← طبقات الشافعية الكبرى
طبقات الشافعية الكبرى
#310 2 : 450 ☰ ذكر البحث عما رمي به الحاكم من التشيع وما زاد…
A− A+

فيما أخبرني به مُحَمَّد بْن إسماعيل المسند ، إذنا خاصا ، والحافظ أَبُو الحجاجالمزي ° ، إجازة ، قالا : أخبرنا مسلم بْن مُحَمَّد بْن علان ، قَالَ الأول : إجازة ، وَقَالَ الثاني : سماعا ، أخبرنا أَبُو اليمن الكندي ، أخبرنا أَبُو منصور القزاز ، أخبرنا أَبُو بَكْر الخطيب ، قَالَ : أَبُو عَبْد اللَّه ابْن البيع الحاكم ، كان ثقة ، أول سماعه فِي سنة ثلاثين وثلاث مائة .

وكان يميل إلى التشيع ، فحدثني إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الأرموي ، بنيسابور ، وكان صالحا عالما ، قَالَ : جمع أَبُو عَبْد اللَّه الحاكم أحاديث ، وزعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم ، منها حديث الطير ، و " من كنت مولاه ، فعلي مولاه " ، فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ، ولم يلتفتوا إلى قوله . انتهى . قلت : والخطيب ثقة ضابط ، فتأملت مع ما فِي النفس من الحاكم ، من تخريجه حديث الطير فِي المستدرك ، وإن كان خرج أشياء غير موضوعة ، لا تعليق لها بتشيع ولا غيره ، فأوقع اللَّه فِي نفسي أن الرجل كان عنده ميل إلى علي رضي اللَّه عنه ، يزيد على الميل الذي يطلب شرعا ، ولا أقول : إنه ينتهي به إلى أن يضع من أَبِي بَكْر ، وعمر ، وعثمان رضي اللَّه عنهم ، ولا إنه يفضل عليا على الشيخين ، بل أستبعد أن يفضله على عثمان رضي اللَّه عنهما ، فإني رأيته فِي كتابه الأربعين عقد بابا لتفضيل أَبِي بَكْر وعمر وعثمان ، واختصهم من بين الصحابة . وقدم فِي المستدرك ذكر عثمان على علي رضي اللَّه عنهما ، وروى فيه من حديث أَحْمَد ابْن أخي ابن وهب : حدثنا عَمِّي ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حدثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عن أَبِيهِ ، عن عَائِشَةَ ، قَالَتْ : " أَوَّلُ حَجَرٍ حَمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ حَمَلَ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ حَمَلَ عُمَرُ حَجَرًا ، ثُمَّ حَمَلَ عُثْمَانُ حَجَرًا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلا تَرَى إِلَى هَؤُلاءِ كَيْفَ يُسْعِدُونَكَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، هَؤُلاءِ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِي " . قَالَ الْحَاكِمُ : عَلَى شَرْطِهِمَا ، وَإِنَّما اشْتُهِرَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ ، فَلِذَلِكَ هُجِرَ . قُلْتُ : وَقَدْ حَكَمَ شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ تَلْخِيصِ الْمُسْتَدْرَكِ ، بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لا يَصِحُّ ؛ لأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بِهَا إِذْ ذَاكَ , قال : وأحمد منكر الحديث ، وإن كان مسلم خرج له فِي الصحيح ، ويحيى ، وإن كان ثقة فيه ضعف . قلت : فمن يخرج هذا الحديث ، الذي يكاد يكون نصا فِي خلافة الثلاثة ، مع ما فِي إخراجه من الاعتراض عليه ، يظن به الرفض . وخرج أيضا فِي فضائل عثمان حديث : " لينهض كل رجل منكم إلى كفئه ، فنهض النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عثمان " ، وَقَالَ : " أنت وليي فِي الدنيا والآخرة " ، وصححه مع أن فِي سنده مقالات . وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدالة على أفضلية عثمان ، مع ما فِي بعضها من الاستدراك عليه ، وذكر فضائل طلحة ، والزبير ، وعبد اللَّه بْن عمرو بْن العاص ، فقد غلب على الظن أنه ليس فيه ، ولله الحمد ، شيء مما يستنكر عليه ، إفراط فِي ميل لا ينتهي إلى بدعة . وأنا أجوز أن يكون الخطيب إنما يعني بالميل إلى ذلك ؛ ولذلك حكم بأن الحاكم ثقة ، ولو كان يعتقد فيه رفضا لجرّحه به ، لا سيما على مذهب من يرى رد رواية المبتدع مطلقا ، فكلام الخطيب عندنا يقرب من الصواب . وأما قول من قَالَ : إنه رافضي خبيث ، ومن قَالَ : إنه شديد التعصب للشيعة . فلا يعبأ بهما ، كما عرفناك ، هذا ما ظهر لي ، والله أعلم . وحكى شيخنا الذهبي ، أن الحاكم سئل عن حديث الطير ، فَقَالَ : لا يصح ، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم قَالَ شيخنا : وهذه الحكاية سندها صحيح ، فما باله أخرج حديث الطير فِي ( المستدرك ) . ثم قَالَ : فلعله تغير رأيه . قلت : وكلام شيخنا حق ، وإدخاله حديث الطير فِي ( المستدرك ) مستدرك ، وقد جوزت أن يكون زيد فِي كتابه ، وألا يكون هو أخرجه ، وبحثت عن نسخ قديمة من ( المستدرك ) ، فلم أجد ما ينشرح الصدر لعدمه ، وتذكرت قول الدارقطني : إنه يستدرك حديث الطير ، فغلب على ظني أنه لم يوضع عليه . ثم تأملت قول من قَالَ : إنه أخرجه من الكتاب ، فجوزت أن يكون خرجه ، ثم أخرجه من الكتاب ، وبقي فِي بعض النسخ ، فإن ثبت هذا صحت الحكايات ، ويكون خرجه فِي الكتاب قبل أن يظهر له بطلانه ، ثم أخرجه منه لاعتقاده عدم صحته ، كما فِي هذه الحكاية التي صحح الذهبي سندها ، ولكنه بقي فِي بعض النسخ ، إما لانتشار النسخ بالكتاب ، أو لإدخال بعض الطاعنين إياه فيه ، فكل هذا جائز ، والعلم عند اللَّه تعالى . وأما الحكم على حديث الطير بالوضع فغير جيد ، ورأيت لصاحبنا الْحَافِظ صلاح الدين خليل بْن كيكلدي العلائي عليه كلاما ، قَالَ فيه : بعد ما ذكر تخريج الترمذي له ، وكذلك النسائي فِي خصائص علي رضي اللَّه عنه : إن الحق فِي الحديث أنه ربما ينتهي إلى درجة الْحَسَن ، أو يكون ضعيفا ، يحتمل ضعفه ، قَالَ : فأما كونه ينتهي إلى أنه موضوع من جميع طرقه ، فلا . قال : وقد خرجه الحاكم من رواية مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عياض ، قَالَ : حدثنا أَبِي ، حدثنا يحيى بْن حسان ، عن سليمان بْن بلال ، عن يحيى بْن سعيد ، عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه . قَالَ : ورجال هذا السند كلهم ثقاة معروفون ، سوى أَحْمَد بْن عياض ، فلم أر من ذكره بتوثيق ولا جرح . ويقرب من حديث الطير حديث " علي خير البشر ، من أَبى فقد كفر " . أخرجه الحاكم أيضا ، فَقَالَ : حدثنا السيد أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن يحيى العلوي ، حدثنا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عثمان الشيباني ، حدثنا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد أَبُو عَبْد اللَّه الهاشمي ، قَالَ : قلت للحر بْن سعيد النخعي : أحدثك شريك ؟ قَالَ : حَدَّثَنِي شريك ، عن أَبِي إسحاق ، عن أَبِي وائل ، عن حذيفة ، قَالَ : قَالَ رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكره . وهو مما ينكر على الحاكم إخراجه . وقد رواه الخطيب أَبُو بَكْر من وجه آخر ، فَقَالَ : أخبرنا الْحَسَن بْن أَبِي طالب ، حدثنا مُحَمَّد بْن إسحاق القطيعي ، حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن يحيى ، صاحب كتاب النسب ، حدثنا إسحاق بْن إِبْرَاهِيم ، حدثنا عَبْد الرزاق ، حدثنا الثوري ، عن مُحَمَّد بْن المنكدر ، عن جابر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به ، بلفظه ، إلا أن الخطيب تعقبه بقوله : هذا حديث منكر . ما رواه سوى العلوي بهذا الإسناد ، وليس بثابت . ولم يعجب شيخنا الذهبي اقتصار الخطيب على هذه العبارة ، وَقَالَ : ينبغي أن يأتي بأبلغ منها ، مما يدل على أن هذا حديث جلي البطلان . وأخرج الحاكم أيضا حديث مُحَمَّد بْن دينار ، من أهل الساحل ، فِي شأن تزوج علي بفاطمة رضي اللَّه عنها ، أخرجه بطوله ساكتا عليه ، وهو موضوع ، ولعل واضعه مُحَمَّد بْن دينار ، فإنه الذي يقال له : العرقي ، لا يعرف .

السند · الإسناد بالترتيب
محمد بن إسماعيل المسند←والحافظ أبو الحجاجالمزي←مسلم بن محمد بن علان←أبو اليمن الكندي←أبو منصور القزاز←أبو بكر الخطيب
شجرة الإسناد