12 وَبِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ الضُّبَيْعِيِّ حَابِسِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أنَّ عُمَرَ ° وَقَفَ عَلَى السِّقَايَةِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ ، فَقَالَ : هَلْ مِنْ شَرَابٍ ؟ فَإِنِّي أَجِدُ فِي بَطْنِي غَمْزًا ، فَأُتِيَ بِشَرْبَةٍ مِنَ السِّقَايَةِ ، فَشَرِبَهَا ، قَالَ : أُخْرَى ، فَأُتِيَ بِهَا ، ثُمَّ ثَالِثَةٍ فَشَرِبَ مِنْهَا ، ثُمَّ دَعَا بِسَجْلٍ وَرُبَّمَا قَالَ : بِذَنُوبٍ ، فَشَجَّ الْإِنَاءَ بِالْمَاءِ حَتَّى فَاضَ نَوَاحِيهِ ، ثُمّ قَالَ : عِبَادَ اللَّهِ ، كُلُّ شَرَابٍ اسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِمَائِهِ فَهُوَ حَرَامٌ لَا تَشْرَبُوهُ ، وَكُلُّ شَرَابٍ اسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِغَيْرِ مَائِهِ فَهُوَ حِلٌّ اشْرَبُوهُ "
مَعَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " وَ " مَا أسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ " فَإِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ ، نُسِخَ بِشُرْبِهِ الصُّلْبَ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قَالُوا : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ نَهَى وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ شُرْبِ الْمُسْكِرِ ، ثُمَّ وَفَدُوا إِلَيْهِ بَعْدُ ، فَرَآهُمْ مُصْفَرَّةً أَلْوَانُهُمْ ، سَيِّئَةً حَالُهُمْ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ قِصَّتِهِمْ ، فَأَعْلَمُوهُ أَنَّ ذَلِكَ لِائْتِمَارِهِمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ تَرْكِ شَرَابِهِمْ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي شُرْبِهِ . وَبِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : " شَهِدْتُ التَّحْرِيمَ وَشَهِدْتُمْ ، وَشَهِدْتُ التَّحْلِيلَ ، وَغِبْتُمْ ، وَبِأَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الصُّلْبَ مِنْ نَبِيذِ الجَّرِّ ، حَتَّى كَثُرَتِ الرِّوَايَاتُ بِهِ عَنْهُ ، وَشُهِرَتْ وَأُذِيعَتْ ، فَاتَّبَعَهُ عَلَيْهِ التَّابِعُونَ الْكُوفِيُّونَ ، وَجَعَلُوهُ أَعْظَمَ حُجَجِهِمْ " . قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : مَنْ ذَا يُحَرِّمُ مَاءَ الْمُزْنِ خَالَطَهُ فِي جَوْفِ خَابِيَةٍ مَاءُ الْعَنَاقِيدِ إِنِّي لَأَكْرَهُ تَشْدِيدَ الرُّوَاةِ لَنَا فِيهَا وَيُعْجِبُنِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودِ وَإِنَّمَا عَنَى الطِّلَا ، وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ ، وَيَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَشْرَبُونَهُ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ ، عَنْ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ، قَالَ : رَأَيْتُ الْحَكَمَ يَشْرَبُ طِلَاءً جَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ رِقَّتِهِ ، وَكَانَ يُهْدَى لِإِبْرَاهِيمَ بُخْتَجٌ خَاثِرٌ ، فَكَانَ نَبِيذَهُ ، وَيُلْقِي فِيهِ الْعِطْرَ وَبِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَشْرَبُ عَلَى طَعَامِهِ الصُّلْبَ ، وَيَقُولُ " يُقَطِّعُ هَذَا اللَّحْمَ فِي بُطُونِنَا " . وَشَرِبَ نَبِيذًا كَادَ يَصِيرُ خَلًّا ، وَمَاءُ التَّمْرِ ، وَمَاءُ الزَّبِيبِ ، لَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ خَلًّا حَتَّى يَكُونَ نَبِيذًا ، ثُمَّ يَدْخُلُهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَا خَلًّا ، لِأَنَّ كَادَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : هَمَّ أَنْ يَفْعَلَ وَلَمْ يَفْعَلْ . وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : إِنَّهُ شَرِبَ خَلًّا ، وَالْخَلُّ لَا يُسَمَّى نَبِيذًا ، وَلَا يُسَمَّى شَرَابًا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُشْرَبُ ، وَمَنْ ذَا شَرِبَ الْخَلَّ مِنَ النَّاسِ لِلَذَّةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فَيَشْرَبُهُ عُمَرُ ؟ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : شَرِبَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ إِدَاوَةِ عُمَرَ فَانْتَشَى ، فَحَدَّهُ عُمَرُ ، وَإِنَّمَا حَدَّهُ عَلَى السُّكْرِ لَا عَلَى الشُّرْبِ . وَدَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَشْرَبُونَ وَيُوقِدُونَ فِي الْأَخْصَاصِ ، فَقَالَ لَهُمْ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ مُعَاقَرَةِ الشَّرَابِ فَعَاقَرْتُمْ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ ، وَهَمَّ بِتَأْدِيبِهِمْ ، فَقَالُوا : مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، نَهَاكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ فَتَجَسَّسْتَ ، وَنَهَاكَ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَدَخَلْتَ ، فَقَالَ : هَاتَانِ بِهَاتَيْنِ ، وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ . وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنِ الْمُعَاقَرَةِ ، وَهِيَ إِدْمَانُ الشُّرْبِ حَتَّى يَسْكَرُوا ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنِ الشُّرْبِ . وَأَصْلُ الْمُعَاقَرَةِ مِنْ عُقْرِ الْحَوْضِ ، وَهُوَ مَقَامُ الشَّارِبَةِ . وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَشَجُّ لِبَنِيهِ : لَا تَبْسُرُوا وَلَا تَثْجُرُوا وَلَا تُعَاقِرُوا فَتَسْكَرُوا . وَلَوْ كَانَ مَا شَرِبُوا عِنْدَهُ خَمْرًا لَحَدَّهُمْ كَمَا حَدَّ ابْنَهَ فِي الْخَمْرِ . وَبَلَغَهُ عَنْ عَامِلِهِ بِدَسْتُمَيْسَانَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا شِئْتُ غَنَّتْنِي دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ وَصَنَّاجَةٌ تَجْذُو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي وَلَا تَسْقِنِي بَالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلَّمِ لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ تَنَادُمُنَا بِالْجَوْسَقِ الْمُتَهَدِّمِ فَقَالَ : إِنَّهُ وَاللَّهِ لَيَسُوؤُنِي ذَلِكَ ، وَوَاللَّهِ لَا عَمِلْتَ لِي عَمَلًا ، وَعَزَلَهُ . قَالُوا : فَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النِّدَامَ ، وَشُرْبَهُ بِالْكَبِيرِ ، وَالصَّنْجَ وَالرَّقْصَ ، وَشُغْلَهُ بِاللَّهْوِ عَمَّا يَشْغَلُهُ إِلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ مَا شَرِبَهُ عِنْدَهْ خَمْرًا لَحَدَّهُ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نُصَيْرٍ ، عَنْ سَنان ، عَنْ جَعْفَرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ ، وَسُئِلَ عَنِ النَّبِيذِ ، فَقَالَ : انْظُرْ ثَمَنَ التَّمْرِ مِنْ أَيْنَ هُوَ ؟ أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي عَنِ النَّبِيذِ : أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ ؟ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ ثَمَنُ التَّمْرِ ، ثُمَّ يَسْأَلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ قَالُوا : فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْرًا مَا تَوَقَّفَ هَذَا التَّوَقُّفَ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ : إِنْ كَانَ ثَمَنُ التَّمْرِ حَلَالًا كَانَ النَّبِيذُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنْهُ حَلَالًا ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ التَّمْرِ حَرَامًا كَانَ النَّبِيذُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنْهُ حَرَامًا ، فَإِنْ كَانَ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ فَالْخُبْزُ وَاللِّبَاسُ وَالْإِدَامُ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ ، عِنْدَهُ تَحِلُّ إِنْ طَابَتِ الْمَكْسَبَةُ ، وَتَحْرُمُ إِنْ خَبُثَتْ . وَعُوتِبَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي النَّبِيذِ ، فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَدَعُهُ حَتَّى يَكُونَ شَرَّ عَمَلِي . يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يَأْتِي مَا هُوَ أَشَرُّ مِنْهُ شُرْبُهُ ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ أَرَادَ إِصْلَاحَ نَفْسِهِ ، وَالِانْتِقَالَ إِلَى طَهَارَةِ التَّوْبَةِ ، أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْبَثِ فَالْأَخْبَثِ مِنْ عَمَلِهِ ، وَالْأَعْظَمِ فَالْأَعْظَمِ مِنْ ذُنُوبِهِ ، فَيَنْزِعَ عَنْهُ ، فَأَمَّا أَنْ يَدَعَ التَّزَوُّجَ بِالْإِمَاءِ لِمَا كُرِهَ مِنْهُ وَهُوَ يَزْنِي ، أَوْ يَتْرُكَ الشُّرْبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْعِسَاسِ ، فَهَذَا مِنَ السَّخَفِ وَإِفْرَاطِ الْجَهْلِ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ : اشْرَبْ وَلَا تَمَزَّزْ ، وَالتَّمَزُّزُ : أَنْ يَشْرَبَ قَلِيلًا قَلِيلًا ، وَهُوَ مثل التَّمَزُّرُ ، وَأَرَادَ أَبُو الْعَالِيَةِ أَنْ يَشْرَبَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً للرِّيِّ ، وَلَا يُنَاقِلَ الْأَقْدَاحَ وَيُتَابِعَهَا لِيَسْكَرَ . وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ : أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : وَكَيْفَ تَشْرَبُهُ ؟ قَالَ : عَلَى غَدَائِي ، وَعَشَائِي ، وَعِنْدَ ظَمَئِي ، قِيلَ : فَمَا تَرَكْتَ مِنْهُ ؟ قَالَ : التُّكَأَةَ ، وَمُحَادَثَةَ الرِّجَالَ . قَالَ الْمَأْمُونُ : اشْرَبِ النَّبِيذَ مَا اسْتَبْشَعْتَهُ ، فَإِذا سَهُلَ فَاتْرُكْهُ . فَأَرَادَ أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَى شَارِبِهِ إِذَا أَخَذَ فِي الْإِسْكَارِ . وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ : أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ ؟ قَالَ : لَا ، قِيلَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : تَرَكْتُ كَثِيرَهُ لِلَّهِ ، وَقَلِيلَهُ لِلنَّاسِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، قَالَ : صَامَ عَمِّي الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ خَمْسِينَ حَوْلًا مُتَتَابِعَةً ، فَكَانَ لَا يُفْطِرُ فِي السَّنَةِ إِلا خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، وَكَانَ أَبِي يَصْنَعُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ طَعَامًا بِكَثْرَةٍ وَيُجَوِّدُهُ ، وَيَدْعُو الْفُقَهَاءَ ، وَمَشَايِخَنَا ، فَيَتَغَدَّوْنَ مَعَ أَبِي وَيَسْقِيهِمْ ، أَوْ قَالَ : مَنْ أَرَادَ مِنْهُمُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ . وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ ، الَّذِي تَحْمَرُّ مِنْهُ وَجْنَتَاهُ . وَاحْتَجُّوا مِنَ النَّظَرِ بَأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا حَلَالٌ إِلا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ . قَالُوا : فَلَا نُزِيلُ يَقِينَ الْحَلَالِ بِالِاخْتِلَافِ ، وَلَوْ كَانَ الْمُحَلِّلُونَ فِرْقَةً مِنَ النَّاسِ فَكَيْفَ وَهُمْ أَكْثَرُ الْفِرَقِ . وَأَهْلُ الْكُوفَةِ جَمِيعًا عَلَى التَّحْلِيلِ لَا يَخْتَلِفُونَ . حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ : النَّبِيذُ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يُحَرِّمُهُ ، غَيْرَ ابْنُ إِدْرِيسَ ، وَكَانَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا مَعِيبًا . وَقِيلَ لِابْنِ إِدْرِيسَ ، مَنْ خِيارُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ؟ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ ، قِيلَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ وَهُمْ يَشْرَبِونَ مَا يُحَرَّمُ عِنْدَكَ ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ . وَقَالَ لَنَا إِسْحَاقُ : عِيبَ وَكِيعٌ ، بِقَوْلِهِ : هُوَ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ حَلَالًا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ أَحَلَّ مِنْهُ ؟ وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ يَلْحَقُ وَكِيعًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَيْبٌ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ مِنْهُ عَتَبٌ ، لِأَنَّ كَلِمَتَهُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مُبَالَغَتِهِمْ فِي الْوَصْفِ ، وَاسْتِقْصَائِهِمْ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ ، يَقُولُونَ : هُوَ أَشْهَرُ مِنَ الصُّبْحِ ، وَأَسْرَعُ مِنَ الْبَرْقِ ، أَبْعَدُ مِنَ النَّجْمِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِكَذِبٍ ، لِأَنَّ السَّامِعَ لَهُ يَعْرِفُ مَذْهَبَ الْقَائِلِ فِيهِ ، وَكُلُّهُمْ مُتَوَاطِئُونَ عَلَيْهِ ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ : هُوَ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِ بِالتَّحْلِيلِ ، وَإِنَّمَا عَابَ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، ابْنَ إِدْرِيسَ بِمُخَالَفَتِهِ أَهْلَ بَلَدِهِ ، وَتَغْلِيظِهِ مَا تَرَخَّصُوا فِيهِ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي كَرَاهَتِكَ النَّبِيذَ ، وَمُخَالَفَتِكَ الْمَشَايِخَ ، وَأَهْلَ الْمِصْرِ ؟ ، فَقَالَ " هُوَ شَيْءٌ اخْتَرْتُهُ لِنَفْسِي ، قُلْتُ : فَتَعِيبُ مَنْ شَرِبَهُ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَأَنْتَ وَمَا اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ " . وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ : لَقَدْ أَدْرَكْتُ قَوْمًا ، يَجْعَلُونَ هَذَا اللَّيْلَ جُمَلًا ، يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ ، وَيَلْبَسُونَ الْمُعَصْفَرَ ، فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى مثل مَذْهَبِهِمْ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، يَقُولُ : مَا هُوَ عِنْدِي وَمَاءُ الْبِرْكَةِ إِلِّا سَوَاءٌ . وَقَالَ الْقُطَعِيُّ : قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَهُ الرَّجُلُ عَلَى أَثَرِ الطَّعَامِ كَمَا يَشْرَبُ الْمَاءَ . وَقَالَ : أَكْرَهُ إِدَارَةَ الْقَدَحِ ، وَأَكْرَهُ نَقِيعَ الزَّبِيبِ ، وَأَكْرَهُ الْمُعَتَّقَ ، وَأَكْرَهُ نَبِيذَ السِّقَايَةِ . وَقَالَ : مَنْ أَدَارَ الْقَدَحَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ . قَالُوا : وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ يَتَرَخَّصُ فِيهِ ، حَتَّى غَلَّظَ فِيهِ مَالِكٌ ، وَحَدَّ فِي الرَّائِحَةِ ، وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَلْتَبِسُ وَتَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا ، وَكَيْفَ يَخْرُقُ ظُهُورَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الظُّنُونِ ، وَظَهْرُ الْمُسْلِمِ حِمًى لَا يُبَاحُ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَقَدْ يَأْكُلُ الرَّجُلُ الْكُمَّثْرَى ، وَالتُّفَّاحَ ، وَالسَّفَرْجَلَ ، وَيَشْرَبُ الْمُشْبِهَ النَّبِيذَ فَيُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ النَّبِيذِ . وَكَانَ الْأُقَيْشِرُ أُخِذَ وَقَدْ شَرِبَ ، واسْتُنْكِهَ ، فَوَجَدُوا مِنْهُ رَائِحَةَ النَّبِيذِ ظَاهِرَةً ، فَقَالَ : يَقُولُونَ لِي انْكَهْ قَدْ شَرِبْتَ مُدَامَةً فَقُلْتُ لَهُمْ : لَا بَلْ أَكَلْتُ سَفَرْجَلًا وَقَالُوا : وَجَدْنَا النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ : أَصْحَابَ الرَّأْيِ ، وَهُمْ جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى تَحْلِيلِهِ ، أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَكُلُّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ ، وَأَصْحَابَ الْحَدِيثِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى التَّحْلِيلِ ، وَأَصْحَابَ الْكَلَامِ وَهُمْ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ ، وَكَيْفَ نُزِيلُ يَقِينَ التَّحْلِيلِ بِطَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ . قَالُوا : وَمَثَلُ النَّبِيذِ مثل نَهْرِ طَالُوتَ .