← طبقات الشافعية الكبرى
طبقات الشافعية الكبرى
#309 2 : 444 ☰ محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن…
A− A+

كتب إلي أَحْمَد بْن أَبِي طالب ، عن جعفر الهمداني ، أخبرنا أَبُو طاهر السلفي ، قَالَ : سمعت إسماعيل بْن عَبْد الجبار القاضي بقزوين ، يقول : سمعت الخليل بْن عَبْد اللَّه الْحَافِظ ، يقول : فذكر الحاكم أَبَا عَبْد اللَّه وعظمه ، وَقَالَ : له رحلتان إلى العراق ، والحجاز ، الرحلة الثانية سنة ثمان وثلاثين ، وناظر الدارقطني فرضيه ، وهو ثقة ، واسع العلم ، بلغت تصانيفه قريبا من خمس مائة جزء .

وقال أَبُو حازم عمر بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم العبدوي الْحَافِظ : إن الحاكم أَبَا عَبْد اللَّه قلد قضاء نسا سنة تسع وخمسين ، فِي أيام السامانية ، ووزارة العتبي ، فدخل الخليل بْن أَحْمَد السجزي القاضي على أَبِي جعفر العتبي ، فَقَالَ : هنأ اللَّه الشيخ ، فقد جهز إلى نسا ثلاث مائة ألف حديث لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فتهلل وجهه . قَالَ : وقلد بعد ذلك قضاء جرجان ، فامتنع . قال : وسمعت مشيختنا ، يقولون : كان الشيخ أَبُو بَكْر بْن إسحاق ، وأبو الوليد النيسابوري يرجعان إلى أَبِي عَبْد اللَّه الحاكم فِي السؤال عن الجرح والتعديل ، وعلل الحديث ، وصحيحه وسقيمه . قال : وأقمت عند الشيخ أَبِي عَبْد اللَّه العصمي قريبا من ثلاث سنين ، ولم أر فِي جملة مشايخنا أتقى منه ، ولا أكثر تنقيرا ، فكان إذا أشكل عليه شيء أمرني أن أكتب إلى الحاكم أَبِي عَبْد اللَّه ، وإذا ورد جوابه حكم به ، وقطع بقوله ، وانتخب على المشايخ خمسين سنة . وحكى القاضي أَبُو بَكْر الحيري : أن شيخا من الصالحين حكى أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النوم ، قَالَ : فقلت له : يا رسول اللَّه ، بلغني أنك قلت : ولدت فِي زمن الملك العادل ، وإني سألت الحاكم أَبَا عَبْد اللَّه عن هذا الحديث ، فَقَالَ : هذا كذب ، ولم يقله رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : صدق أَبُو عَبْد اللَّه . قَالَ أَبُو حازم : أول من اشتهر بحفظ الحديث وعلله بنيسابور ، بعد الإمام مسلم بن الحجاج ، إِبْرَاهِيم بْن أَبِي طالب ، وكان يقابله النسائي ، وجعفر الفريابي ، ثم أَبُو حامد بْن الشرقي ، وكان يقابله أَبُو بَكْر بْن زياد النيسابوري ، وأبو العباس بْن سعد ، ثم أَبُو علي الْحَافِظ ، وكان يقابله أَبُو أَحْمَد العسال ، وإبراهيم بْن حمزة ، ثم الشيخان أَبُو الْحُسَيْن الحجاج ، وأبو أَحْمَد الحاكم ، وكان يقابلهما فِي عصرهما : ابن عدي ، وابن المظفر ، والدارقطني . وتفرد الحاكم أَبُو عَبْد اللَّه فِي عصرنا ، من غير أن يقابله أحد بالحجاز ، والشام ، والعراقين ، والجبال ، والري ، وطبرستان ، وقومس ، وخراسان بأسرها ، وما وراء النهر . هذا بعض كلام أَبِي حازم ، ذكره فِي حياة الحاكم ، وَقَالَ فِي آخره : جعلنا اللَّه لهذه النعمة من الشاكرين . وذكر أنه سمعه يقول : شربت ماء زمزم ، وسألت اللَّه أن يرزقني حسن التصنيف . وقال عَبْد الغافر الفارسي : إن الحاكم اختص بصحبة إمام وقته أَبِي بَكْر أَحْمَد بْن إسحاق الصبغي ، وإنه كان يراجعه فِي الجرح والتعديل ، والعلل ، وأنه أوصى إليه فِي أمور مدرسته ، دار السنة ، وفوض إليه تولية أوقافه فِي ذلك . وسمعت مشايخنا يذكرون أيامه ، ويحكون أن مقدمي عصره ، مثل الإمام أَبِي سهل الصعلوكي ، والإمام ابن فورك ، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم ، ويراعون حق فضله ، ويوفون له الحرمة الأكيدة ، بسبب تفرده بحفظه ومعرفته . وكان إذا حضر مجلس سماع ، محتو على مشايخ وصدور ، يؤنسهم بمحاضرته ، ويطيب أوقاتهم بحكاياته ، بحيث يظهر صفاء كلامه على الحاضرين ، فيأنسون بحضوره . قال مُحَمَّد بْن طاهر الْحَافِظ : سألت سعدا الزنجاني الْحَافِظ ، بمكة ، قلت : له أربعة من الحفاظ تعاصروا أيهم أحفظ ؟ فَقَالَ : من ؟ قلت : الدارقطني ببغداد ، وعبد الغني بمصر ، وأبو عَبْد اللَّه بْن منده بأصبهان ، وأبو عَبْد اللَّه الحاكم بنيسابور . فسكت ، فألححت عليه ، فَقَالَ : أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل ، وأما عَبْد الغني فأعلمهم بالأنساب ، وأما ابن منده فأكثرهم حديثا مع معرفة تامة ، وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفا . وحكي أن أَبَا الفضل الهمذاني الأديب , لما ورد نيسابور وتعصبوا له ، ولقب بديع الزمان أعجب بنفسه ، إذ كان يحفظ المائة بيت ، إذا أنشدت بين يديه مرة ، وينشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة ، فأنكر على الناس قولهم : فلان الْحَافِظ فِي الحديث ، ثم قَالَ : وحفظ الحديث مما يذكر . فسمع به الحاكم ابن البيع ، فوجه إليه بجزء ، وأجله جمعة فِي حفظه ، فرد إليه الجزء بعد الجمعة ، وَقَالَ : من يحفظ هذا ؟ مُحَمَّد بْن فلان ، وجعفر بْن فلان ، عن فلان أسامي مختلفة ، وألفاظ متباينة . فقال له الحاكم : فاعرف نفسك ، واعلم أن حفظ هذا أضيق مما أنت فيه . قلت : وذكر الحاكم فِي تاريخه فِي ترجمة الْحَافِظ أَبِي علي النيسابوري ، قَالَ : تذاكرنا يوما ، روى سليمان التيمي ، عن أنس ، فمررت أنا فِي الترجمة ، وكان بحضرة أَبِي علي وجماعة من المشايخ ، إلى أن ذكرت حديث : " لا يزني الزاني وهو مؤمن " ، فحمل بعضهم علي ، فَقَالَ أَبُو علي له : لا تفعل ، فما رأيت أنت ولا نحن فِي سنه مثله ، وأنا أقول إذا رأيته رأيت ألف رجل من أصحاب الحديث . وروى أَبُو موسى المديني ، أن الحاكم أَبَا عَبْد اللَّه دخل الحمام ، واغتسل ، وخرج ، وَقَالَ : آه ، وقبض روحه ، وهو متزر لم يلبس قميصه بعد ، وذلك فِي ثالث صفر سنة خمس وأربع مائة ، يوم الأربعاء . ودفن بعد العصر ، وصلى عليه القاضي أَبُو بَكْر الحيري . وَقَالَ الْحَسَن بْن أشعث القرشي : رأيت الحاكم فِي المنام على فرس ، فِي هيئة حسنة ، وهو يقول : النجاة . فقلت له : أيها الحاكم ، فيماذا ؟ قَالَ : فِي كتبة الحديث . قلت : كذا صح ، وثبتت وفاته سنة خمس وأربع مائة ، ووهم من قَالَ : سنة ثلاث وأربع مائة ، رحمه اللَّه .

السند · الإسناد بالترتيب
أحمد بن أبي طالب←جعفر الهمداني←أبو طاهر السلفي←إسماعيل بن عبد الجبار←الخليل بن عبد الله الحافظ