181 أخبرنا أَبُو سعيد خليل بْن كيكلدى الْحَافِظ ° ، سماعا فيما أحسب ، فإن لم يكن فهو إجازة ، قَالَ : أخبرنا الْقَاسِمُ بْنُ الْمُظَفَّرِ ° ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، عن عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° وَغَيْرِهِ ، أخبرنا عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ يُوسُفَ ° ، أخبرنا عَمِّي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ° ، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ° ، حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الإِصْطَخْرِيُّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ ° ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ ° ، حدثنا أَبِي ° ، حدثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ° ، حدثنا ابْنُ إِسْحَاقَ ° ، عن الْمِنْهَالِ بْنِ الْجَرَّاحِ ° ، عن حَبِيبِ بْنِ نَجِيحٍ ° ، عن عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ° ، عن مُعَاذٍ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَلا يَأْخُذَ مِنَ الْكَسْرِ شَيْئًا : " إِذَا كَانَتِ الْوَرِقُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَخُذْ مِنْهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَلا تَأْخُذْ مِمَّا زَادَ شَيْئًا ، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَخُذْ مِنْهَا دِرْهَمًا " . قال الدارقطني : هذا حديث ضعيف ، والمنهال بْن الجراح هو الجراح بْن المنهال ، كان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى عنه ، وهو متروك الحديث ، وعبادة بْن نسي لم يسمع من معاذ رضي اللَّه عنه شيئا .
ومن المسائل والفوائد والغرائب عنه قال : ينتقض الوضوء بمس الأمرد . وَقَالَ : إذا ولي القضاء غير مجتهد ، ووافق حكمه الحق نفذت تلك الحكومة ، نقله ابن عبدان فِي كتاب ( شرائط الأحكام ) . وقال : إن للأم التصرف فِي مال الصبي بعد الجد مقدمة على الوصي . وقيل : إنما الثابت عنه أنها تتصرف بعد الوصي ، حكاه ابن يونس عن بعض المتأخرين . واشتهر قوله : إن للحاضر الراكب ترك الاستقبال فِي النافلة ، وأنه كان يفعله وهو على حسبة بغداد ، واحتج بأن المقيم يحتاج إلى التردد فِي حال إقامته كالمسافر . قال الرافعي : وعلى هذا فالراكب والراجل سواء ، ولك الفرق بمشقة الاستقبال على الراكب ، ثم صورة الراجل منقولة ، حكى فيها القاضي الْحُسَيْن وجهين تفريعا على الراكب . ونقل النووي فِي ( شرح المهذب ) عن الإصطخري التجويز للراكب والماشي ، والمحفوظ عنه إنما هو فِي الراكب فقط . قال القاضي شريح فِي ( أدب القضاء ) : إذا شهدا عند القاضي بحق ، فكتب به القاضي إلى قاض آخر ، وأشهد الشاهدين اللذين شهدا على المحكوم عليه بالكتاب ، قَالَ الإصطخري : لا يجوز . وَقَالَ غيره : يجوز ، وقطع به العبادي ؛ لأن القبول فعل القاضي ، فقبلت عليه شهادته كما تقبل شهادة المرضعة ؛ لأنها شهادة على وصول اللبن إلى جوف الصبي . قال الزيادي : وعلى هذا أدركت القضاة من غير نكير من العلماء ، وعليه تفقهت وفقهت الناس ، ولولاه ما جازت شهادة أب وابن لأجنبي . قلت : وعليه العمل إلى اليوم ، يشهد الشاهدان عند حاكم ، فيحكم بشهادتهما ويشهدهما على حكمه ، فيؤديان شهادتهما على حكمه عند آخر فينفذ حكمه بشهادتهما . وقد اقتصر القاضي أَبُو سعد فِي كتاب ( الإشراف ) على قول العبادي ، والشيخ أَبِي طاهر ، ومن كتابه أخذ شريح ما نقله عنهما ، وزاد شريح ، فَقَالَ : ولأصحابنا وجه فِي الحكم بشهادة أب وابن أنه لا يجوز . قال شريح : وإذا وصل كتاب الحكم ، وشهد الشاهدان على الكتاب ، فقد قيل : يلزم الحاكم المكتوب إليه أن ينفذ حكمه ، ويقول : قبلت حكمه وكتابته ، وأوجبت على المحكوم ما أوجبه الحاكم فِي الكتاب . وعلى هذا لو شهد شاهدان عدلان ، فهل يحتاج أولا أن يقول : قبلت شهادة هؤلاء الشهود بما شهدوا به ، ثم يقول : وحكمت بكذا على فلان بجميع ما أوجبته شهادة الشهود ، أم يكفيه إن ثبتت عنده عدالة الشهود ، ثم يقول : حكمت بكذا ، ولا يذكر قبل الحكم أنه قبل شهادة الشهود ؟ وجهان . وعلى هذا لو كتب الحاكم إلى حاكم بأنه شهد عندي عدلان ، لرجل سماه على فلان ، ولم يذكر فِي الكتاب أنه ثبت عنده بشهادتهما ، ولم يقل : قبلت شهادتهما . وإنما نقل الشهادة فقط ، فهل يجوز للمكتوب إليه أن يحكم فيه ؟ وجهان . هذا كله كلام شريح فِي كتابه فِي ( أدب القضاء ) ، ولم أجده بجملته فِي غيره ، وفيه غرائب وفوائد . وسيأتي إن شاء اللَّه فِي ترجمة شريح قول الإصطخري ، فيمن استأجر رجلا أن يحمل له كتابا إلى آخر ، ويأتي بجوابه ، فأوصل الكتاب ، ولم يكتب المكتوب إليه الجواب أن للحامل الأجرة بكمالها ؛ لأنه لا يلزمه أكثر مما عمل ، والامتناع من غيره . قال : وكذا لو مات الرجل ، فأوصل الكتاب إلى نائبه من وارث أو وصي أجابوه أم لم يجيبوه إلى آخر كلامه . قلت : وهي مسألة مليحة ، غير أن عندنا وقفة فِي كتاب مراسلة ، يحمله أمين متبرع مستأجر ، فلا يجد المكتوب إليه ، إما لموته أو لغير ذلك ، فهل له أن يوصله إلى وارثه أو وصيه أو الحاكم أو أهله ونحو ذلك ؛ لقيامهم مقامه ، أو ليس له ذلك ؛ لأن العادة قد تقضي بأن الكاتب لا يعجبه وقوف غير المكتوب عليه على ما كتب ، وكذلك المكتوب إليه . والذي يقع لي فِي هذا أنه إن غلب على ظنه أن فِي الكتاب ما يكره الكاتب أو المكتوب إليه ، وقوف غيرهما عليه لم يجز له أن يدفعه إلى من ذكرناه ، ودفعه حينئذ خيانة تسقط أجرته بكمالها لو كان مستأجرا . والبلوى تعم بمثل هذا الفرع فليتنبه له ، فلقد حضر شخص بكتاب إلى آخر وجده غائبا ، فأوصله إلى من ظنه يقوم مقامه ؛ لكونه صاحبا له ، فأورث ذلك الكتاب فتنة خربت بيت الكاتب والمكتوب إليه ، فلا ينبغي أن يوصل كتاب مراسلة إلى من يجوز العقل كراهية الكاتب أو المكتوب إليه وقوف غيرهما عليه ، بل ينبغي أن يكون تحريم ذلك مغلظا . ولقد كتب عم والدي القاضي صدر الدين يحيى ، وهو على قضاء بلبيس كتابا إلى قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز ، عندما عزل ، وولي قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة يسأل عن خاطره وفاء بحقه عليه ، فاشتبه الأمر على الرسول ، وأوصل الكتاب إلى ابن جماعة ، فكان ذلك سبب عزل عم الوالد فِي فتنة طويلة ، لم يكن منشؤها غير اتصال الكتاب إلى من ظن أنه له . وكتب آخر كتابا إلى قاضي القضاة جلال الدين ، فجاء الرسول فصادفه عزل من مصر ، وسافر إلى الشام فأوصل الكتاب إلى قاضي القضاة إذ ذاك عز الدين بْن جماعة رحمه اللَّه ، فأوجب عزل الكاتب ، وسقوطه من عين قاضي القضاة عز الدين ، ونقصان حظه منه إلى أن ماتا جميعا ورحمهما اللَّه . فلا ينبغي أن يكون الرسول إلا حكيما ، ثم يوصي مع كونه حكيما ، والواو فِي قولهم : أرسل حكيما ولا توصه ؛ للحال ، فافهم ما نشير إليه .