← الاستذكار
الاستذكار
#155 مقبول 7711 ☰ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر
A− A+

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ ° ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ° ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ° ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ° ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ° ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ° ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ ، وَفِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ إِنْ غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا " . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ هَذَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ مُعَاذٍ ، عَلَى مَعْنَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ

قال أبو عمر : قد ذكرنا طرق هذا الحديث واختلاف ألفاظ الرواة في التمهيد ، وأما حديث مالك الذي ذكره في هذا الباب من الموطأ بعد حديثه عن داود بن الحصين ذكره عن أبي الزبير المكي ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، أن معاذ بن جبل ، أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام تبوك ، فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء . قَالَ : فأخر الصلاة يوما ، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ، ثم دخل . ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا ، ثم قَالَ : " إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي " . فجئناها ، وقد سبقنا إليها رجلان والعين تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هل مسستما من مائها شيئا ؟ " فقالا : نعم . فسبهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول ، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ، ثم غسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه وجهه ويديه ، ثم أعاده فيها ، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ، ثم قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا " . مالك ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر ، قَالَ : " كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذا عجل به السير يجمع بين المغرب والعشاء " . قَالَ أبو عمر : ليس في حديث ابن عمر هذا ما يدل على أن المسافر لا يجوز له الجمع بين الصلاتين إلا أن يجد به السير ، بدليل حديث معاذ بن جبل ، لأن فيه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين الصلاتين في سفره إلى تبوك نازلا غير سائر ، وليس في أحد الحديثين ما يعارض الآخر ، وإنما التعارض لو كان في حديث ابن عمر ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كان لا يجمع بين الصلاتين إلا أن يجد به السير " ، فحينئذ كان يكون التعارض لحديث معاذ ، وإنما هما حديثان حكى الراوي لكل واحد منهما الجمع للمسافر بالصلاتين جد به السير أو لم يجد ، ولو تعارض الحديثان لكان الحكم لحديث معاذ ، لأنه أثبت ما نفاه ابن عمر ، وليس للنافي شهادة مع المثبت . وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب . روى ابن القاسم ، عن مالك ، أنه قَالَ : لا يجمع المسافر في حج أو عمرة إلا أن يجد به السير أو يخاف فوت أمر فيجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر ، وكذلك في المغرب والعشاء إن ارتحل عند الزوال فيجمع حينئذ في المرحلة بين الظهر والعصر ، ولم يذكر في العشائين الجمع عند الرحيل أول الوقت . قَالَ سحنون : وهما كالظهر والعصر . قال أبو عمر : رواية ابن القاسم هذه تضاهي مذهب الكوفيين في الجمع بين الصلاتين للمسافر ، ورواية أهل المدينة عن مالك بخلاف ذلك . قَالَ عبد الملك بن حبيب عن شيوخه : وللمسافر أن يجمع بين الصلاتين ليقطع سفره وإن لم يخف فوات شيء يبادره . وذكر أبو الفرج ، عن مالك ، قَالَ : ومن أراد الجمع بين الصلاتين في السفر جمع بينهما إن شاء في آخر وقت الأولى منهما ، وإن شاء في آخر وقت الآخرة منهما ، وإن شاء أخر الأولى فصلاها في آخر وقتها وصلى الثانية في أول وقتها . قَالَ : وذلك كجواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة . قَالَ أبو الفرج : وأصل هذا الباب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة ، لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سافر فقصر وجمع بينهما كذلك ، والجمع أيسر خطبا من القصر ، فوجب الجمع بينهما في الوقت الذي جمع بينهما فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قال أبو عمر : الجمع بين الصلاتين بعرفة ، ثم بالمزدلفة أصل مجتمع عليه واجب أن يرد كل ما اختلف فيه من معناه إليه . ذكر مالك في هذا الباب من الموطأ . مالك ، عن ابن شهاب ، أنه سأل سالم بن عبد الله : هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر ؟ فقال : نعم ، لا بأس بذلك ، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة . عبد الرزاق ، قَالَ : حَدَّثَنَا محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة ، قَالَ : جاءت امرأة إلى طاوس ، فقالت : إني أكره أبي حملني على الجمع بين الصلاتين . قَالَ : لا يضرك ، أما ترين الناس يجمعون بين الصلاتين صلاة الهاجرة وصلاة العصر بعرفة والمغرب والعشاء بجمع ؟ قال أبو عمر : هذا دليل على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما إن شاء قدم الثانية إلى الأولى كالصلاة بعرفة ، وإن شاء أخر الأولى إلى دخول وقت الثانية ، ثم جمعهما كالصلاة بمزدلفة ، وقال الليث بن سعد : لا يجمع بين الصلاتين إلا من جد به السير . وقال الأوزاعي : لا يجمع بين الصلاتين إلا من عذر لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كان إذا جد به السير جمع بينهما " . وعن الثوري نحو هذا ، وعنه أيضا ما يدل على جواز الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما للمسافر ، وإن لم يجد به السير . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجمع أحد بين الصلاتين في سفر ولا حضر لا صحيح ولا مريض في صحو ولا مطر ، إلا أن للمسافر أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها ، ثم ينزل فيصليها ، ثم يمكث قليلا ويصلي العصر في أول وقتها ، وكذلك المريض . قالوا : وأما أن يصلي صلاة في وقت أخرى فلا إلا بعرفة والمزدلفة لا غير . وحجتهم ما رواه الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قَالَ : قَالَ عبد الله بن مسعود : " والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة قط إلا في وقتها إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر يوم عرفة ، وبين المغرب والعشاء بجمع " قال أبو عمر : ليس في هذا حجة ، لأن عند ابن مسعود فقط عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه جمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة ، ومن حفظ وشهد حجة على من لم يحفظ ولم يشهد . وقال الشافعي ، وأصحابه : من كان له أن يقصر فله أن يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما إن شاء في وقت الأولى ، وإن شاء في وقت الآخرة . وهو قول عطاء بن أبي رباح ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وجمهور علماء الحجاز . وبه قَالَ إسحاق بن راهويه ، وداود بن علي . وهو قول ربيعة ، وأبي الزناد ، ومحمد بن المنكدر ، وصفوان بن سليم ، وأبي حازم ، وزيد بن أسلم . وقد ذكرنا الآثار بذلك عنهم في التمهيد . وقال أحمد بن حنبل : وجه الجمع للمسافر أن يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ، ثم ينزل فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يغيب الشفق ، ثم يجمع بين المغرب والعشاء . قَالَ : فإن قدم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب ، فأرجو أن لا يكون به بأس . قَالَ إسحاق بن منصور : فذكرت قول أحمد لإسحاق ، فقال إسحاق : لا بأس بذلك . وقال الطبري : للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين الزوال إلى أن تغيب الشمس وبين المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر . قَالَ : والجمع في المطر كذلك . قال أبو عمر : الحجة عند الاختلاف سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما لا يوجد فيه نص من كتاب الله عز وجل وقد مضى ذكر السنة من حديث معاذ بن جبل وغيره وما أجمعوا عليه في صلاتي عرفة والمزدلفة ، فأغنى ذلك عما سواه والحمد لله ولا معنى للجمع الذي ذهب إليه أبو حنيفة ، ومن قَالَ بقوله ، لأن ذلك جائز في الحضر بدليل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طرفي وقت الصلاة ما بين هذين وقت ، فأجاز الصلاة في آخر الوقت ، ولو لم يجز في السفر من سعة الوقت إلا ما جاز في الحضر بطل معنى السفر ومعنى الرخصة والتوسعة لأجله ، ومعلوم أن الجمع بين الصلاتين في السفر رخصة لمكان السفر وتوسعة في الوقت كما أن القصر في السفر لم يكن ، إلا من أجل السفر وما يلقى فيه من المشقة في الأغلب وفي ارتقاب المسافر ومراعاته أن لا يكون نزوله إلا في الوقت الذي عده أبو حنيفة مشقة وضيقا لا سعة ، وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب ولا بين العشاء والصبح ، ولو كان الجمع بين الصلاتين في السفر على ما ذهب أبو حنيفة إليه والقائلون بقوله لجاز الجمع بين العصر والمغرب بأن يصلي العصر في آخر وقتها ، ثم يتمهل قليلا ويصلي المغرب ، وهذا كله شاهد على ما ذهبوا إليه في الجمع بين الصلاتين ، ودليل على أنهم دفعوا الآثار في ذلك برأيهم وبالله التوفيق لا شريك له . وفي حديث مالك ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ في هذا الباب تقدم الإمام إلى العسكر بالنهي عما لا يريد فعله وله العفو ، فإن خالفه مخالف كانت له معاقبته بما يراه ردعا له عن مثل فعله وله العفو عنه ، فإن الله عفو يحب العفو ألا ترى أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع حلمه ، وما كان عليه من الخلق العظيم كيف سب الرجلين وقال لهما ما شاء الله أن يقول إذ خالفاه ، وأتيا ما قد نهى عنه ، وفيه علم عظيم من أعلام نبوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ غسل وجهه ويديه بقليل من ماء تلك العين ، ثم صبه فيها فجرت العين بماء كثير عمهم وفضل عنهم وتمادى إلى الآن ، ولعله يتمادى إلى قيام الساعة ، وهكذا النبوة ، وأما السحر فلا يبقى بعد مفارقة عين صاحبه ، والله أعلم . قَالَ ابن وضاح : أنا رأيت ذلك الموضع كله حوالي تلك العين جنانا خضرة نضرة بعده وفيه إخباره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغيب كان بعده وهذا وغيره ليس عجيبا منه ولا مجهولا من شأنه ولا مستغربا من فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأما قوله في الحديث والعين تبض بشيء من ماء وهي الرواية عندنا بالضاد المنقوطة فمعناه أنها كانت تسيل بشيء من الماء ضعيف . قَالَ حميد بن ثور الهلالي : منعمة لو يصبح الذر ساريا على جلدها بضت مدارجه دما هذه رواية الأصمعي في شعر حميد بن ثور ورواية غيره مهاة لو أن الذر يمشي ضعابه على متنها بضت مدارجه دما وقد فسر بضت بمعنى سالت ، والتفسير الأولى بمعنى الحديث . وتقول العرب للموضع الذي يندى : قد بض ، وتقول : ما بض بقطرة ، وأما من رواه بالصاد من البصيص فمعناه أنها كانت يضيء فيها الماء ويبرق ويرى له بصيص والرواية الأولى أكثر . وفي هذا الباب أيضا حديث مالك ، عن أبي الزبير المكي ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله ابن عباس ، أنه قَالَ : " صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر " . قَالَ مالك : أرى ذلك كان في مطر ، وهذا الحديث صحيح لا يختلف في صحته ، وقد روي عن ابن عباس من وجوه ، وإن كان في بعض ألفاظ رواته اختلاف فرواه حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قَالَ : " جمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر " . قيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ قَالَ : أراد ألا يحرج أمته هكذا رواه حبيب بن أبي ثابت بإسناده المذكور ، فقال فيه : من غير خوف ولا مطر ، فخالف أبا الزبير ، وحبيب بن أبي ثابت أحد أئمة أهل الحديث من الكوفيين ، وأبو الزبير أيضا حافظ وكذلك رواه عنه الثوري ، كما رواه مالك رواه وكيع ، وغيره ، عن الثوري ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قَالَ : " جمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر " وقد روى صالح ، مولى التوءمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الحديث ، فقال فيه : " من غير خوف ولا مطر " . كما قَالَ حبيب بن أبي ثابت ، وهذا ليس بالقوي لأنه تغير بآخره ، وأما تأويل مالك فيه وقوله أرى ذلك كان في مطر فقد تابعه على ذلك جماعة بالمدينة وغيرها منهم الشافعي ، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر المطر إلا طائفة شذت سنورد ما إليه ذهبت في هذا الباب إن شاء الله ، واختلفوا في ذلك لعذر المطر ، فقال مالك وأصحابه : أما المغرب والعشاء ، فجائز أن يجمع بينهما في حال المطر . قَالَ : ويجمع بينهما إذا كان طين وظلمة ، وإن لم يكن مطر فهذا هو المشهور من مذهب مالك في مساجد الجماعات في كل البلدان ، ولا يجمع بين الظهر والعصر عند مالك ولا عند أحد من أصحابه في المطر . وروى زياد بن عبد الرحمن ، عن مالك ، أنه قَالَ : " لا يجمع بين الصلاتين ليلة المطر في شيء من الأمصار وغير الأمصار إلا بالمدينة خاصة في مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفضله ، وأنه ليس هناك غيره ، وهو يقصد من بعد . قال أبو عمر : وروي عن عبد الله بن عمر ، وأبان بن عثمان ، وعروة بن الزبير ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، والقاسم بن محمد ، وعمر بن عبد العزيز ، أنهم كانوا يجمعون بين الصلاتين ليلة المطر . وقد ذكرنا الأسانيد عنهم بذلك في التمهيد ، وهو أمر مشهور بالمدينة معمول به فيها . وبه قَالَ أحمد ، وإسحاق . والجمع عند مالك بين المغرب والعشاء ليلة المطر أن يؤخر المغرب ، ثم يؤذن لها وتقام فتصلى ، ثم يؤذن في داخل المسجد للعشاء ويقيمونها وتصلى ، ثم ينصرفون مع مغيب الشفق ، وقال مرة أخرى : ينصرفون وعليهم أسفار . وقال الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل يجمع بين الظهر والعصر في المطر ، قَالَ : لا ما سمعت . قلت : فالمغرب والعشاء . قَالَ : نعم . قلت : قبل مغيب الشفق ، قَالَ : لا الأولى كما صنع ابن عمر . قلت : فسنة الجمع فيهما في السفر ، فقال : تؤخر أيضا حتى يغيب الشفق ، وقال الشافعي : يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المطر الوابل إذا كان المطر دائما ولا يجمع في غير المطر . وبه قَالَ أبو ثور ، والطبري . لحديث ابن عباس هذا من رواية مالك ، وغيره ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " جمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر " وتأولوا ذلك في المطر قَالَ أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجمع أحد بين الصلاتين في المطر لا الظهر والعصر ولا المغرب والعشاء وهو قول الليث بن سعد . وبه قَالَ أكثر أصحاب داود . وقالت طائفة شذت عن الجمهور : الجمع بين الصلاتين في الحضر وإن لم يكن مطر مباح إذا كان عذر وضيق على صاحبه ويشق عليه ، وممن قَالَ ذلك : محمد بن سيرين ، وأشهب صاحب مالك ، وكان ابن سيرين لا يرى بأسا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو عذر ما لم يتخذه عادة ، وقال أشهب بن عبد العزيز : لا بأس بالجمع عندي بين الصلاتين كما جاء في الحديث من غير خوف ولا سفر ، وإن كانت الصلاة في أول وقتها أفضل ، وهذا الجمع عندي بين صلاتي النهار في آخر وقت الظهر ، وأول وقت العصر ، وكذلك صلاة المغرب والعشاء في آخر وقت الأولى منهما وأول وقت الآخرة جائز في الحضر والسفر ، فأما أن يجمع أحد بين الصلاتين في وقت إحداهما ، فلا إلا في السفر . قال أبو عمر : احتج من ذهب هذا المذهب بحديث عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس ، قَالَ : " صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا " . قَالَ عمرو بن دينار : قلت لأبي الشعثاء : أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء . قَالَ : وأنا أظن ذلك قَالَ أبو عمر : قد ذكرنا طرق أحاديث هذا الباب كلها في التمهيد ، ولا حجة في هذا الحديث وما كان مثله لمن جعل الوقت في صلاتي الليل وفي صلاتي النهار في الحضر كهو في السفر ، وأجاز الجمع بين الصلاتين في الحضر في وقت إحداهما لأنه ممكن أن تكون صلاته بالمدينة في غير خوف ولا سفر كانت بأن أخر الأولى من صلاتي النهار فصلاها في آخر وقتها وصلى الثانية في أول وقتها ، وصنع مثل ذلك بالعشاء بين على ما ظنه أبو الشعثاء ، وتأول الحديث عليه هو وعمرو بن دينار وموضعهما من الفقه الموضع الذي لا فوقه موضع ، وإذا كان ذلك غير مدفوع إمكانه ، وكان ذلك الفعل يسمى جمعا في اللغة العربية بطلت الشبهة التي نزع بها من هذا الحديث من أراد الجمع في الحضر بين الصلاتين في وقت إحداهما ، لأن جبريل أقام لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوقات الصلوات في الحضر ، ثم سافر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فجمع بين الصلاتين على حسب ما تقدم ذكرنا في هذا الباب وسن للمسافر ذلك كما سن له القصر في السفر مع الأمن توسعة أذن الله له فيها فسنها لأمته ، فلا يتعدى بها إلى غير ما وضعها عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأما قول ابن عباس إذ سئل عن معنى جمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الصلاتين في الحضر ، فقال : أراد أن لا يحرج أمته ، فمعناه مكشوف على ما وصفنا أي : لا يضيق على أمته فتصلي في أول الوقت أبدا وفي وسطه أو آخره أبدا لا تتعدى ذلك ، ولكن لتصل في الوقت كيف شاءت في أوله أو وسطه أو آخره ، لأن ما بين طرفي الوقت وقت كله ، وأما أن تقدم صلاة الحضر قبل دخول وقتها فلا ، والله أعلم . واختلفوا أيضا في جمع المريض بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء : فقال مالك : إذا خاف المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر والعصر عند الزوال وجمع بين العشاءين عند الغروب . قَالَ : فأما إن كان الجمع أرفق به لشدة مرض أو بطن ولم يخش أن يغلب على عقله فليجمع بينهما في وقت وسط الظهر ، وفي غيبوبة الشفق . قَالَ مالك : والمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره لشدة ذلك عليه قَالَ مالك : وإن جمع المريض بين الصلاتين وليس بمضطر إلى ذلك أعاد ما كان في الوقت ، فإن خرج الوقت فلا شيء عليه . وقال الليث : يجمع المريض والمبطون . وقال أبو حنيفة : يجمع المريض بين الصلاتين كجمع المسافر ، وقد قدمنا مذهبه ومذهب ابن القاسم ، وروايته في جمع المسافر فيما مضى من هذا الباب . وقال الشافعي : لا يجمع المريض بين الصلاتين ، ولكن يصلي كل صلاة لوقتها على حسب ما يقدر عليه . وقال أحمد ، وإسحاق : يجمع المريض بين الصلاتين . قال أبو عمر : هذا عندي على حسب جمع المسافر عندهما والله أعلم . مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أنه سأل سالم بن عبد الله : ما أشد ما رأيت أباك أخر المغرب في السفر ، فقال سالم : غربت الشمس ونحن بذات الجيش ، فصلى المغرب بالعقيق . هذا الحديث عند يحيى في الباب بعد هذا ، وهو من معنى هذا الباب ، وكذلك هو عند بعض الرواة واختلف في المسافة التي بين العقيق وبين ذات الجيش ، فذكر الأثرم ، عن القعنبي ، قَالَ : بين العقيق وبين ذات الجيش اثنا عشر ميلا ، وذكر علي بن عبد العزيز ، عن القعنبي ، قَالَ : ذات الجيش على بريدين من المدينة قَالَ ابن وضاح بين ذات الجيش وبين العقيق سبعة أميال . وروى ابن وهب ستة أميال .

السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد حسن
شجرة الإسناد