أخبرنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا عبدة بن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن مينا أو عن ميناس ، قال : خرج علينا رجل في يوم فيه دفء فأتى الجبان فصلى ركعتين ، ثم أتى قبرا فاتكأ عليه ، فسمع صوتا ، ارتفع عني لا تؤذيني أنتم تعملون ، ونحن نعلم ولا نعمل ، لأن تكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا وما فيها
. وروينا عن ثابت البناني ، قال : بينما أنا بالمقابر إذا أنا بهاتف يهتف من ورائي ، يقول : يا ثابت لا يغرنك سكوتها ، فكم من مغموم فيها ، والتفت فلم أر أحدًا . وروى ابن أبي ذئب ، عن عامر بن سعد ، أنه كان إذا خرج إلى قبور الشهداء يقول : لأصحابه ألا تسلمون على الشهداء فيردون عليكم ؟ وروى يوسف بن الماجشون ، عن محمد بن المنكدر ، أنه دخل على جابر بن عبد الله ، وهو يموت ، فقال : أقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام . وروى ابن وهب ، عن عطاء بن أبي خالد ، قال : حدثتني خالتي ، وكانت من العوابد ، وكانت كثيرا ما تركب إلى الشهداء ، قالت : صليت يوما على قبر حمزة بن عبد المطلب ، فلما قمت قلت : السلام عليكم ، فسمعت أذناي رد السلام يخرج من تحت الأرض ، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني ، وما في الوادي داع ولا مجيب . قالت : فاقشعرت له كل شعرة مني . وهذا المعنى في الأخبار كثير جدا ، وليس كتابنا هذا موضعا لإيرادها ، وفيما ذكرنا منها دليل على المراد من الاعتبار بها . والفكرة في المصير إليها . وقد احتج بهذا الحديث في السلام على القبور ، من زعم أن الأرواح على أبنية القبور . وكان ابن وضاح يذهب إلى هذا ، ويحتج بحكايات فيه عن نفسه ، وعمن قبله من العلماء ، قد ذكرتها في غير هذا الموضع . وأما قوله عليه السلام : " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " . ففي معناه قولان : أحدهما أن الاستثناء مردود على معنى قوله : " دار قوم مؤمنين " ، أي : وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في حال الإيمان ، لأن الفتنة لا يأمنها مؤمن وعاقل . ألا ترى قول إبراهيم : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ سورة إبراهيم آية 35 ، وقول يوسف : تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ سورة يوسف آية 101 . وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم اقبضني إليك غير مفتون " . والوجه الآخر ، أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بد من وقوعها ، ليس على سبيل الشك ، ولكنها لغة للعرب . ألا ترى إلى قول الله عز وجل : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ سورة الفتح آية 27 . والشك لا سبيل إلى إضافته إلى الله , تعالى عن ذلك علام الغيوب . وقوله : " وددت أني قد رأيت إخواننا " ، ففيه دليل على أن أهل الدين والإيمان ، كلهم إخوة في دينهم . قال الله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ سورة الحجرات آية 10 ، وقد قرئت : فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ سورة الحجرات آية 10 و " بين إخوانكم " . فأما الأصحاب فمن صحبك وصحبته ، وجائز أن يسمى الشيخ صاحبا للتلميذ ، والتلميذ صاحبا للشيخ ، والصاحب : القرين المماشي المصاحب ، وهؤلاء كلهم صحابة وأصحاب . وأما قوله : " إخواننا الذين لم يأتوا بعد " ، فروى أبو عمرة الأنصاري ، عن النبي عليه السلام أنه قيل له : يا رسول الله ، أرأيت من آمن بك ولم يرك ، وصدقك ولم يرك ؟ فقال عليه السلام : " أولئك إخواننا ، أولئك معنا ، طوبى لهم طوبى لهم " . وروى أبو قتادة ، عن أنس ، عن أبي أمامة ، أن النبي عليه السلام قال : " طوبى لمن رآني فآمن بي ، وطوبى سبع مرار ، لمن لم يرني وآمن بي " . وروى أبو سعيد الخدري ، عن النبي عليه السلام أنه قال : " أنتم أصحابي ، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني " . ومن حديث أبي سعيد أيضا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : “ إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءون الكوكب الدري في الأفق من المشرق والمغرب ، لتفاضل بينهم " ، قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء ، قال : " بلى والذي نفسي بيده ، ورجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " . وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . ومن حديث ابن أبي أوفى ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقعد ، وجاءه عمر ، فقال : " يا عمر ، إني لمشتاق إلى إخواني " ، قال عمر : ألسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكنكم أصحابي . وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني " . وعن ابن عباس ، أنه قال لجلسائه يوما : أي الناس أعجب إيمانا ؟ قالوا : الملائكة ، قال : وكيف لا تؤمن الملائكة والأمر فوقهم يرونه ؟ قالوا : الأنبياء ، قال : وكيف لا يؤمن الأنبياء ، والأمر ينزل عليهم غدوة وعشية ؟ قالوا : فنحن ، قال : وكيف لا تؤمنون وأنتم ترون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترون ؟ ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ أعجب الناس إيمانا ، قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ، أولئك إخواني حقا " . وروى أبو صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " من أشد أمتي حبا لي ناس يكونون بعدي ، يود أحدهم لو رآني بماله وأهله " . كذا رواه سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة , وأخرجه مسلم . وذكر ابن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أبي صالح ، عن رجل من بني أسد ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " من أشد أمتي حبا لي ، قوم يأتون من بعدي ، يود أحدهم لو يعطي أهله وماله ، ويراني " .