حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ° ، قَالَا : حدثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حدثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ° ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ ° ، حدثنا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ° ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ° ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ° ، عَنْ عَلِيٍّ ° ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَذْيِ ، فَقَالَ : " فِيهِ الْوُضُوءُ ، وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ "
ولما صح الإجماع في وجوب الوضوء من المذي ، لم يبق إلا أن تكون الرخصة في خروجه من فساد وعلة . فإذا كان خروج كذلك فلا وضوء فيه عند مالك ولا عند سلفه وعلماء أهل بلده ، لأن ما لا يرقأ ولا ينقطع ، فلا وجه للوضوء منه . ومعنى قول سعيد بن المسيب ، أنه يلزم من فحش سلس بوله أو مذيه ولم يرقأ دم جرحه أو دمله أن يغسله من ثوبه ، ولا يدخل في صلاته حتى يغسل ما فحش منه وكثر . فإذا دخل في الصلاة لم يقطعها ، ولو سال على فخذه . فأراد سعيد بقوله ذلك أن كثرة المذي وفحشه في البدن والثوب لا يمنع المصلي من تمام صلاته ، وليس كذلك ابتداءه ، لأنه يؤمر بغسل الكثير الفحش منه قبل دخوله في الصلاة ، ولا يؤمر بقطعها . وفي رواية ابن القاسم ، عن مالك ، في هذا الحديث ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قَالَ يحيى بن سعيد : وأخبرني من كان عند سعيد أنه قَالَ للرجل : فإذا انصرفت إلى أهلك فاغسل ثوبك . قَالَ يحيى : وأما أنا فلم أسمعه منه . وهذه الزيادة رواها يحيى بن مسكين وغيره عن ابن القاسم ، وهي توضح لك ما فسرنا ، وبالله توفيقنا . ذكر ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، أن كثير بن فرقد ، حدثه أن عبد الرحمن الأعرج ، حدثه أن عمر بن الخطاب ، قَالَ : إني لأجد المذي ينحدر مني مثل الجمان أو اللؤلؤ ، فما التفت إليه ولا أباليه . وهذا يدل أن عمر استنكحه أمر المذي ، وغلب عليه ، وسلس منه كما يسلس البول ، فقال فيه القول . وهذا خلاف القول الذي حكى عنه أسلم مولاه في حال الصحة ، على ما في الموطأ . وذكر ابن أبي ذئب في موطئه ، عن أخيه المغيرة بن عبد الرحمن ، أنه قَالَ : كان يخرج مني المذي ، قَالَ : فربما توضأت المرتين والثلاث ، فأتيت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، فسألته فقال : والله ما أدري ، ائت القاسم بن محمد فسله ، عسى أن تجد عنده علما . قَالَ : فجئت القاسم فسألته ، فقال : إنما ذلك من الشيطان فاله عنه ، فلهوت عنه ، فانقطع عني . وهذا الباب فيمن كان خروج المذي منه لعلة وفساد ، لا لصحة وشهوة ، وهو الذي يسميه أصحابنا المستنكح ، وهو صاحب السلس الذي لا ينقطع مذيه أو بوله لعلة نزلت به من كبر ، أو برد ، أو غير ذلك . وقد أجمع العلماء على أنه لا يسقط ذلك عنه فرض الصلاة ، وأن عليه أن يصليها في وقتها على حالته تلك ، إذ لا يستطيع غيرها . واختلفوا في إيجاب الوضوء عليه للصلاة مع حاله تلك ، فذهب مالك أنه لا يجب له الوضوء لكل صلاة ، ولكنه يستحب له ذلك ، اعتبارا بالمستحاضة . والوضوء عنده لها استحباب أيضا . وحجته قوله تعالى : أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ سورة النساء آية 43 ، والمائدة ، وذلك لما كان معتادا معروفا قصد الغائط من أجله ، ولأن دم المستحاضة دم عرق ، ولا يوجب ذلك عنده وضوءا . وقد مضى في باب الأحداث وجه قوله ، ويأتي القول في المستحاضة في موضعه إن شاء الله . وقال الشافعي : يتوضأ لكل صلاة . وقال الأوزاعي : يجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد . وقال الثوري ، والأوزاعي والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : الوضوء على المستحاضة واجب لكل صلاة ، رووا في ذلك آثارا سنذكرها أو بعضها في بابها إن شاء الله . وقالوا : تؤدى صلاتها على تلك الحال ، فكذلك وضوءها . وكذلك قَالَ لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي ، وتوضئي لكل صلاة " . وسنوضح ذلك في باب المستحاضة إن شاء الله .