وَحدثني أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ° ، عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالا : حدثني قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حدثني الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ° ، قَالَ : حدثني يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ° ، قَالَ : حدثني عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ° فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّكَ لَتَسْأَلُ سُؤَالَ رَجُلٍ قَدْ تَبَحَّرَ فِي الْعِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ ، قَالَ : قُلْتُ : إِنِّي بِأَرْضٍ أَسْأَلُ بِهَا ، قَالَ : فَكَيْفَ وَجَدْتَ مَا أَفْتَيْتُكَ بِهِ مِمَّا يُفْتِيكَ بِهِ غَيْرِي مِمَّنْ سَأَلْتَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؟ قُلْتُ : وَافَقْتَهُمْ إِلا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ ، قَالَ : وَمَا هِيَ , قُلْتُ : سَأَلْتُكَ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا أَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا أَمْ تَنْتَقِلُ إِلَى أَهْلِهَا ؟ فَقُلْتَ : تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ شَأْنِهَا , أَنَّهَا لَمَّا طُلِّقَتْ اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا ، وَآذَتْهُمْ بِلِسَانِهَا , فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، قَالَ : قُلْتُ : لَئِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ إِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةً حَسَنَةً ، مَعَ أَنَّهَا أَحْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، وَلا بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ .
قال أبو عمر : قد ذكرنا من الحجة لهذا القول وغيره في التمهيد , ما فيه شفاء لمن طلب العلم لله عز وجل ، وأما قوله : اعتدي في بيت أم شريك , ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي , اعتدي في بيت ابن أم مكتوم . ففيه دليل على أن المرأة المتجالة , العجوز الصالحة , جائز أن يغشاها الرجال في بيتها ويتحدثون عندها ، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم ويرونها وتراهم فيما يحل ويجمل , وينفع ولا يضر ، قال الله عز وجل : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ سورة النور آية 60 . والغشيان في كلام العرب الإلمام والورود . قال حسان بن ثابت : يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم , تلك امرأة يغشاها أصحابي ، أن يلمون بها ويردون عليها ، ويجلسون عندها , وفي رواية الشعبي في هذا الحديث في أم شريك , تلك امرأة يتحدث عندها , وفي رواية أبي بكر بن أبي الجهم ، أن بيت أم شريك يغشى , وفي حديث ابن الزبير ، أن بيت أم شريك يوطأ , وقد ذكرنا الأسانيد بهذه الألفاظ في التمهيد , وفي ذلك دليل على أن القوم كانوا يتحدثون بالمعاني , وفي رواية ابن عيينة ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن فاطمة بنت قيس في هذا الحديث قالت : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستتر مني , وأشار سفيان ابن عيينة بيده على وجهه , وفي حديث قيلة بنت مخرمة في قدومها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بيده خلفه ، وقال ولم ينظر إلي : " يا مسكينة عليك السكينة " . وفي حديث بريدة الأسلمي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه : " لا تتبع النظرة النظرة , فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ، وقال : جرير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة ؟ فقال : " غض بصرك , وهذه الآثار وما كان مثلها في معناها , يدلك على أن قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم ، تضعين ثيابك ولا يراك ، أراد به الإعلان بأن نظر الرجل إلى المرأة , وتأمله لها , وتكرار بصره في ذلك لا يجوز له , لما فيه من داعية الفتنة . وفي حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن فاطمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها : انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم ، فإنه رجل قد ذهب بصره , فإن وضعت شيئا من ثيابك لم ير شيئا , وفي هذا الحديث دليل على جواز نظر المرأة الرجل الأعمى ، وكونها معه , وإن لم تكن ذات محرم منه , في دار واحدة وبيت واحد , وفي ذلك ما يرد حديث نبهان ، مولى أم سلمة ، عن أم سلمة ، قالت : كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى ، فقال : " احتجبا منه " ، فقلنا : يا رسول الله أليس بأعمى ولا يبصرنا ؟ قال : فعمياوان أنتما ؟ " ففي هذا الحديث نهيه عن نظرهما إلى ابن أم مكتوم ، وفي حديث فاطمة إباحة نظرها إليه ، ويشهد لحديث نبهان هذا ظاهر قول الله تعالى : وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ سورة النور آية 31 . كما قال : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ سورة النور آية 30 . ويشهد لذلك من طريق الغيرة , أن نظرها إليه كنظره إليها . وقد قال بعض الأعراب : لأن ينظر إلى وليتي عشرة رجال خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد , ومن قال بحديث فاطمة احتج بصحة إسناده , وأنه لا مطعن لأحد من أهل العلم بالحديث فيه ، وقال إن نبهان مولى أم سلمة : ليس ممن يحتج بحديثه ، وزعم أنه لم يرو إلا حديثين منكرين ، أحدهما هذا , والآخر عن أم سلمة ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم , في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي به كتابته احتجبت منه سيدته . ومن صحح حديث نبهان ، قال : أنه معروف , وقد روى عنه ابن شهاب ولم يأت بمنكر , وزعم أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الحجاب لسن كسائر النساء ، قال الله عز وجل : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ سورة الأحزاب آية 32 . وقال : إن نساء النبي ، عليه السلام ، لا يكلمن إلا من وراء حجاب , متجالات كن أو غير متجالات ، وقال : الستر والحجاب عليهن أشد منه على غيرهن , لظاهر القرآن , وحديث نبهان ، عن أم سلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما قولها : إن أبا معاوية ، وأبا جهم بن هشام خطباني , فقد وهم فيه يحيى بن يحيى صاحبنا وغلط غلطا سمحا ، لأنه ليس في الصحابة أحد يقال له : أبو جهم بن هشام ، ولا قاله أحد من رواة مالك لهذا الحديث ، ولا غير مالك ، وإنما هو أبو جهم ، هكذا جاء ذكره في هذا الحديث عند جماعة رواته غير منسوب ، وهو أبو جهم بن حذيفة بن غانم العدوي القرشي . وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما يكفي من ذلك من ذكره ، وأظن يحيى شُبِّه عليه بأبي جهل بن هشام والله أعلم . وفي ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنكار على فاطمة , وقولها إن معاوية ، وأبا جهم خطباني ولا أنكر عليها ذلك , بل خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد ، دليل على صحة ما قدمنا ذكره في أول كتاب النكاح ، عن مالك وغيره من العلماء ، أن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ليس على ظاهره , وأن المعنى فيه الركون والميل والمقاربة , فإذا كان ذلك لم يجز حينئذ أن يخطب أحد على خطبة أخيه ، وهذا في معنى نهيه صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع أخيه ، وفي هذا الحديث دليل على أن من أَخبر على أخيه , لمن يستنصحه فيه , عند الخِطبة , لما هو عليه من الخلق المذموم المعيب , فليس بمغتاب ، وأما قوله ذلك ليس بغيبة , وأنه جائز حسن من النصيحة التي هي الدين , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له , فإن الدين النصيحة لله عز وجل ولكتابه , ولرسوله , ولأئمة المسلمين وعامتهم " . وفي هذا الباب سؤال الحاكم عن الشاهد عنده , فواجب على المسئول أن يقول فيه الحق الذي يعلمه , لينفذ القضاء فيه بما أمره الله عز وجل به , من رد شهادته للفسق , أو قبولها للعدالة , وفي قوله : " صعلوك لا مال له " دليل على أن المال من واجبات النكاح وخصال الناكح , وأن الفقر من عيوبه , وأنه لو بين أو عرف ذلك منه ورضي به لجاز , كسائر العيوب , وأما قوله : " لا يضع عصاه عن عاتقه " ، ففيه دليل على أن المفرط في الوصف لا يلحقه الكذب , والمبالغ في النعت بالصدق لا يدركه الذم . ألا ترى أن رسول الله , صلى الله عليه وسلم , قال في أبي جهم : " لا يضع عصاه عن عاتقه " ، وهو قد ينام , ويصلي , ويأكل , ويشرب , ويشتغل بما يحتاج إليه من شغله في دنياه , وإنما أراد المبالغة في أدب النساء باللسان واليد , وربما يحسن الأدب بمثله , كما يصنع الوالي في رعيته , وقد روي عن النبي , صلى الله عليه وسلم , أنه قال لرجل أوصاه : " لا ترفع عصاك عن أهلك , وأخفهم في الله عز وجل " . وروي عنه ، عليه السلام ، أنه قال : " علق سوطك حيث يراه أهلك " . والعرب تكنى بالعصاة عن أشياء كثيرة , منها الطاعة والألفة , ومنها الإخافة والشدة , وقد أشبعنا هذا المعنى في التمهيد , وأتينا بما قيل في معنى العصا أو وجوهها بالشواهد في الشعر وغيره هناك , والحمد لله تعالى .