حَدَّثَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْحَلَبِيُّ ° ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِيُّ ° ، بِحِمْصَ ، حدثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدَ ° ، حدثنا شُعَيْبُ بْنُ شَابُورَ ° ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ° ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ وَلَا يَتَوَضَّأُ " .
وذكر ابن أبي شيبة ، قَالَ : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنه قبل بعض نسائه ، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ ، فقلت : من هي إلا أنت ؟ فضحكت " وهذا الحديث عندهم معلول ، فمنهم من قَالَ : لم يسمع حبيب من عروة . ومنهم من قَالَ : ليس هو عروة بن الزبير . وضعفوا هذا الحديث ودفعوه ، وصححه الكوفيون وثبتوه ، لرواية الثقات أئمة الحديث له وحبيب بن أبي ثابت لا ينكر لقاؤه عروة ، لروايته عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم موتا ، وهو إمام من أئمة العلماء الجلة . وروي عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي عليه السلام قبل وهو صائم ، وقال : " إن القبلة لا تنقض الوضوء " . وهذا عند الحجازيين خطأ ، وإنما هو لا تنقض الصوم وذكر ابن أبي شيبة ، قَالَ : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي روق ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة : " أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل ، ثم صلى ، ولم يتوضأ " وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، مثله . وهو مرسل لا خلاف فيه ، لأنه لم يسمع إبراهيم التيمي ، عن عائشة ، ولم يروه أيضا غير أبي روق ، وليس فيما انفرد به حجة . وقال الكوفيون : أبو روق ثقة ، ولم يذكره أحد بجرحة . ومراسل الثقات عندهم حجة ، وإبراهيم التيمي أحد العباد الفضلاء . وذكر عبد الرزاق ، عن الأوزاعي ، قَالَ : أخبرني عمرو بن شعيب ، عن امرأة أسماها سمعت عائشة ، تقول : " كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ ، ثم يخرج إلى الصلاة فيقبلني ، ثم يمضي إلى الصلاة فما يحدث وضوءا " وهذه المرأة التي روى عمرو بن شعيب عنها هذا الحديث مجهولة ، قيل : هي زينب السهمية ، ولا تعرف أيضا . وذكر عبد الرزاق ، عن إبراهيم بن محمد ، عن معبد بن نباتة ، عن محمد بن عمرو ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : " قبلني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم صلى ، ولم يحدث وضوءا " . وذكر الزعفراني ، عن الشافعي ، قَالَ : لو ثبت حديث معبد بن نباتة في القبلة لم أر فيها شيئا ولا في اللمس . ولا أدري كيف معبد بن نباتة هذا ؟ فإن كان ثقة فالحجة ، فيما روي عن النبي عليه السلام قال أبو عمر : هو مجهول لا حجة فيما رواه عندنا . وإبراهيم بن أبي يحيى عند أهل الحديث ضعيف ، متروك الحديث . والحجة لنا على من لم ير الملامسة إلا الجماع ، أن إطلاق الملامسة لا تعرف العرب منه ، إلا اللمس باليد . وقد بينا وجه اعتبار اللذة في ذلك ، قَالَ الله تعالى : فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ سورة الأنعام آية 7 وقال عليه السلام : " اليدان تزنيان " ، وزناهما اللمس . ومنه بيع الملامسة ، وهو لمس الثوب باليد . تقول العرب : لمست الثوب والحائط ونحو هذا . وقرئت الآية : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ سورة النساء آية 43 وذلك يفيد اللمس باليد ، وحمل الظاهر والعموم على التصريح أولى ، من حمله على الكناية . وقد روى عبد الله بن عمير ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل ، قَالَ : أتى رجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسأله عن رجل أتى امرأة لا تحل له ، فأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته إلا الجماع ، فقال النبي عليه السلام : " يتوضأ وضوءا حسنا " ، فأمره بالوضوء لما نال منها ما دون الجماع وهذا هو المذهب ، لأن ابن أبي ليلى لم يلق معاذا ولا أدركه ، ولا رآه . وسيأتي من القول في لمس ذوات المحارم ذكر عند ذكر أبي قتادة في حمل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمامة ابنة ابنته زينب في الصلاة ، وهو يبطل ما ذهب إليه الشافعي في أحد قوليه في لمس ذوات المحارم ، واستدلال بعموم الظاهر ، ولأنهن من جنس ما يقصد باللمس للذة كالزوجات والأجنبيات . ولا معنى لهذا الاعتبار إذا صحت بخلافه الآثار . وفي حديث عائشة إذ قالت : " فقدت رسول الله ، فالتمسته ، فوقعت يدي على ظاهر قدمه وهو يصلي " ، دليل على أن كل لمس لا يتولد معه لذة ، فليس من معنى الآية في الملامسة . وقد جعل جمهور السلف القبلة من الملامسة ، وهي بغير اليد فدل على أن الملامسة وإن كانت في الأغلب في اليد فإن المعنى فيها التقاء البشرتين ، فبأي عضو وقعت ومعها شهوة ، فيلتذ . وهذا تحصيل مذهب مالك عند جماعة أصحابه ، واللامس والملموس عند مالك وأصحابه سواء التذ أو من التذ منهما . والشعر من أبعاض الملموس سواء عندهم مع وقوع اللذة ، وخالفنا الشافعي في الشعر . وللشافعي في الملموس قولان : أحدهما أن لا وضوء عليه لحديث عائشة المذكور . وهو قول داود ، قَالَ : لأن الله لم يقل : أو لمسكم النساء . والقول الآخر : عليه الوضوء كقول مالك وأصحابه ، لأنه ملتذ بلمس يوجب الوضوء ، وهما متلامسان ، والمعنى فيهما ، وجود اللذة . وأصحابنا يوجبون الوضوء على من لمس مع الحائل إذا كان رقيقا ، وكانت اللذة موجودة مع اللمس . وجمهور العلماء يخالفونهم في ذلك ، وهو الحق عندي ، لأن اللذة إذا تعرت من اللمس ، لم توجب وضوءا بإجماع ، وكذا اللمس إذا تعرى من اللذة لم يوجب وضوءا عند أصحابنا . ومن لمس الثوب والتذ ، فقد التذ بغير مباشرة ، ولا مماسة ، ولا ملامسة ، وبالله التوفيق .