حدثنا أبو أسامة ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن يزيد بن أبي حبيب ، قال : كتب إليَّ الزهري أن رجلا طلق امرأته ، وهي ترضع ابنا له , فمكثت سبعة أشهر ، أو ثمانية أشهر لا تحيض , فقيل له : إن مت ورثتك . فقال : احملوني إلى عثمان . فحملوه , فأرسل عثمان إلى علي ، وزيد ، فسألهما ، فقالا : نرى أن ترثه . فقالا : لأنها ليست من اللاتي يئسن من المحيض , ولا من اللاتي لم يحضن , وإنما يمنعها من الحيض الرضاع . فأخذ الرجل ابنه منها , فلما فقدته حاضت حيضة , ثم حاضت في الشهر الثاني حيضة أخرى , ثم مات قبل أن تحيض الثالثة فورثته .
قال : وحدثنا أبو خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، أن جده حبان بن منقذ ، كانت عنده امرأتان : امرأة من بني هاشم , وامرأة من الأنصار , وأنه طلق الأنصارية ، وهي ترضع , وكانت إذا أرضعت مكثت سنة لا تحيض , فمات حبان عن رأس السنة ، فورَّثها عثمان ، وقال للهاشمية : هذا رأي ابن عمك علي بن أبي طالب . وفي هذا الباب : قال مالك : السنة عندنا أن الرجل إذا طلق امرأته وله عليها رجعة , فاعتدت بعض عدتها , ثم ارتجعها , ثم فارقها قبل أن يمسها , أنها لا تبني على ما مضى من عدتها , وأنها تستأنف من يوم طلقها عدة مستقبلة , وقد ظلم زوجها نفسه , وأخطأ ، إن كان ارتجعها ، ولا حاجة له بها . قال أبو عمر : على هذا أكثر أهل العلم , لأنها في حكم الزوجات المدخول بهن في النفقة ، والسكنى ، وغير ذلك , وكذلك تستأنف العدة من يوم طلقت . وهو قول جمهور أهل الكوفة , والبصرة , ومكة , والمدينة , والشام . وقال الثوري : أجمع الفقهاء عندنا على ذلك . وقال عطاء بن أبي رباح ، وفرقة : تمضي في عدتها من طلاقها الأول . وهو أحد قولي الشافعي . قال أبو عمر : لأن طلاقه لها إذا لم يمسها في حكم من طلقها في عدتها قبل أن يراجعها , ومن طلق امرأته في كل طهر مرة وبنت لم تستأنف . وقال داود : ليس عليها أن تتم عدتها , ولا عدة مستقبلة . قال أبو عمر : لأنها مطلقة قبل الدخول ، وشذ في ذلك . قال أبو عمر : فلو كانت بائنة منه غير مبتوتة , فتزوجها في العدة ، ثم طلقها قبل الدخول , فقد اختلفوا في ذلك أيضا : فقال مالك ، والشافعي ، وزفر ، ومحمد ، وعثمان البتي : لها نصف الصداق , وتتم بقية العدة الأولى . وهو قول الحسن ، وعطاء ، وعكرمة ، وابن شهاب . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، والثوري ، والأوزاعي : لها مهر للنكاح الثاني ، وعدة مستقبلة . جعلوها في حكم المدخول بها ، لاعتدادها من مائة , وليس عندي بشيء , والله أعلم . وقال داود : لها نصف الصداق , وليس عليها بقية العدة الأولى ، ولا عدة مستقبلة بشيء أيضا . قال مالك : والأمر عندنا أن المرأة إذا أسلمت ، وزوجها كافر , ثم أسلم , فهو أحق بها ما دامت في عدتها , فإن انقضت عدتها , فلا سبيل له عليها , وإن تزوجها بعد انقضاء عدتها , لم يعد ذلك طلاقا , وإنما فسخها منه الإسلام بغير طلاق . قال أبو عمر : قد ذكرنا ما للعلماء في أحكام الكافر يسلم قبل زوجته , والكافرة قبل زوجها , في باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته , من هذا الكتاب . والفرق بين الفسخ ، والطلاق , وإن كان كل واحد منهما فراقا بين الزوجين , أن الفسخ إذا عاد الزوجان بعده إلى النكاح , فهما على العصمة الأولى , وتكون المرأة عند زوجها ذلك على ثلاث تطليقات , ولو كان طلاقا ، ثم راجعها , كانت عنده على طلقتين . وأما اختلاف الفقهاء في إنابة الزوج من الإسلام , إذا أسلمت زوجته ، وهما ذميان ، وفرق بينهما : فقال مالك ، وأبو يوسف ، والشافعي : الفرقة بينهما فسخ ، وليس طلاق . إلا أن مالكا ، والشافعي ، يقولان : إنما تقع الفرقة بينهما بمضي ثلاث حيض قبل أن يسلم . على ما قدمنا ذكره عنهما في بابه من هذا الكتاب . وقال أبو يوسف : إذا أبى أن يُسلم فرق بينهما . على ما ذكرنا من مذهبه , ومذهب أصحابهم في ذلك الباب أيضا . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، ومحمد بن الحسن : إذا أبى الزوج أن يسلم يفرق بينهما ، فهو طلاق . قال أبو عمر : من جعله هو شيء دخل على الزوج لم يقصده ، فكأنه غلب عليه , فاشتبه , أو شرى أحدهما صاحبه , وإنما الطلاق ما اختص به الزوج طلاقا . قال إيابة : الزوج من الإسلام اختصاص منه بالفرقة , واختيار لها . فكذلك الفرقة بينهما طلاق , والله أعلم .