِ ، وَفِي الْآخَرِ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَزَ عَنِ التَّوَضُّؤِ لِمَرَضٍ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهَا لِعَدَمِ الْمَاءِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُعِيدُهَا ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ وَغَيْرُهُ مُتَّصِلٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ تُرَابًا تَيَمَّمَ بِهِ عَنْهَا ، بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الْجُرْحِ فَإِنَّهَا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى وَتَطُولُ مُدَّتُهَا ، وَالْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ كَالتَّيَمُّمِ عَنِ الْحَدَثِ وَنَجَاسَةِ الْجُرْحِ ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَعَنِ التَّيَمُّمِ لَهَا ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الْإِعَادَةَ هُنَاكَ فَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخَفِّفَ النَّجَاسَةَ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ مَسْحٍ أَوْ حَكٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَطَاعُ ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي مُبْدَلِهِ ، وَفِي الْآخَرِ لَا تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ .
وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ ، كَمَا يَجُوزُ لِلْحَدَثِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ ؟ قَالَ : أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ . قَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَحَدِيثُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهِيَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ مَا لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ طَهَارَةٍ يُمْكِنُ إِبْقَاؤُهَا وَالتَّعَرُّضُ لِإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ ، وَحَمْلًا لِمَا جَاءَ مِنَ الرُّخْصَةِ عَلَى مَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْأَثَرِ ، وَقَدْ تَضَمَّنَ أَيْضًا جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ إِذَا عَدِمَ مَا يُزِيلُهَا وَخَشِيَ الضَّرَرَ بِإِزَالَتِهَا كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ ، فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ لَمْ يُجْزِئْهُ . قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَتَيَمَّمُ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَنَجَاسَةِ الِاسْتِحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ ؛ وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْجُنُبِ بِالْمَاءِ لَا تَتَعَدَّى مَحَلَّهَا فَأَنْ لَا تَتَعَدَّى طَهَارَةُ التُّرَابِ مَحَلَّهُ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ طَهَارَةَ التُّرَابِ تَعَبُّدٌ قَدْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهَا وَعَنِ التَّيَمُّمِ لَهَا ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ " وَهَذَا يَعُمُّ طَهَارَتَيِ الْحَدَثِ وَالْجُنُبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِقَوْلِهِ : " فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ " وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مِنَ الْبَدَنِ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ بِالْمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ بِالتُّرَابِ عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَوَاضِعِ الْحَدَثِ 380 وَبَدَنِ الْمَيِّتِ ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَإِنَّمَا يُبِيحُ فِعْلَ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، فَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ عَنِ الْجُنُبِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ يَجِبُ عَلَيْهَا غَسْلُ النَّجَاسَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى جُرْحٍ لَمْ يَجِبْ تَطْهِيرُهُ مِنَ الْحَدَثِ تَيَمَّمَ لَهَا ، خَاصَّةً إِنْ كَانَتْ عَلَى مَحَلِّ الْحَدَثِ ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا يَتَيَمَّمُ عَنِ الْحَدَثِ وَالْجُنُبِ وَيُجْزِئُهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ ، كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، كَمَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْحَدَثَيْنِ وَكَمَا تَتَدَاخَلُ طَهَارَتَا الْحَدَثِ وَالْجُنُبِ فِي الْمَاءِ ، وَفِي الْآخَرِ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَزَ عَنِ التَّوَضُّؤِ لِمَرَضٍ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهَا لِعَدَمِ الْمَاءِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُعِيدُهَا ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ وَغَيْرُهُ مُتَّصِلٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ تُرَابًا تَيَمَّمَ بِهِ عَنْهَا ، بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الْجُرْحِ فَإِنَّهَا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى وَتَطُولُ مُدَّتُهَا ، وَالْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ كَالتَّيَمُّمِ عَنِ الْحَدَثِ وَنَجَاسَةِ الْجُرْحِ ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَعَنِ التَّيَمُّمِ لَهَا ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الْإِعَادَةَ هُنَاكَ فَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخَفِّفَ النَّجَاسَةَ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ مَسْحٍ أَوْ حَكٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَطَاعُ ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي مُبْدَلِهِ ، وَفِي الْآخَرِ لَا تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ .
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
346 كِتَابُ التَّيَمُّمِ 224 - مَسْأَلَةٌ :
لَا يَتَيَمَّمُ مِنْ الْمَرْضَى إلَّا مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أَوْ فِي الْغُسْلِ بِهِ أَوْ الْمُسَافِرُ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ بِهِ أَوْ الْغُسْلِ بِهِ
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَاهُ وَإِسْقَاطُ الْحَرَجِ ، وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } فَالْحَرَجُ وَالْعُسْرُ سَاقِطَانِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ - سَوَاءٌ زَادَتْ عِلَّتُهُ أَوْ لَمْ تَزِدْ ، وَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ زِيَادَةَ عِلَّتِهِ فَهُوَ أَيْضًا عُسْرٌ وَحَرَجٌ .
وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ : الْمَرِيضُ لَا يَتَيَمَّمُ أَصْلًا مَا دَامَ يَجِدُ الْمَاءَ ، وَلَا يُجْزِيهِ إلَّا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ ، الْمَجْدُورُ وَغَيْرُ الْمَجْدُورِ سَوَاءٌ .
225 - مَسْأَلَةٌ :
وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا ، سَفَرَ طَاعَةٍ كَانَ أَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ أَوْ مُبَاحًا ، هَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ذَكَرَ قَوْلًا لَمْ يَنْسِبْهُ إلَى أَحَدٍ ، وَهُوَ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ حَدَّ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرِ سَفَرًا دُونَ سَفَرٍ ، فِي بَعْضِ الْمَسَافَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، وَفِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ دُونَ بَعْضٍ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي ذَلِكَ : أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ ، فَإِنْ ادَّعَوْا هَهُنَا إجْمَاعًا لَزِمَهُمْ ، إذْ هُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ أَنْ يَقِيسُوا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ صِفَةِ السَّفَرِ فِي الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ السَّفَرِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَإِلَّا فَقَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ ، وَخَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
347 مَسْأَلَةٌ :
وَالْمَرَضُ هُوَ كُلُّ مَا أَحَالَ الْإِنْسَانَ عَنْ الْقُوَّةِ وَالتَّصَرُّفِ ، هَذَا حُكْمُ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
لَا يَتَيَمَّمُ مِنْ الْمَرْضَى إلَّا مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أَوْ فِي الْغُسْلِ بِهِ أَوْ الْمُسَافِرُ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ بِهِ أَوْ الْغُسْلِ بِهِ
بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَاهُ وَإِسْقَاطُ الْحَرَجِ ، وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } فَالْحَرَجُ وَالْعُسْرُ سَاقِطَانِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ - سَوَاءٌ زَادَتْ عِلَّتُهُ أَوْ لَمْ تَزِدْ ، وَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ زِيَادَةَ عِلَّتِهِ فَهُوَ أَيْضًا عُسْرٌ وَحَرَجٌ .
وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ : الْمَرِيضُ لَا يَتَيَمَّمُ أَصْلًا مَا دَامَ يَجِدُ الْمَاءَ ، وَلَا يُجْزِيهِ إلَّا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ ، الْمَجْدُورُ وَغَيْرُ الْمَجْدُورِ سَوَاءٌ .
225 - مَسْأَلَةٌ :
وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا ، سَفَرَ طَاعَةٍ كَانَ أَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ أَوْ مُبَاحًا ، هَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ ذَكَرَ قَوْلًا لَمْ يَنْسِبْهُ إلَى أَحَدٍ ، وَهُوَ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ حَدَّ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرِ سَفَرًا دُونَ سَفَرٍ ، فِي بَعْضِ الْمَسَافَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، وَفِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ دُونَ بَعْضٍ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي ذَلِكَ : أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ ، وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ ، فَإِنْ ادَّعَوْا هَهُنَا إجْمَاعًا لَزِمَهُمْ ، إذْ هُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ أَنْ يَقِيسُوا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ صِفَةِ السَّفَرِ فِي الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ السَّفَرِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَإِلَّا فَقَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ ، وَخَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
347 مَسْأَلَةٌ :
وَالْمَرَضُ هُوَ كُلُّ مَا أَحَالَ الْإِنْسَانَ عَنْ الْقُوَّةِ وَالتَّصَرُّفِ ، هَذَا حُكْمُ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كِتَابُ التَّيَمُّمِ .
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَشْتَمِلُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَبْوَابٍ : الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا . الثَّانِي : مَعْرِفَةُ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ . الثَّالِثُ : فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ . الرَّابِعُ : فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ . الْخَامِسُ : فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ . السَّادِسُ : فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ . السَّابِعُ : فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي اسْتِبَاحَتِهَا . الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا .
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ هِيَ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُبْرَى ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِهَا بَدَلًا مِنَ الْكُبْرَى ، وَكَانَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ : الِاحْتِمَالُ الْوَارِدُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَأَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُمُ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ ، أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْوَارِدُ فِي الْآيَةِ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) يَحْتَمُلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِمَا مَعًا ، لَكِنْ مَنْ كَانَتِ الْمُلَامَسَةُ عِنْدَهُ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعَ ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَيْهِمَا مَعًا ، وَمَنْ كَانَتِ الْمُلَامَسَةُ عِنْدَهُ هِيَ اللَّمْسَ بِالْيَدِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : ( أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ) فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعُودُ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ ، إِذْ كَانَتِ الضَّمَائِرُ إِنَّمَا يُحْمَلُ أَبَدًا عَوْدُهَا عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَّا أَنْ تُقَدِّرَ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا حَتَّى يَكُونَ تَقْدِيرُهَا هَكَذَا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا .
وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، فَإِنَّ 58 التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ مَجَازٌ ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي الْآيَةِ شَيْئًا يَقْتَضِي تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا ، وَهُوَ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا يُوجِبُ أَنَّ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ حَدَثَانِ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا قُدِّرَتْ " أَوْ " هَهُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ : ﴿﴾ وَكَانَ سِيَّانِ أَنْ لَا يُسَرِّحُوا نَعَمًا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ يُسَرِّحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السَّوْخُ ﴿﴾ .
فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ : سِيَّانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو ، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتِ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَأَمَّا ارْتِيَابُهُمْ فِي الْآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَبَيِّنٌ مِمَّا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ ، فَقَالَ : لَا تُصَلِّ ، فَقَالَ عَمَّارٌ : أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ ، فَقَالَ : إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ " وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : أَنَّهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ : نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ ، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِي مُوسَى : لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ : أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟ وَذَكَرَ لَهُ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، خَرَّجَهُمَا الْبُخَارِيُّ ، وَإِنَّ نِسْيَانَ عُمَرَ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ ، وَالْحَائِضِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " . وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فَهُوَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ : يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ . فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ " وَلِمَوْضِعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ اخْتَلَفُوا : هَلْ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَنْ يَطَأَ أَهْلَهُ أَمْ لَا يَطَؤُهَا ؟ ( أَعْنِي : مَنْ يُجَوِّزُ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمَ ) .
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَشْتَمِلُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَبْوَابٍ : الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا . الثَّانِي : مَعْرِفَةُ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ . الثَّالِثُ : فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ . الرَّابِعُ : فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ . الْخَامِسُ : فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ . السَّادِسُ : فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ . السَّابِعُ : فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي اسْتِبَاحَتِهَا . الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا .
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ هِيَ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُبْرَى ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِهَا بَدَلًا مِنَ الْكُبْرَى ، وَكَانَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ : الِاحْتِمَالُ الْوَارِدُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَأَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُمُ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ ، أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْوَارِدُ فِي الْآيَةِ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) يَحْتَمُلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِمَا مَعًا ، لَكِنْ مَنْ كَانَتِ الْمُلَامَسَةُ عِنْدَهُ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعَ ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَيْهِمَا مَعًا ، وَمَنْ كَانَتِ الْمُلَامَسَةُ عِنْدَهُ هِيَ اللَّمْسَ بِالْيَدِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : ( أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ) فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعُودُ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ ، إِذْ كَانَتِ الضَّمَائِرُ إِنَّمَا يُحْمَلُ أَبَدًا عَوْدُهَا عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَّا أَنْ تُقَدِّرَ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا حَتَّى يَكُونَ تَقْدِيرُهَا هَكَذَا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا .
وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، فَإِنَّ 58 التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ مَجَازٌ ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي الْآيَةِ شَيْئًا يَقْتَضِي تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا ، وَهُوَ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا يُوجِبُ أَنَّ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ حَدَثَانِ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا قُدِّرَتْ " أَوْ " هَهُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ : ﴿﴾ وَكَانَ سِيَّانِ أَنْ لَا يُسَرِّحُوا نَعَمًا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ يُسَرِّحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السَّوْخُ ﴿﴾ .
فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ : سِيَّانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو ، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتِ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَأَمَّا ارْتِيَابُهُمْ فِي الْآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَبَيِّنٌ مِمَّا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ ، فَقَالَ : لَا تُصَلِّ ، فَقَالَ عَمَّارٌ : أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ ، فَقَالَ : إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ " وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : أَنَّهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ : نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ ، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِي مُوسَى : لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ : أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟ وَذَكَرَ لَهُ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، خَرَّجَهُمَا الْبُخَارِيُّ ، وَإِنَّ نِسْيَانَ عُمَرَ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ ، وَالْحَائِضِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا " . وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فَهُوَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ : يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ . فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ " وَلِمَوْضِعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ اخْتَلَفُوا : هَلْ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَنْ يَطَأَ أَهْلَهُ أَمْ لَا يَطَؤُهَا ؟ ( أَعْنِي : مَنْ يُجَوِّزُ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمَ ) .