← الاستذكار
الاستذكار
#136 مقبول 6743 ☰ باب الأمر بالوتر
A− A+

وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ ° ، عَنِ الْأَعْمَشِ ° ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ° ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ " . فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : مَا يَقُولُ ؟ مَا يَقُولُ ؟ فَقَالَ : " لَيْسَ لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ "

قال أبو عمر : الفرائض لا تثبت إلا بيقين لا خلاف فيه ، فكيف والقول بأن الوتر سنة ليس بواجب ، يكاد أن يكون إجماعا لشذوذ الخلاف فيه . وأما قول عبادة : كذب أبو محمد في قوله : الوتر واجب . فأبو محمد هذا رجل من الأنصار من وجوه الصحابة اسمه مسعود بن أوس ، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما ينبغي من ذكره . وقد تقدم معنى قول عبادة : كذب أبو محمد ، عند قول عبد الله بن سلام : كذب كعب ، من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته هنا . واختصار ذلك أن معنى قوله : كذب أبو محمد ، أي : غلط أبو محمد ووهم ، وقد مضت الشواهد على ذلك فيما تقدم ، والحمد لله . وقد ذكرنا في التمهيد الآثار الواردة في معنى حديث عبادة هذا ، وأوردنا من طرق حديث عبادة ما تبين به صحته ، وأن المخدجي لم يأت فيه إلا بمعنى ما تواترت الرواية به . وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يصل ، وهو مقر موقن بفرض الصلاة مؤمن بها ، أو صلى ولم يقم الصلاة بما يجب فيها ومات لا يشرك بالله شيئا مقرا بالنبيين ، مصدقا للمرسلين مؤمنا : بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وأن كل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق ، إلا أنه مقصر مفرط عاص لم يتب من ذنوبه حتى أدركته منِيَّته أنه في مشيئة الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ، فإنه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ سورة النساء آية 48 . وقد ذكرنا الآثار بهذا المعنى عند ذكر حديث عبادة هذا في التمهيد ، ويأتي ذكر أحكام تارك الصلاة المقر بها عند ذكر حديث زيد بن أسلم ، عن بسر بن محجن ، في قوله صلى الله عليه وسلم : " ما لك لم تصل ؟ ألست برجل مسلم ؟ " ، إن شاء الله تعالى . 449 وأما حديثه ، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، عن سعيد بن يسار ، عن ابن عمر ، أنه أنكر عليه إذ نزل فأوتر ، وقال له : أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ؟ " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر على البعير " ففيه أوضح الدلائل على أن الوتر ليس بواجب فرضا ولا يشبه المكتوبات ، لأن الإجماع منعقد أنه لا يجوز لأحد أن يصلي على الدواب شيئا من فرائض الصلوات ، إلا في شدة الخوف خاصة ، وفي غلبة المطر عليه إذا كان الماء فوقه وتحته ، فإنهم اختلفوا في ذلك ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه " كان يتنفل على البعير ، ويوتر عليه " . فبان بذلك خروج الوتر عن طريق الوجوب ، وهذه سنة جهلها أبو حنيفة ، فلم يجز لأحد أن يوتر على الدابة أو البعير في المحمل ، وكره ذلك له إلا من عذر . وخالفه أصحابه وسائر الفقهاء ، إلا فرقة تابعته ، وهي محجوجة بإجماع العلماء وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، أنه " كان يتنفل على محمله حيث ما توجهت به حاجته " . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه " كان يتنفل ويوتر على البعير " . فبان بذلك أنه نافلة وسنة لإجماعهم على أنه لا يجوز ذلك في المكتوبة ، وهذا كاف حجة بالغة لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ سورة ق آية 37 . . وأما وتر أبي بكر رضي الله عنه حين كان يأتي فراشه ، ووتر عمر آخر الليل ، وقول سعيد بن المسيب : أما أنا ، فإذا جئت فراشي أوترت . ففيه الإباحة في تقديم الوتر في أول الليل ، وتأخيره عن ذلك ، وهو أمر مجتمع عليه لا مدخل للقول فيه ، لأن الوتر من صلاة الليل ، وصلاة الليل لا وقت لها محدود ، وإنما الأوقات للمكتوبات ، فما فعل الإنسان من ذلك فحسن . وسيأتي القول في آخر وقت الوتر في باب الوتر بعد الفجر ، إن شاء الله تعالى . قالت عائشة رضي الله عنها : " من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتهى وتره إلى السحر " ، وعن عائشة ، أيضا قالت : " ربما أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الليل ، وربما أوتر آخره " . وأما اختيار سعيد فعل أبي بكر رضي الله عنه دون فعل عمر رضي الله عنه مع علمه بفضل الصلاة في السحر ، فلأن الأخذ بالحزم في أمور الدين والدنيا خوف غلبة النوم ، فيصبح على غير وتر . وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا استيقظ ، وقد كان أوتر يصلي ركعتين ركعتين بعد أن أحرز وتره . وقد كان من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ، وأبي الدرداء ، وأبي هريرة : " أن لا ينام أحدهم إلا على وتر " . وحسبك بهذا حجة لاختيار سعيد فعل أبي بكر ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر له فعل أبي بكر في الوتر ، وفعل عمر ، فقال : " حذر هذا ، يعني أبا بكر ، وقوي هذا " ، يعني عمر . ولم يفضل فعل واحد منهما ، ولا أنكر عليه لعلمه بأنهما قد اجتهدا جهدهما . وقول عائشة ، رضي الله عنها : " من خشي أن ينام حتى يصبح فليوتر قبل أن ينام ، ومن رجا أن يستيقظ آخر الليل فليؤخر وتره " . تفسير لحديث أبي بكر وعمر في ذلك ، إلا أن قولها : " ومن رجا أن يستيقظ " ، فالرجاء قد نفع المرجو منه ، وقد لا يقع ، ففعل أبي بكر واختيار سعيد ليس بمدفوع بقولها ، ولكل وجه . وقد بينا موضع الاختيار في الفضائل والمباحات ، وبالله العصمة والتوفيق . ، وأما سؤال الرجل عبد الله بن عمر عن الوتر : أواجب هو ؟ وجواب ابن عمر له : " أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأوتر المسلمون " . فردد عليه الرجل السؤال ، فلم يزده على هذا الجواب . ففيه دليل على أن الوتر ليس بواجب ، ولو كان واجبا عنده لأفصح له بوجوبه ، ولكنه أخبره بما دله على أنه سنة معمول بها ، ليدفع عنه تأويل الخصوص في ذلك ، والنسخ لأن في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة ، فلما تلقى المسلمون علمه ذلك بالاتباع ، بان بأنه لم يخص به نفسه كالوصال في الصيام ، وما أشبهه . وقد 450 روى عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، أنه سأل عبادة بن الصامت ، عن الوتر ، فقال : " أمر حسن جميل قد عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده " ، وأما حديث مالك ، عن نافع ، قال : كنت مع ابن عمر بمكة والسماء مغيمة ، فخشي عبد الله بن عمر الصبح ، فأوتر بواحدة ، ثم انكشف الغيم ، فرأى أن عليه ليلا ، فشفع بواحدة ، ثم صلى ركعتين ركعتين ، فلما خشي الصبح أوتر بواحدة . فقد روي عن ابن عمر هذا المذهب في شفع الوتر بعد النوم من وجوه : روى الثوري ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، أنه " كان يشفع وتره ، ثم يصلي مثنى مثنى ، ثم يوتر " . وروى الشعبي ، عن ابن عمر مثله . وهذه مسألة يعرفها أهل العلم بمسألة نقض الوتر ، وقد روي مثل قول ابن عمر في ذلك عن : علي ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأسامة ، ولم يختلف عنهم في ذلك ، واختلف فيها عن ابن عباس ، وسعد بن أبي وقاص . وقال بمذهب ابن عمر في ذلك جماعة ، منهم : عروة بن الزبير ، ومكحول ، وعمرو بن ميمونة . وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم : " الوتر ركعة من آخر الليل " ، وقوله : " فإذا خشي أحدكم الصبح أوتر بركعة واحدة " . وخالف هذا المذهب في نقض الوتر جماعة أيضا من السلف . فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من وجوه : " أنه كان يوتر قبل النوم ، ثم إن قام صلى ركعتين ركعتين ، ولم يعد الوتر " . وروي ذلك عن طائفة من الصحابة أيضا ، منهم : عمار بن ياسر ، وعائذ بن عمرو ، وعائشة أم المؤمنين . وكانت عائشة ، تقول في ذلك : " أوتران في ليلة ؟ ! " . إنكارا منها لنقض الوتر . وقال بذلك من التابعين جماعة ، منهم : علقمة ، وأبو مجلز ، وطاوس ، والنخعي . وهو قول مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبي ثور . والحجة لهم قوله صلى الله عليه وسلم : " لا وتران في ليلة " .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الله بن محمد القرطبي وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد