فيما كتب إلي به أَحْمَد بْن أَبِي طالب من دمشق ، قَالَ : كتب إلي الْحَافِظ أَبُو عَبْد اللَّه بْن النجار ، من بغداد ، قَالَ : أخبرني أَبُو عبيد اللَّه الْحَافِظ بأصبهان ، أخبرنا أَبُو القاسم بْن إسماعيل الصيرفي ، أخبرنا يحيى بْن عَبْد الوهاب بْن منده ، قَالَ : سمعت أَبَا الفضل المقدسي ، يقول : سمعت عَبْد الوهاب الأنماطي ، يذكر أنه وجد بخط الخطيب : سألت مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم العطار مستملي أَبِي نعيم ، عن جزء مُحَمَّد بْن عاصم ، كيف قرأته على أَبِي نعيم ، وكيف رأيت سماعه ؟ فَقَالَ : أخرج إلي كتابا ، وَقَالَ : هذا سماعي ، فقرأته عليه
قلنا : ليس فِي هذه الحكاية طعن على أَبِي نعيم ، بل حاصلها أن الخطيب لم يجد سماعه بهذا الجزء ، فأراد استفادة ذلك من مستمليه ، فأخبره بأنه اعتمد فِي القراءة على إخبار الشيخ ، وذلك كاف . ثم قَالَ الطاعنون ثالثا : وقد قَالَ الخطيب أيضا : رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها ، منها أنه يقول فِي الإجازة : أخبرنا من غير أن يبين . قلت : هذا لم يثبت عن الخطيب ، وبتقدير ثبوته فليس بقدح ، ثم إطلاق أخبرنا فِي الإجازة مختلف فيه ، فإذا رآه هذا الحبر الجليل ، أعني : أَبَا نعيم ، فكيف يعد منه تساهلا ، ولئن عد فليس من التساهل المستقبح ، ولو حجرنا على العلماء ألا يرووا إلا بصيغة مجمع عليها لضيعنا كثيرا من السنة . وقد دفع الْحَافِظ أَبُو عَبْد اللَّه بْن النجار قضية جزء مُحَمَّد بْن عاصم بأن الحفاظ الأثبات ، رووه عن أَبِي نعيم ، وحكينا لك نحن أن أصل سماعه وجد ، فطاحت هذه الخيالات ، ونحن لا نحفظ أحدا تكلم فِي أَبِي نعيم بقادح ، ولم يذكر بغير هذه اللفظة التي عزيت إلى الخطيب ، وقلنا : إنها لم تثبت عنه ، والعمل على إمامته وجلالته ، وأنه لا عبرة بهذيان الهاذين ، وأكاذيب المفترين . على أن لا نحفظ على أحد فيه كلاما صريحا فِي جرح ، ولو حفظ لكان سبة على قائله ، وقد برأ اللَّه أَبَا نعيم من معرته . وقال الْحَافِظ ابن النجار : فِي إسناد ما حكي عن الخطيب ، غير واحد ممن يتحامل على أَبِي نعيم ، لمخالفته لمذهبه وعقيدته ، فلا يقبل . قال شيخنا الذهبي : والتساهل الذي أشير إليه شيء كان يفعله فِي الإجازة نادرا . قال : فإنه كثيرا ما يقول : كتب إلي جعفر الخلدي ، كتب إلي أَبُو العباس الأصم ، أخبرنا أَبُو الميمون بْن راشد فِي كتابه . قال : ولكن رأيته يقول : أخبرنا عَبْد اللَّه بْن جعفر ، فيما قرئ عليه ، قَالَ : والظاهر أن هذا إجازة . قلت : إن كان شيخنا الذهبي يقول ذلك فِي مكان غلب على ظنه أن أَبَا نعيم لم يسمعه بخصوصه من عَبْد اللَّه بْن جعفر ، فالأمر مسلم إليه ، فإنه ، أعني شيخنا ، الحبر الذي لا يلحق شأوه فِي الحفظ ، وإلا فأبو نعيم قد سمع من عَبْد اللَّه بْن جعفر ، فمن أين لنا أنه يطلق هذه العبارة حيث لا يكون سماع ثم ، وإن أطلق إذ ذاك فغايته تدليس جائز ، قد اغتفر أشد منه لأعظم من أَبِي نعيم ، ثم قَالَ الطاعنون رابعا : قَالَ يحيى بْن منده الْحَافِظ : سمعت أَبَا الْحُسَيْن القاضي يقول : سمعت عَبْد العزيز النخشبي يقول : لم يسمع أَبُو نعيم مسند الحارث بْن أَبِي أسامة بتمامه ، فحدث به كله . قلنا : قَالَ الْحَافِظ ابن النجار : وهم عَبْد العزيز فِي هذا ، فأنا رأيت نسخة من الكتاب عتيقة ، وعليها خط أَبِي نعيم يقول : سمع مني فلان إلى آخر سماعي من هذا المسند من ابن خلاد ، فلعله روى الباقي بالإجازة .