13 حَدَّثَنِي شَبَابَةُ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ أَبِي الصَّبَاحِ الْكُوفِيُّ ° ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ ° ، عَنْ أَبِي الْمُطَهَّرِ الْوَرَّاقِ ° ، قَالَ : بَيْنَمَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ° عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَصُرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مُحَجَّلِ الْإِزَارِ ، عَلَى قَمِيصِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانَ ، فَقَالَ لَهُ : مَهْيَمْ ؟ فَقَالَ لَهُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، إِنِّي أَعْرَسْتُ ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تُكْرِمَنِي بِدُخُولِ مَنْزِلِي ، فَثَنَى رِجْلَهُ وَنَزَلَ ، فَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ بِيَدِهِ ، وَأَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ ، وَأَقْعَدَهُ عَلَى الْحَجَلَةِ ، فَمَا اسْتَكْبَرَ ذَلِكَ ، وَأَتَى بِطَعَامٍ . وَبَلَغَ الشِّيعَةَ مَكَانُهُ ، فَازْدَحَمُوا عَلَى مَائِدَتِهِ ، فَطَعِمَ وَطَعِمَ الْقَوْمُ ، ثُمَّ إِنَّهُ عَطِشَ وَاسْتَسْقَى ، فَأَتَى بِعُسٍّ فِيهِ نَبِيذٌ ، فَكَرَعَ فيهُ ثُمَّ قَطَّبَ ، ثُمَّ عَادَ بِمَاءٍ فَكَسَرَهُ ، ثُمَّ شَرِبَ وَنَاوَلَنِي ، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ فَشَرِبْتُ وَنَاوَلْتُ الَّذِينَ عَنْ يَمِينِي ، وَدَارَ الْعُسُّ عَلَى الْقَوْمِ جَمِيعًا ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ آبَائِكَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي النَّبِيذِ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ° ، عَنْ جَدِّي ° ، عَنْ عَلِيٍّ ° ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " تَنْزِلُ أُمَّتِي مَنَازِلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ ، وَالنَّعْلَ بِالنَّعْلِ ، حَتَّى لَوْ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُكِحَتْ نِسَاؤُهَا فِي الْأَسْوَاقِ لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ ابْتَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنَهْرِ طَالُوتَ ، أَحَلَّ مِنْهُ الْغَرْفَةَ ، وَحَرَّمَ مِنْهُ الرِّيَّ ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيكُمُ النَّبِيذَ ، أَحَلَّ مِنْهُ الرِّيَّ وَحَرَّمَ مِنْهُ السُّكْرَ " , وَقَالُوا : لَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ مِنْهُ عِوَضًا فِي مثل مَعْنَاهُ ، فَلَوْ كَانَ النَّبِيذُ خَمْرًا مَا كَانَ الْعِوَضَ مِنَ الْخَمْرِ ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْأَقْوَاتِ وَالثَّمَرَاتِ قَدْرًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا ، فَلَوْ كَانَ النَّبِيذُ خَمْرًا ، مَا كَانَ يُصْنَعُ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَالدُّوشَابِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ تَرَكَ النَّاسُ اتِّخَاذَ الشَّرَابِ مِنْهُ لَبَارَ ، وَفَضَلَ أَكْثَرُهُ مِنْ مَآكِلِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ . وَقَالُوا : وَاللَّهُ لَا يُحَرِّمُ شيْئًا إِلَّا لِعَلَّةِ الِاسْتِعْبَادِ ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِلسُّكْرِ لَمْ يُطْلِقْهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ قَبْلَنَا ، فَقَدْ شَرَبَهَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ وَاغْتَرَسَ الْحَبَلَةَ حَتَّى سَكِرَ ، مِنْهَا وَبَدَتْ فَخْذُهُ ، وَشَرِبَهَا لُوطٌ ، وَشَرِبَهَا عِيسَى ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، لَيْلَةَ رُفِعَ ، وَشَرِبَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ . وَقَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْخَمْرَ مَا خُمِّرَ ، وَالْمُسْكِرُ مُخَمَّرُ فَهُوَ خَمْرٌ مِثْلُهُ ، فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ قَدْ تَتَشَاكَلُ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي ، فَيُسَمَّى بَعْضُهَا بِعِلَّةٍ فِيهِ ، وَهِيَ فِي آخَرَ ، وَلَا يُطْلَقُ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلَى الْآخَرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّبَنَ يُخَمَّرُ بِرُوبَةٍ تُلْقَى فِيهِ ، وَيُتْرَكُ حَتَّى يَرُوبَ وَلَا يُسَمَّى اللَّبَنُ خَمْرًا ، وَأَنَّ خَمِيرَ الْعَجِينِ يُسَمَّى خَمِيرًا ، وَلَا يُسَمَّى هُوَ وَلَا مَا خُمِّرَ بِهِ الْعَجِينُ خَمِيرًا ، وَأَنَّ نَقِيعَ التَّمْرِ سُكَارًا لِإِسْكَارِهِ ، وَلَا يُسَمَّى غَيْرُهُ سَكْرًا ، وَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ ، وَهَذَا أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِهِ . وَقَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ : مَخْمُورٌ ، وَبِهِ خُمَارٌ ، إِذَا أَصَابَهُ الصُّدَاعُ وَالْإِرْعَاشُ عَقِبَ الشَّرَابِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ أَصَابَهُ مِثْلُهُ فِي النَّبِيذِ ، فَيُقَالُ : بِهِ خُمَارٌ ، وَلَا يُقَالُ : بِهِ نُبَاذٌ ، فَإِنَّ الْخُمَارَ اسْمٌ قَدِيمٌ ، وَكَانْتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْرِفُهُ وَتَلْفِظُ بِهِ مِنَ الْخَمْرِ . وَالنَّبِيذُ مُحْدَثٌ إِسْلَامِيٌّ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْرِفُهُ ، وَكَانَ شَرَبَةُ النَّبِيذِ مِنَ السَّلَفِ لَا يَبْلُغُونَ السُّكْرَ وَلَا يُقَارِبُونَهُ ، فَيُصِيبُهُمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ يُصِيبُ شَرَبَةَ الْخَمْرِ مِنَ الْخُمَارِ ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ الْيَسِيرَ عَلَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، وَلَمْ يَتَهَيَّبُوا مِنَ الْمُسْكِرِ السُّكْرَ ، فَقِيلَ : بِهِمْ خُمَارٌ ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الِاسْمِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ أَحَلَّ النَّبِيذَ ، أَحَلَّ مِنْهُ السُّكْرَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْخُمَارُ ، وَكَانَ شَرَبَةُ النَّبِيذِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَكِرُوا فَأَصَابَهُمْ ذَلِكَ ، لَلَزِمَنَا أَنْ يُقَالَ : بِهِ نُبَاذٌ ، وَلَا يُقَالُ ، فَيَجِبُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ
وَقَدْ فَرَّقَتِ الشُّعَرَاءُ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ ، فَقَالَ الْأُقَيْشِرُ ، وَكَانَ مُغْرَمًا بِالشَّرَابِ : وَصَهْبَاءَ جُرْجَانِيَّةٍ لَمْ يَطُفْ بِهَا حَنِيفٌ وَلَمْ تَنْغَرْ بِهَا سَاعَةً قِدْرُ أَتَانِي بِهَا يَحْيَى وَقَدْ نِمْتُ نَوْمَةً وَقَدْ غَارَتِ الشِّعْرَى وَقَدْ خَفَقَ النَّسْرُ فَقُلْتُ اصْطَبِحْهَا أَوْ لِغَيْرِي فَاهْدِهَا فَمَا أَنَا بَعْدَ الشَّيْبِ وَيْبَكَ وَالْخَمْرُ . فَأَعْلَمَكَ أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ الَّتِي لَمْ تَغْلِ بِهَا الْقُدُورُ وَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ حِينَ عَزَلَهُ عُثْمَانُ عَنِ الْكُوفَةِ بِشَهَادَةِ أَهْلِهَا عَلَيْهِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ : قَوْلُهُمْ شُرْبُكَ الْحَرَامَ وَقَدْ كَانَ شَرَابٌ سِوَى الْحَرَامِ حَلَالُ . يُرِيدُ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّكَ تَشْرَبُ الْخَمْرَ ، وَقَدْ كَانَ هُنَاكَ شَرَابٌ حَلَالٌ مِنَ النَّبِيذِ . وَيُرْوَى : . . . . . . . . . . . . . . . . . وَقَدْ كَانَ حَلَالًا سِوَى الْحَرَامِ فَمَالُوا يُرِيدُ : كَانَ شَرَابٌ مِنَ النَّبِيذِ حَلَالًا فَمَالُوا عَنْهُ : وَقَذَفُوكَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ . وَلَمْ نَحْتَجَّ بِأَبِي زُبَيْدٍ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ ، لِأَنَّا رَأَيْنَاهُ حُجَّةً فِي تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ ، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّهُ اعْتَذَرَ لَهُ إِلَى عُثْمَانَ وَإِلَى النَّاسِ بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَعْتَذِرَ إِلَّا بِمَا لَا يُنْكِرُ النَّاسُ قَالَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ : فَظَلِلْنَا بِنَعْمَةٍ وَاتَّكَأْنَا وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ مِنْ قُلَلِهِ اتَّكَأْنَا : طَعِمْنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً سورة يوسف آية 31 أَيْ طَعَامًا . وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ : يَعْنِي النَّبِيذَ ، والْقُلَلُ : جَمْعُ قِلَّةٍ وَهِيَ جِرَارٌ يَكُونُ فِيهَا النَّبِيذُ . قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَدْ كَانَ يُسْقَى مِنْ قِلَالٍ وَحَنْتَمِ . وَلَمَّا دُخِلَ عَلَى الْوَلِيدِ ليُقْتَلَ ، قَالَ لَهُمْ : مَا تُنْكِرُونَ مِنِّي ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ ؟ وَجَعَلَ يُعَدِّدُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهُمْ . قَالُوا : نُنْكِرُ مِنْكَ شُرْبَ الْخَمْرِ ، وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيكَ ، فَقَالَ : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَحَلَّ سَعَةً عَمَّا تَذْكُرُونَ . وَقَالَ : دَعُوا لِي سُلَيْمَى وَالنَّبِيذَ وَقَيْنَةً وَكَأْسًا أَلَا حَسْبِي بِذَلِكَ مَالَا خُذُوا مُلْكَكُمْ لَا ثَبَّتَ اللَّهُ مُلْكَكُمْ ثَبَاتًا يُسَاوِي مَا حَيِيتُ عِقَالَا إِذَا مَا صَفَا عَيْشِي بِرَمْلَةِ عَالِجٍ وَعَانَقْتُ سَلْمَى لَا أُرِيدُ بَدَالَا أَفَمَا تَرَاهُ حِينَ اعْتَذَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ ، وَقَالَ : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِي فِيمَا أَحَلَّ مِنَ النَّبِيذِ سَعَةً عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ، وَفِيمَا أَحَلَّ مِنَ النِّسَاءِ سَعَةً عَنْ نِكَاحِ الْأُمَّهَاتِ . وَكَانَ أَبُو الْهِنْدِيِّ الشَّاعِرُ ، مُغْرَمًا بِالْخَمْرِ ، فَعَاتَبَتْهُ ابْنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ وَوَعَظَتْهُ ، فَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ غَيْرُ صَابِرٍ ، وَأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهَا اعْتَلَّ ، فَقَالَتْ لَهُ : اشْرَبْ نَبِيذَ التَّمْرِ فَشَرِبَهُ سِتًّا ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَمْرِ ، وَقَالَ : أَأَشْرَبُ تَمْرًا يَنْفُخُ الْبَطْنَ مُنْتِنًا وَأَتْرُكُهَا صَهْبَاءَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ وَقَالَ بَعْضُ الْأَشْرَافِ ، وَكَانَ رَكِبَهُ الدَّيْنُ وَخَفَّتْ حَالُهُ : إِنْ يَكُ يَا جَنَاحُ عَلَيَّ دَيْنٌ فَعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى يَسْتَدِينُ تَلُمُّ بِنَا الْخَصَاصَةُ ثُمَّ تعْفَى عَلَى إِقْتَارِنَا حَسَبٌ وَدِينُ فَمَا يُعْدِمْكَ لَا يُعْدِمْكَ مِنَّا نَبِيذُ التَّمْرِ وَاللَّحْمُ السَّمِينُ أَمَا تَرَاهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَسَبِ وَالدِّينِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ إِقَامَةَ اللَّحْمِ وَنَبِيذَ التَّمْرِ لِأَضْيَافِهِ ، وَلَوْ كَانَ نَبِيذُ التَّمْرِ حَرَامًا ، مَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَسَبِ وَالدِّينِ ، ثُمَّ قَرَنَ ذَلِكَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ . وَأَرَادَ عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ الْيَمَانِيُّ : وَيَغْتَبِقَانِ الشَّرَابَ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الْجَلْدُ لِلْجَالِدِ شَرَابٌ يُوَافِقُ فُهْرَ الْيَهُودِ وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الْعَابِدِ يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَغْتَبِقَانِ الْخَمْرَ الَّذِي يُوجِبُ شُرْبُهُ الْحَدَّ ، ثُمَّ تَنَبَّهَ فَقَالَ : يُوَافِقُ فُهْرَ الْيَهُودِ وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الْعَابِدِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ . وَفُهْرُ الْيَهُودِ : هُوَ مَوْضِعُ مِدْرَاسِهِمُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَدْ سَدَلُوا ثِيَابَهُمْ ، فَقَالَ : " كَأَنَّهُمُ الْيَهُودُ خَرَجُوا مِنْ فُهْرِهِمْ " . وَهَذَا أَبُو نُوَاسٍ شَاهَدَ النَّاسَ عَلَى شَيْءٍ ، فَقَالَ : يَا ابْنَةَ الْقَوْمِ اصْبَحِينَا مَا الَّذِي تَنْتَظِرِينَا قَدْ جَرَى فِي عَوْدِهِ الْمَاءُ فَأَجْرَى الْخَمْرَ فِينَا إِنَّمَا نَشْرَبُ مِنْهَا فَاعْلَمِي ذَاكَ يَقِينَا كُلُّ مَا كَانَ حَلَالًا لِشَرَابِ الصَّالِحِينَا قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : الْخَمْرُ رِجْسٌ ، فَقَدْ صَدَقُوا فِي اللَّفْظِ ، وَغَلِطُوا فِي الْمَعْنَى ، إِنْ كَانَ أَرَادُوا أَنَّهَا نَتَنٌ ، لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ مُنْتِنَةً ، وَلَا قَذِرَةً إِلَّا بِالتَّحْرِيمِ ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ النُّفُورَ مِنْهَا . قَالَ الْأَخْطَلُ وَذَكَرَ الْخَمْرَ : كَأَنَّمَا الْمِسْكُ نُهْبَى بَيْنَ أرْحُلِنَا مِمَّا تَضَوَّعَ مِنْ نَاجُودِهَا الْجَارِي وَقَالَ الْآخَرُ : فَتَنَفَّسَتْ فِي الْبَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ كَتَنَفُّسِ الرَّيْحَانِ فِي الْأَنْفِ وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ سورة المائدة آية 90 ، أَيْ مَعْصِيَةٌ ، وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْمَعَاصِي رِجْسٌ ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَزْلَامَ هِيَ الْقِدَاحُ ، فَأَيُّ نَتَنٍ لَهَا ؟ وَهَذَا مثل قَوْلِهِ : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ سورة التوبة آية 125 ، أَيْ نِفَاقًا إِلَى نِفَاقِهِمْ ، وَمِثْلُهُ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ سورة يونس آية 100 . وَكَيْفَ تَكُونُ رِجْسًا ، أَيْ نَتَنًا ، وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ سورة محمد آية 15 فَوَصَفَهَا بِاللَّذَاذَةِ ، وَلَمْ يَصِفْ بِذَلِكَ غَيْرَهَا مِمَّا ذَكَرَ مَعَهَا وَقَالَ : وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا سورة الإنسان آية 17 ، وَلَمْ يَرِدْ فِيمَا يَرْوِي أَهْلُ النَّظَرِ أَنَّ الزَّنْجَبِيلَ يُلْقَى فِيهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهَا تَلْذَعُ اللِّسَانَ كَأَنَّهَا مُزِجَتْ بِزَنْجَبِيلٍ . وَالشُّعَرَاءُ تَصِفُ أَفْوَاهَ النِّسَاءِ بِرَاحٍ مُزِجَتْ بِالزَّنْجَبِيلِ ، قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ : وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ إذْ ذُقْتَهُ وَسُلَافَةَ الْخَمْرِ وَقَالَ الْأَعْشَى يُشَبِّهُهُ بِالزَّنْجَبِيلِ وَالْعَسَلِ : كَأَنَّ جَنِيًّا مِنَ الزَّنْجَبِيلِ بَاتَ بِفِيهَا وَأَرْيًا مَشُورا وَقَالَ الْجَعْدِيُّ : وَبَاتَ فَرِيقٌ مِنْهُمُ وَكَأَنَّمَا سُقُوا نَاطِفًا مِنْ أَذْرِعَاتٍ مُفَلْفَلًا أريًا وَلِهَذَا يَقُولُ الشُّعَرَاءُ لِلْخَمْرِ : مُزَّةٌ ، لِلَذْعِهَا اللِّسَانَ ، وَلَا يُرِيدُونَ الْحُمُوضَةَ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ اللُّغَةِ : إِنَّمَا هِيَ مَزَّةٌ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ ، أَيْ فَاضِلَةٌ مِنْ قَوْلِكَ : هَذَا أَمَزُّ مِنْ هَذَا ، أَيْ أَفْضَلُ وَأَرْفَعُ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ { 17 } بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ { 18 } لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ سورة الواقعة آية 17-19 ، فَنَفَى عَنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ عُيُوبَ خَمْرِ الدُّنْيَا ، وَهُوَ الصُّدَاعُ ، وَنَفَاذُ الشَّرَابِ ، وَذَهَابُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ ، وَنَحْوَ هَذَا قَوْلُهُ فِي فَاكِهَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ سورة الواقعة آية 33 فَنَفَى عَنْهَا عُيُوبَ فَوَاكِهِ الدُّنْيَا ، لِأَنَّ فَوَاكِهَ الدُّنْيَا تَأْتِي فِي وَقْتٍ وَتَنْقَطِعُ فِي وَقْتٍ ، وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ إِلَّا بِالثَّمَنِ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَمْرَ دِرْيَاقَةٌ ، يُرِيدُ أَنَّهَا شِفَاءٌ كِالدِّرْيَاقِ . قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ : سَقَتْنِي بِصَهْبَاءَ دِرْيَاقَةٍ مَتَى مَا تُلَيِّنْ عِظَامِي تَلِنْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا سورة البقرة آية 219 . فَالْإِثْمُ : الْعَذَابُ ، وَكَذَلِكَ الْأَثَامُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا سورة الفرقان آية 68 ، أَيْ عِقَابًا . وَأَمَّا مَنَافِعُهَا : فَكَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى ، وَإِنَّمَا تَقَعُ مَضَارُّهَا مَعَ الْإِكْثَارِ ، وَتَجَاوُزِ الْمِقْدَارِ ، فَأَمَّا مَعَ الِاقْتِصَارِ فَلَمْ يَكُنْ لِشَارِبِهَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ فِيهَا مَضَارٌّ ، فَمِنْ مَنَافِعِهَا : مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ مِنْ أَثْمَانِهَا ، وَلَوْ لَمْ تُعْتَصَرِ الْأَعْنَابُ لَبَارَتْ عَلَى أَهْلِهَا . وَمِنْ ذَلِكَ : مَنْفَعَتُهَا الْجِسْمَ ، لِأَنَّهَا تُدِرُّ الدَّمَ ، وَتُقَوِّي الْمُنَّةَ ، وَتُصَفِّي اللَّوْنَ ، وَتَبْعَثُ النَّشَاطَ ، وَتَفْتِقُ اللِّسَانَ ، مَا أُخِذَ مِنْهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ، فَإِذَا أَخَذَ الْإِفْرَاطُ فَكُلُّ شَيْءٍ مَعَ الْإِفْرَاطِ يَضُرُّ . وَكَانَتِ الْأَوَائِلُ تَقُولُ : الْخَمْرُ حَبِيبَةُ الرُّوحِ ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَطِبَّاءِ إِذَا دَخَلَ عَلَى عَلِيلٍ لَمْ يَرَ فِيهِ مَوْضِعًا لِسَقْيِ الدَّوَاءِ ، سَقَاهُ الْخَمْرَ الرَّيْحَانِيَّةَ الْمَمْزُوجَةَ بِالْمَاءِ ، لِيُلْقِيَ الرُّوحَ بِحَبِيبِهِ ، وَيَبْعَثَ مِنَ النَّفْسِ بِالْمَسَرَّةِ مَا قَدْ أَسْقَطَهُ الدَّاءُ ، فَإِنْ رَأَى الْعَلِيلَ قَدْ قَوِيَ قَلِيلًا ، وَاحْتَمَلَ بَعْضَ الدَّوَاءِ عَالَجَهُ . قَالُوا : وَلِذَلِكَ اشْتُقَّ لَهَا اسْمُ الرُّوحُ فَسُمِّيَتْ رَاحًا ، وَأَصْلُ الرَّاحِ وَالرُّوحِ وَالرَّوْحِ ، مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، إِلَّا أَنَّهُمْ خَالَفُوا بَيْنَهَا فِي الْبِنَاءِ لِيَدُلَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَعْنَاهُ ، وَيُقَارِبَ مَعَانِيهَا ، كَتَقَارُبِ أَسْمَائِهَا ، فَالرُّوحُ : رُوحُ الْأَجْسَامِ ، وَالرُّوحُ : النَّفْخُ ، لِأَنَّهُ رِيحٌ يَخْرُجُ عَنِ الرُّوحِ ، وَالرَّوْحُ : طَيِّبُ النَّسِيمِ ، وَالرِّيحُ : هِيَ الرِّيحُ الْهَابَّةُ . وَالرَّاحُ عَلَى فَعْلُ ، وَأَصْلُهُ رَوَحُ ، فَقُلِبَتْ وَاوُهُ أَلِفًا ، لَمَّا انْفَتَحَتِ انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا ، ثُمَّ اشْتَقُّوا الرَّيْحَانَ مِنْ ذَلِكَ ، لِرَائِحَتِهِ ، وَرُبَّمَا سَمُّوا الْخَمْرَ رُوحًا قَالَ النَّظَّامُ : مَا زِلْتُ آخُذُ رُوحَ الزِّقِّ فِي لَطَفٍ وَأَسْتَبِيحُ دَمًا مِنْ غَيْرِ مَجْرُوحِ حَتَّى انْثَنَيْتُ وَلِي رُوحَانِ فِي جَسَدِي وَالزِّقُّ مُطَّرَحٌ جِسْمٌ بِلَا رُوحِ وَرُبَّمَا سَمُّوا الْخَمْرَ دَمًا لِأَنَّهَا تَزِيدُ فِي الدَّمِ ، وَالنَّفْسُ تَتَّصِلُ بِالدَّمِ ، وَلِذَلِكَ قَالُوا : نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ ، وَقَالُوا : نُفَسَاءُ لِسَيَلَانِ الدَّمِ . قَالَ مُسْلِمٌ : خَلَطْنَا دَمًا مِنْ كَرْمَةٍ بِدِمَائِنَا فَأَظْهَرَ فِي الْأَلْوَانِ مِنَّا الدَّمَ الدَّمُ وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشِيُّ ، عَنْ مُؤَرِّجٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِمَاكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدٍ رَاوِيَةِ الْأَعْشَى ، قَالَ : قُلْتُ لِلْأَعْشَى أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ : وَمُدَامَةٍ مِمَّا تُعَتِّقُ بَابِلٌ كَدَمِ الذَّبِيحِ سَلَبْتُهَا جِرْيَالَهَا فَقَالَ : شَرِبْتُهَا حَمْرَاءَ ، وَبُلْتُهَا بَيْضَاءَ . يُرِيدُ أَنَّ حُمْرَتَهَا صَارَتْ دَمًا وَقَالَ ابْنُ الطَّثْرِيَّةِ : وَيَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ دَمُ الزِّقِّ عَنَّا وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ وَفِي الْخَمْرِ أَنَّهَا تُسَخِّي الْبَخِيلَ ، وَتَسْتَخْرِجُ مِنَ اللَّئِيمِ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ : مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الْحُصَّ فِيهَا إِذَا مَا الْمَاءُ خَالَطَهَا سَخِينَا تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إِذَا أُمِرَّتْ عَلَيْهِ لِمالِهِ فِيهَا مُهِينَا قَوْلُهُ : سَخِينًا ، مِنَ السَّخَاءِ ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : إِذَا مَا الْمَاءُ خَالَطَهَا : إِذَا نَحْنُ شَرِبْنَاهَا ، لِأَنَّهَا لَا تُمْزَجُ إِلَّا عِنْدَ الشُّرْبِ . قَالَ طَرَفَةُ : وَإِذَا مَا شَرِبُوهَا وَانْتَشَوْا وَهَبُوا كُلَّ جُوَادٍ وَطِمِرّ ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهِمْ يَلْحَفُونَ الْأَرْضَ هُدَّابَ الْأُزُرْ وَقَدْ عِيبَ بِهَذَا طَرَفَةُ ، لِأَنَّهُ مَدَحَهُمْ بِالْعَطَاءِ وَهُمْ نَشَاوَى ، وَلَمْ يَشْرِطْ لَهُمْ ذَلِكَ فِي صَحَوَاتِهِمْ ، كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ : وَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي وَالْجَيِّدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ زُهَيْرٍ : أَخُو ثِقَةٍ لَا يُذْهِبُ الْخَمْرُ مَالَهُ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْ يُرِيدُ أَنَّهُ يُعْطِي إِذَا بَخِلَتِ النُّفُوسُ . وَقَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ : مَا إِنْ أُلِحُّ عَلَى الْإِخْوَانِ أَسْأَلُهُمْ كَمَا يُلِحُّ بِعَظْمِ الْغَارِبِ الْقَتَبُ وَمَا أُخَادِعُ نَدْمَانِي لِأَخْدَعَهُ عَنْ مَالِهِ حِينَ يَسْتَرْخِي بِهِ اللَّبَبُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحْدَثِينَ : كَسَانِي قَمِيصًا إِذَا انْتَشَى وَيَنْزَعُهُ مِنِّي إِذَا كَانَ صَاحِيًا فَلِي فَرْحَةٌ فِي سُكْرِهِ وِانْتِشَائِهِ وَفِي الصَّحْوِ تَرَحَاتٌ تُشِيبُ النَّوَاصِيَا فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ سُرُورِي وَتَرْحَتِي وَمِنْ جُودِهِ أَلَّا عَلَيَّ وَلَا لِيَا وَفِي الْخَمْرِ : أَنَّهَا تُشَجِّعُ الْجَبَانَ وَتْبَعْثُ الْحَصِرَ الْعَيَّ . وَقِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِ : لِمَ لَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ ، فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي جُرْأَتِكَ ؟ وَالتُّرْكُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَجَمِ يَشْرَبُونَهَا فِي الْحَرْبِ ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنَالُونَ مِنْهَا يَوْمَ اللِّقَاءِ ، وَلِذَلِكَ اصْطَحَبَهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُهَا . وَفِي الْخَمْرِ : أَنَّ كُلَّ شَارِبٍ يَمَلُّ شَرَابَهُ غَيْرَ شَارِبِهَا ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا فَوْقَ الرِّيِّ ، إِلَّا بِالْكُرْهِ لِلنَّفْسِ عَلَى الْقَلِيلِ غَيْرَ شَارِبِ الْخَمْرِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْمُسْكِرِ . حَدَّثَنَا الْقُطَعِيُّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بُجْرَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : " لَوْ كَانَ فِي شَرَابِهِمْ هَذَا خَيْرٌ لَرَوَوْا مِنْهُ " ، وَفِي الْخَمْرِ : أَنَّهَا تَزِيدُ فِي الْهِمَّةِ وَالْكِبْرِ ، وَتُهَيِّجُ الْأَنَفَةَ وَالْأَشَرَ وَسَقَى قَوْمٌ أَعْرَابِيًّا كُئُوسًا ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : أَجِدُنِي أَشِرًا ، وَأَجِدُكُمْ تَحَبَّبُونَ إِلَيَّ . وَقَالَ الْأَخْطَلُ : إِذَا مَا زِيَادٌ عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ خَرَجْتُ أَجُرُّ الذَّيْلَ مِنِّي كَأَنَّنِي عَلَيْكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمِيرُ وَالْعَلَلُ بَعْدَ النَّهَلِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ : ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ ، لِأَنَّهَا نَهَلٌ وَعَلَلَانِ . قَالَ الْمُنَخَّلُ : وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ الْمُدَامَةِ بِالصَّغِيرِ وَبِالْكَبِيرِ فَإِذَا سَكِرْتُ فَإِنَّنِي رَبُّ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَإِذَا صَحَوْتُ فَإِنَّنِي رَبُّ الشُّوَيْهَةِ وَالْبَعِيرِ وَقَالَ الْأَعْشَى : وَلَقَدْ شَرِبْتُ ثَمَانِيًا وَثَمَانِيًا وَثَمَانِ عَشْرَةَ وَاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعًا مِنْ قَهْوَةٍ بَاتَتْ بِبَابِلَ صَفْوَةً تَدَعُ الْفَتَى مَلِكًا يَمِيلُ مُصَرَّعًا وَقَالَ فِي الْخَمْرِ : إِنَّهَا تَمُدُّ فِي الْأُمْنِيَّةِ . قَالَ الْأَعْشَى : لَعَمْرُكَ إِنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شَارِبًا لَمُخْتَلِفٌ آصَالُهَا وَغَدَاتُهَا لَنَا مِنْ ضُحَاهَا خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ وَذِكْرَى هُمُومٍ مَا تَغِبُّ أَذَاتُهَا وَعِنْدَ الْعَشِيِّ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ وَمَالٌ كَثِيرٌ غُدْوَةً نَشَوَاتُهَا وَفِي الْخَمْرِ : أَنَّهَا تُطَيِّبُ النَّفْسَ ، وَتُذْهِبُ الْهَمَّ ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الْعَجَمِ تَجْعَلُهَا مَجَمَّةً لِلْقُلُوبِ ، وَمُسْتَرَاحًا مِنَ الشُّغْلِ . قَالَ أَعْرَابِيٌّ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ ، ثُمَّ تَرَكَهُ وَشَرِبَ اللَّبَنَ : قَدْ تَرَكْتُ النَّبِيذَ مُذْ كُنَّ عِنْدِي وَتَحَسَّيْتُ رِسْلِهِنَّ مَذِيقَا فَوَجَدْتُ الْمَذِيقَ يُوجِعُ بَطْنِي وَوَجَدْتُ النَّبِيذَ كَانَ صَدِيقَا تَعِدُ النَّفْسَ بِالْعَشِيِّ مُنَاهَا وَتَسُلُّ الْهُمُومَ سَلَّا رَفِيقَا وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، أَنَّ جَبَلَةَ بْنَ الْأَيْهَمِ قَالَ لِحَسَّانٍ : يَا أَبَا الْوَلِيدِ ، إِنِّي مَشْغُوفٌ بِالْخَمْرِ فَذُمَّهَا لِي ، فَقَالَ : لَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ فِي الْكَأْسِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَنٌ مِنْ شَارِبٍ حِينَ يَشْرَبُ لَهَا نَزَفٌ مثل الْجُنُونِ وَمَصْرَعٌ دَنِيٌّ وَأَنَّ الْعَقْلَ يَنْأَى فَيَذْهَبُ فَقَالَ : أَفْسَدْتَهَا فَامْدَحْهَا ، فَقَالَ : لَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ فِي الْكَأْسِ أَصْبَحَتْ كَأَفْضَلِ مَالٍ يُسْتَفَادُ وَيُطْلَبُ أَمَانِيهَا وَالنَّفْسُ يَظْهَرُ طِيبُهَا عَلَى هَمِّهَا وَالْحُزْنُ يَسْلَى فَيَذْهَبُ وَفِي الْخَمْرِ : أَنَّ كُلَّ شَارِبٍ عَلَى شَرَابِهِ يَصْبِرُ عَنْهُ غَيْرَ الْخَمْرِ ، فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً لَا تُشْبِهُهَا إِلَا ضَرَاوَةَ اللَّحْمِ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ : " اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ ، فَإِنَّ لَهَا ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ " . وَقَالُوا : أَهْلَكَ الرِّجَالَ الْأَحْمَرَانِ : اللَّحْمُ وَالْخَمْرُ ، وَأَهْلَكَ النِّسَاءَ الْأَصْفَرَانِ : الذَّهَبُ وَالزَّعْفَرَانُ . وَقَالَ الشَّاعِرُ حِينَ مُنِعَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ الدَّهْرَ يَعْثُرُ بِالْفَتَى وَلَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ صَرْفَ الْمَقَادِرِ صَبَرْتُ وَلَمْ أَجْزَعْ وَقَدْ مَاتَ إِخْوَتِي وَمَا أَنَا عَنْ شُرْبِ الطِّلَاءِ بِصَابِرِ رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَتْفِهَا فَخُلَّانُهَا يَبْكُونَ حَوْلَ الْمَعَاصِرِ فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَنَافِعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَأَمَّا مَنَافِعُ الْمَيْسِرِ : فَإِنَّ أَهْلَ الثَّرْوَةِ وَالْأَجْوَادَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ ، وَجَدْبِ الْبِلَادِ ، وَكَلَبِ الزَّمَانِ ، يُيْسِرُونَ ، أَيْ يَتَقَامَرُونَ بِالْقِدَاحِ ، وَهِيَ عَشَرَةُ أَقْدَاحٍ ، عَلَى جَزُورٍ ، يُجَزِّئُونَهَا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا ، وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا فِي كِتَابِ الْمَيْسِرِ ، وَبَيَّنْتُ كَيْفَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ، فَإِذَا قَمَرَ أَحَدُهُمْ جَعَلَ أَجْزَاءَ الْجَزُورِ لِذَوِي الْحَاجَةِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ ، وَاسْتَرَاشَ النَّاسُ وَعَاشُوا . وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَمْدَحُ بَأَخْذِ الْقِدَاحِ ، وَتَعِيبُ مَنْ لَا يُيْسِرُ ، وَتُسَمِّيهِ الْبَرَمَ . قَالَ مُتَمِّمٌ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا : وَلَا بَرَمًا تُهْدِي النِّسَاءُ لِعِرْسِهِ إِذَا الْقَشْعُ مِنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ تَقَعْقَعَا وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْإِسْلَامِيِّينَ ، ذَكَرَ أَنَّهُ قَامَرَ بِالْقِدَاحِ فَأَفْحَشَ إِفْحَاشَ الْقَائِلِ ، وَهُوَ الْأَخْطَلُ : وَلَسْتُ بِصَائِمٍ رَمَضَانَ طَوْعًا وَلَسْتُ بَآكِلٍ لَحْمَ الْأَضَاحِي وَلَسْتُ بِقَائِمٍ كَالْعِيرِ أَدْعُو قُبَيْلَ الصُّبْحِ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَلَكِنِّي سَأَشْرَبُهَا شَمُولًا وَآكُلُ مَا تَفُوزُ بِهِ قِدَاحِي قَالَ : وَأَمَّا ذَمُّهُمْ شَرَبَةَ الْمُسْكِرِ بِقِلَّةِ الْوَفَاءِ ، وَسُوءِ الْعَهْدِ ، فَأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ إقْدَامُهُمْ عَلَى السُّكْرِ ، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ ، وَرُكُوبُ الْفَوَاحِشِ ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ عَقْدُهُمْ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، مَحْضٌ لِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَهُمْ يَشْرَبُونَهُ ، وَعِلْمُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ السُّكْرَ ، وَهُمْ لَا يَبِيتُونَ إِلَّا عَلَيْهِ ، فَإِذَا عُوتِبُوا عَلَى شُرْبِهِ مَعَ الِاعْتِمَادِ أَنَّهُ خَمْرٌ ، قَالُوا : لِأَنْ نَشْرَبَهُ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ ذَنْبٌ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَشْرَبَهُ مُسْتَحِلِّينَ لَهُ غَيْرَ مُسْتَغْفِرِينَ مِنْهُ . وَمَا أَدْرِي ! أَمِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْجَبُ أَمْ مِنَ الْعِلَّةِ . أَمَّا الْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَالْإِقْدَامُ عَلَى مَا حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ عِنْدَهُمْ ، يُحَرِّمُ الْمَيْتَةَ ، وَالدَّمَ ، وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَنِكَاحَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ . وَأَمَّا الْعِلَّةُ : فَالطَّمَعُ فِي الْمَغْفِرَةِ ، وَهُمْ مُصِرُّونَ لَا يَنْصَرِمُ عَنْهُمْ يَوْمُ جُمُعَتِهِمْ ، إِلَّا عَقَدُوا النِّيَّةَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي غَدِهِ ، أَوْ بَعْدَ غَدِهِ ، وَإِنَّمَا يَغْفِرُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُقْلِعِينَ ، وَيَتَقَبَّلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، وَكَيْفَ جَعَلُوا مَا جَاهَرُوا اللَّهَ بِالْعِصْيَانِ فِيهِ ، وَهُمْ مُسْتَيْقِنُونُ أَسْلَمَ مِمَّا رَكِبُوهُ وَهُمْ غَارَّونَ ، وَمَاذَا يَقُولُونَ فِي رَجُلٍ زَنَى ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا ، وَآخَرَ زَنَى وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الزِّنَا مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي تُسْخِطُ الرَّبَّ وَتُوجِبُ النَّارَ ، أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ ، وَأَوْلَى مِنَ اللَّهِ بِالْعَفْوِ ؟ أَوَلَيْسَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، مِنْ جَلْدٍ وَتَعْزِيزٍ وَلَا رَجْمٍ ، وَأَنَّ عَلَى الآخَرِ حَدَّ الْبِكْرِ إِنْ كَانَ بِكْرًا ، وَحَدَّ الْمُحْصَنِ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا ؟ فَهَذِهِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا ، وَأَمَّا أَحْكَامُ الآخِرَةِ فَلَوْلَا كَرَاهَةُ التَّأَلِي عَلَى اللَّهِ ، لَقُلْنَا فِي الَّذِي رَكِبَ الْفَاحِشَةَ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ، مَعْفُوٌّ عَنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِأُمِّ مَثْوَاهُ ، فَلَمَّا أُمِرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، قَالَ : مَا عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ ، فَاسْتُحْلِفَ ، ثُمَّ دُرى عَنْهُ الْحَدُّ . وَكَانَتِ الْعُلَمَاءُ تَنْهَى الْعَوَامَّ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ ، وَقَالُوا : لِأَنْ يُؤْتَى الشَّيْءُ عَلَى جَهْلٍ بِهِ أَسْلَمُ ، مِنْ أَنْ يُؤْتَى عَلَى عِلْمٍ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ فَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْإِثْمُ حَوَازُّ الْقُلُوبِ ، وَهِيَ الْقَوَادِحُ فِيهَا بِالشُّكُوكِ ، فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ يَكُونُ بِمَا قَدَحَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشَّكِّ ، فَكَيْفَ هُوَ فِيمَا يَتَيَقَّنُهُ الْقَلْبُ ، أَوَلَيْسَتِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ؟ . حَدَّثَنَا أَصْحَابُ الْأَصْمَعِيِّ عَنْهُ ، عَنْ مُعْتَمِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ : " أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِقَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ، فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُمْ فِيهِ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ : مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : يَقُولُونَ : قَرْنُ عَنْزٍ ، قَرْنُ تَيْسٍ ، فَقَالَهَا فَغُفِرَ لَهُ " حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا أَنَّهُ بَلَغَهُ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَجَمِ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ ، فَلَمَّا رَأَى أَكُفَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ مُنْبَسِطَةً ، وَأَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ مُرْتَفِعَةً ، وَأَقَاوِيلَهُمْ بِضُرُوبِ الْمَسَائِلِ مُخْتَلِفَةً ، وَرَأَى لِسَانَهُ لَا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَجِيشُ بِهِ صُدُورُهُمْ ، عَمَدَ إِلَى صَحِيفَةٍ وَكَتَبَ فِيهَا حَوَائِجَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَنَصَبَهَا عَلَى عَالِيَةِ رُمْحٍ كَانَ مَعَهُ ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّاسَ ، وَعَطَفُوا عَلَيْهِ بِالْمِقَةِ ، وَرَجَوْا لَهُ مِنَ الْقَبُولِ أَكْثَرَ مِمَّا رَجَوْا لِمَنْ أَسْهَبَ فِي الْقَوْلِ . وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَيْضًا شُرْبُهُمْ مِنْهُ الْغَلِيظَ الْكَاظَّ الْقَبِيحَ مَنْظَرًا ، الرَّدِي مَخْبَرًا ، الَّذِي نَشْوَتُهُ سَدَرٌ ، وَعَاقِبَتُهُ دَاءٌ ، وَالْخَمْرُ مُعْرِضَةٌ بِصَفَائِهَا وَطِيبِ رَائِحَتِهَا ، وَسُهُولَةِ مَسْلَكِهَا ، وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهَا يُظْهِرُ مِنْهَا التَّقَذُّرَ ، وَيَصُونُ عَنْهَا الثَّوْبَ ، وَلَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِكَأْسٍ مِنْهَا ، كَأْسٌ مِنَ الْعِقْيَانِ ، لَمْ يَشْرَبْهُ ، فَمَاذَا الْعُذْرُ إِنْ كَانَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِي تَرْكِ مَا هُوَ أَنْفَعُ إِلَى مَا هُوَ أَضَرُّ ، وَمَا هُوَ أَغْلَى إِلَى مَا هُوَ أَخَسُّ ، هَيْهَاتَ ، مَا ذَاكَ إِلَّا لِفَرَقٍ وَاقِعٍ فِي الْقُلُوبِ ، وَشَهَادَاتُ الْأَفْعَالِ أَعْدَلُ مِنْ شَهَادَاتِ الْمَقَالِ . وَأَمَّا قَوْلُ الشُّعَرَاءِ فِي شَارِبِي النَّبِيذِ وَالْمُنَادِمِينَ عَلَيْهِ ، فَقَدْ قَالُوا أَخْبَثَ مِنْهُ فِي تَارِكِي النَّبِيذِ وَالْهَاجِرِينَ لَهُ . قَالَ ابْنُ بِيضٍ الشَّاعِرُ : أَلَا لَا يَغُرَّنْكَ ذُو سَجْدَةٍ يَظَلُّ بِهَا دَائِبًا يَخْدَعُ وَمَا لِلتُّقَى لَزِمَتْ وَجْهَهُ وَلَكِنْ لِيَأْتِيَ مُسْتَوْدَعُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا حَوَاهَا السُّجُودُ فَلَيْسَتْ إِلَى رَبِّهَا تُرْجَعُ وَرَدَّ أَخُو الْكَأْسِ مَا عَنْدَهُ وَمَا كُنْتُ فِي رَدِّهِ أَطْمَعُ وَقَالَ آخَرُ : أَمَّا النَّبِيذُ فَلَا يَذْعَرْكَ شَارِبُهُ وَاحْفَظْ ثِيَابَكَ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْمَاءَ قَوْمٌ يُوَرُّونَ عَمَّا فِي نُفُوسِهِمُ حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنُوا كَانُوا هُمُ الدَّاءَ مُشَمِّرِينَ إِلَى أَنْصَافِ سُوقِهِمُ هُمُ الذِّئَابُ وَهُمْ يُدْعَونَ قُرَّاءَ وَقَالَ أَعْرَابِيُّ : صَلَّى فَأَعْجَبَنِي وَصَامَ فَرَابَنِي نَحِّ الْقَلُوصَ عَنِ الْمُصَلِّي الصَّائِمِ وَقَالَ آخَرُ : شَمِّرْ ثِيَابَكَ وَاسْتَعِدَّ لِقَابِلٍ وَاحْكُكْ جَبِينَكَ لِلْقَضَاءِ بِثُومِ وَامْشِ الدَّبِيبَ إِذَا مَشَيْتَ لِحَاجَةٍ حَتَّى تُصِيبَ وَدِيعَةً لِيَتِيمِ وَقَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ : أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ سَمْتًا وَعَلَى الْمَنْقُوشِ دَارُوا وَلَهُ صَلَّوْا وَصَامُوا وَلَهُ حَجُوا وَزَارُوا لَوْ بَدَا فَوْقَ الثُّرَيَّا وَلَهُمْ رِيشٌ لَطَارُوا وَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ فِي بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ : أَبِلَالُ إِنِّي رَابَنِي مِنْ شَأْنِكُمْ قَوْلٌ تُزَيِّنُهُ وَفِعْلٌ مُنْكَرٌ مَا لِي أَرَاكَ إِذَا أَرَدْتَ خِيَانَةً جَعَلَ السُّجُودُ بِحُرِّ وَجْهِكَ يَظْهَرُ مُتَخَشِّعًا طَبِنًا لِكُلِّ عَظِيمَةٍ تَتْلُو الْقُرَآنَ وَأَنْتَ ذِئْبٌ أغْبَرُ وَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ ، إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ مِنَ الْحَبْسِ : أَنْتَ يَا ابْنَ الرَّبِيعِ علَّمْتَنِي الْخَيْرَ وَعَوَّدْتَنِيهِ وَالْخَيْرُ عَادَهْ فَارْعَوَى بَاطِلِي وَرَاجَعَنِي الْحِلْمُ وَأَحْدَثْتُ تَوْبَةً وَزَهَادَهْ لَوْ تَرَانِي ذَكَرْتَ بِي الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فِي حَالِ نُسْكِهِ أَوْ قَتَادَهْ مِنْ خُشُوعٍ لِرَيْبَةٍ بِخُضُوعٍ وَاصْفِرَارٍ مثل اصْفِرَارِ الْجَرَادَهْ التَّسَابِيحُ فِي ذِرَاعِي وَالْمُصْحَفُ فِي لَبَّتِي مَكَانَ الْقِلَادَهْ فَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَرَى طُرْفَةً تَعْجَبُ مِنْهَا مَلِيحَةً مُسْتَفَادَهْ فَادْعُ بِي لَا عَدِمْتَ تَقْوِيمَ مِثْلِي فَتَأَمَّلْ بِعَيْنِكَ السِّجَّادَهْ تَرَ إثْرًا مِنَ الصَّلَاةِ بِوَجْهِي تُوقِنُ النَّفْسُ أَنَّهَا مِنْ عِبَادَهْ لَوْ رَآهَا بَعْضُ الْمُرَائِينَ يَوْمًا لَاشْتَرَاهَا يُعِدُّهَا لِلشَّهَادَهْ وَلَقَدْ طَالَمَا شَقِيتُ وَلَكِنْ أَدْرَكَتْنِي عَلَى يَدَيْكَ السَّعَادَهْ قَالَ : وَهَؤُلَاءِ الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ، الْعَامِلُونَ لِلنَّاسِ ، وَالتَّارِكُونَ لِلنَّاسِ ، وَالْمُرْتَهِصُونَ لِلدُّنْيَا بِالدِّينِ ، شِرَارُ الْخَلْقِ ، وَأَرْذَالُ الْبَرِيَّةِ ، وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى شَرَبَةَ النَّبِيذِ عَلَيْهِمْ ، بِإِرْسَالِ الْأَنْفُسِ عَلَى السَّجِيَّةِ ، وَإِظْهَارِ الْمُرُوءَةِ . وَلَسْنَا نَصِفُ بِهَذَا الْأَدْنِيَاءَ مِنْهُمْ ، وَلَيْسَ مِنَ النَّاسِ صِنْفٌ إِلَّا وَفِيهِ حُشْوَةٌ وَلَهُ شَوْبٌ . قَالَ أَعْرَابِيٌّ كَانَ تَرَكَ النَّبِيذَ ثُمَّ عَادَ فِيهِ : قَدْ كُنْتُ تُبْتُ مِنَ النَّبِيذِ وَلَا أَرَى أَحَدًا مِنَ الْأَشْرَافِ إِلَّا يَشْرَبُ فَحَلَفْتُ لَا أَدَعُ النَّبِيذَ وَلَا أُرَى إِلَّا إِلَى أَصْحَابِهِ أَتَقَرَّبُ مَا مِنْ أَخٍ لِي مُنْذُ كَانَتْ تَوْبَتِي إِلَّا تَجَنَّبَنِي كَأَنِّي أَجْرَبُ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَائِبٌ إِنْ كُنْتُ تُبْتُ فَقَدْ نَكَثْتُ فَجَرِّبُوا . وَقَدْ دَرَجَ النَّاسُ فِي مَآكِلِهِمْ ، وَمَشَارِبِهِمْ ، وَزِيِّهِمْ ، وَظَاهِرِهِمْ ، وَبَاطِنِهِمْ ، عَلَى أَمْرٍ لَمْ يُصْبِحِ النَّاسُ الْيَوْمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا . كَانَ الصَّالِحُونَ مِنَ السَّلَفِ يَتَمَازَحُونَ ، وَيَضْحَكُونَ ، وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا . وَسَابَقَ عَائِشَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، فَسَبَقَهَا تَارَةً وَسَبَقَتْهُ أُخْرَى . وَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الدِّرْكِلَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . وَقَامَ يَنْظُرُ إِلَى وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَزْفِنُونَ وَمَازَحَ عَجُوزًا فَقَالَ : " إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعُجُزُ " . وَاسْتَدْبَرَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ زَاهِرٌ ، وَأَخَذَ بِعَيْنَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ ، وَقَالَ : " مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي الْعَبْدَ ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ : إِذَنْ تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَاسِدًا . وَكَانَتْ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُعَابَةٌ . وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَضْحَكُ حَتَّى يَسِيلُ لُعَابُهُ . وَخَطَبَ امْرَأَةً فُرَدَّ عَنْهَا ، فَقَالَ : نُبِّئْتُ أنَّ فَتَاةً كُنْتُ أَخْطُبُهَا عُرْقُوبُهَا مثل شَهْرِ الصَّومِ فِي الطُّولِ . وَخَطَبَ أُخْرَى فَزُوِّجَ ، فَقَالَ : كَأَنَّ الْمُدَامَةَ وَالزَّنْجَبِيلَ وَرِيحَ الْخُزَامَى وَذَوْبَ الْعَسَلْ يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا إِذَا النَّجْمُ وَسْطَ السَّمَاءِ اعْتَدَلْ . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ : كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ قَوْمٍ فَأَنْشَدْتُ شِعْرًا ، فَقَالُوا : قُمْ فَقَدْ أَحْدَثْتَ ، فَأَتَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمُتَوَضَّإِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ لِيُكَبِّرَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : دِيَارٌ لِرَمْلَةَ إِذْ عَيْشُنَا بِهَا عَيْشَةُ الْأَنْعَمِ الْأَفْضَلِ وَإِذْ وِدُّهَا فَارِغٌ لِلصَّدِيقِ لَمْ يَتَغِيَّرْ وَلَمْ يُشْغَلِ كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ وَالْقَرْقَفِيَّةَ بِالْفُلْفُلِ يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا قَبِيلَ الصَّبَاحِ وَلَمْ يَنْجَلِ . ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الضَّبِّيُّ : أَتَيْتُ مِسْعَرَ بْنَ كِدَامٍ مَعَ جَمَاعَةٍ ، فَأَلْفَيْنَاهُ يُصَلِّي فَأَطَالَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : أَلَا تِلْكَ عَزَّةُ قَدْ أَقْبَلَتْ تَرَفَّعُ دُونِيَ طَرْفًا غَضِيضًا تَقُولُ مَرِضْتُ فَمَا عُدْتَنَا وَكَيْفَ يَعُودُ مَرِيضٌ مَرِيضًا . ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْشِدُ وَهُوَ مُحْرِمٌ : وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا . فَقَالُوا لَهُ : أَتَقُولُ الرَّفَثَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا الرَّفَثُ عِنْدَ النِّسَاءِ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِذَا مَشَى أَسْرَعَ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ . وَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ إِلَى شُرَيْحٍ فِي مُنَازَعَةٍ بَيْنَهُمَا ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ، فَقَضَى عَلَيْهِ شُرَيْحٌ ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَتَقْضِي عَلَيَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ؟ فَقَالَ : شَهِدَ عِنْدِي ثِقَةٌ : فَقَالَ : مَنْ هُوَ ؟ قَالَ : ابْنُ أُخْتِ خَالَتِكَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : دُلُّونِي عَلَى رَجُلٍ بَكَّاءٍ بِاللَّيْلِ بَسَّامٍ بِالنَّهَارِ . وَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَصْحَابُهُ ، مِنْ قِصَّةِ نُعَيْمَانَ وَسُوَيْبِطٍ حِينَ خَرَجَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، إِلَى الشَّامِ وَبَاعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَوْلًا . فَهَذِهِ قِصَّةُ الْخِيَارِ فِي تَرْكِ التَّصَنُّعِ ، وَإِرْسَالِ الْأَنْفُسِ عَلَى السَّجَايَا فِيمَا لَا يَحْرُمُ . فَقَدْ ضَرَبَ النَّاسُ الْيَوْمَ بِأَذْقَانِهِمْ عَلَى صُدُورِهِمْ وَنَظَرُوا الشَّزْرَ . وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ ، ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ ، لَا يَزِيدُ الْخُشُوعُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ " . وَكَانَ النَّاسُ يَلْبَسُونَ مَا وَجَدُوا مِنَ الْخَزِّ ، وَالْيُمْنَةِ ، وَالْحِبَرَاتِ ، وَالْكَرَابِيسِ ، وَالصُّوفِ ، مِنْهُمْ تَمِيمٌ الدَّرِايُّ كَانَ يَلْبَسُ حُلَّةً بَأَلْفِ دِرْهَمٍ يُصَلِّي فِيهَا . وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَلْبَسُ الْخَزِّ . وَكَسَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ ، بُرْنُسًا فَبَاعَهُ مُحَمَّدُ بِخَمْسِ مِائَةِ دِرْهَمٍ . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرْتَدِي رِدَاءً بِأَلْفٍ . وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَلْبَسُ مِلْحَفَةً مُعَصْفَرَةً ، وَيَجْلِسُ عَلَى مَجْلِسٍ مُعَصْفَرٍ ، فِي حَجَلَةٍ ، فِيهَا تَصَاوِيرُ الْعَنْقَاءِ . وَكَانَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَلْبَسُ جُبَّةَ خَزٍّ ، وَمُطْرَفَ خَزٍّ ، وَيُجَالِسُ الْمَسَاكِينَ . وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ وَيَقُولُ : إِنِّي لَأَلْبَسُهُ ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ زِينَةُ الشَّيْطَانِ ، وَأَتَخَتَّمُ الْحَدِيدَ وَأَعْلَمُ أَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ إِخْفَاءَ نَفْسِهِ ، وَكَانَ مَذْهَبُهُ سَتْرَ عَمَلِهِ وَوَضْعَ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا اللِّبَاسِ ، وَمُجَالَسَةَ الشُّرَطِ وَمُخَالَفَةَ قَوْمٍ مِنَ الْأَدْنِيَاءِ ، لِئَلَّا يَذْكُرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فِيمَنْ عَمِلَ لِوَجْهِهِ عَمَلًا ، أَنْ يُشْهِرَهُ بِالْخَيْرِ ، وَيَطَّلِعَ مِنْهُ عَلَى السَّرِيرَةِ ، كَمَا أَبَى فِيمَنْ لَبِسَ لِلنَّاسِ ، وَشَرِبَ لِلنَّاسِ ، وَعَمِلَ لِلنَّاسِ ، وَتَرَكَ لِلنَّاسِ ، أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ لَهُ عَلَمًا أَوْ يُبْقِيَ لَهُ ذِكْرًا فِي الْآخِرِينَ . وَكَانَ أَيُّوبُ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةَ أَفْوَافٍ ، وَقَالَ : لِأَنْ أَلْبَسَهَا لِعُيُونِ خَيْرٍ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا لِعُيُونِ النَّاسِ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَيَّبُ ، وَقَالَ : " قَدْ حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ " . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَجْوَدِ النَّاسِ غَالِيَةً . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُلَطِّخُ بِالْمِسْكِ عَلَى يَافُوخِهِ فَيُرَى كَأَنَّهُ الرُّبُّ . وَقَالَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ : كُنْتُ أَشُمُّ الْمِسْكَ مِنْ سَوْطِ ابْنِ شِهَابٍ . فَقَدْ كَان اللِّبَاسُ وَالطِّيبُ مِنَ الْمُنْكَرِ ، وَمَنْ ذَا مِنْ قُرَّاءِ زَمَانِنَا يَلْبَسُ خَزًّا ، أَوْ حِبَرَةً ، أَوْ يَمَسُّ طِيبًا ، إِذَا كَانَتْ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ ، وَتَزُولُ بِزَوَالِ التَّقَشُّفِ عَنْهُ وَوَسَخِ الثَّوْبِ ، وَتُعِلُّ الرِّيحُ عَدَالَتَهُ . قَالَ أَيُّوبُ ، وَذُكِرَ لَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَقَشَّفُونَ : مَا عَلِمْتُ أَنَّ الْقَذَرَ مِنَ الدِّينِ . وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَلَالَ النَّبِيذِ فِي عُرُسَاتِهِمْ ، وَمَآدِبِهِمْ وَعَلى غَدَائِهِمْ وَعَشَائِهِمْ ، وَيَوْمَ دَوَائِهِمْ ، وَلَا يَسْتَتِرُونَ بِذَلِكَ . قَالَ حَفْصُ بْنُ غَيَّاثٍ : كُنْتُ عِنْدَ الْأَعْمَشِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَبِيذٌ ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ فَسَتَرْتُهُ ، فَقَالَ لِي : لِمَ سَتَرْتَهُ ؟ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقُولَ لِئَلَّا يَرَاهُ مَنْ يَدْخُلُ ، فَقُلْتُ : كَرِهْتُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ ذُبَابٌ ، فَقَالَ لِي : هَيْهَاتَ إِنَّهُ أَمْنَعُ جَانِبًا . وَحَضَرَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ بِالشَّامِ ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالرَّقَائِقِ وَالزُّهْدِ ، مَائِدَةَ صَالِحٍ الْعَبَّاسِيِّ مَعَ فُقَهَاءِ الْبَلَدِ ، فَحَدَّثَنِي مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ ، وَهُوَ الْبُحْتُرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ نَبِيذٍ ، فَشَرِبَهُ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ بِثَانٍ فَامْتَنَعَ مِنْ شُرْبِهِ ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَقَالُوا : شَرِبْتَ الْمُسْكِرَ عَلَى أَخَاوِينِ هَؤُلَاءِ ، وَصِرْتَ لَهُمْ حُجَّةً ، فَقَالَ : أَحْسَبُكُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ ، فَقَالَ : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ سورة النساء آية 108 ، ثُمَّ قَالَ : فَكَيْفَ يَكُونُ أَنْ أَدَعَهُ لَكُمْ وَأَشْرَبَهُ بِعَيْنِ اللَّهِ . قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِرَجُلٍ عَتَبَ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَانَ يَعْدِلُهُ وَيَقْطَعُ بِقَوْلِهِ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَشْرَبُ الْمُسْكِرَ ، فَقَالَ : مَا أَشْرَبُ الْمُسْكِرَ ، وَلَكِنْ أَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ . وَقَالَ آخَرُ مِنَ الْقُضَاةِ لِرَجُلٍ شَهِدَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةٍ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَلْعَبُ بِالْكِلَابِ ، فَقَالَ : كَذَلِكَ أَيُّهَا الْقَاضِي ، مَنْ أَخْبَرَكَ أَنِّي أَلْعَبُ ، وَلَكِنِّي آخُذُ فِي الصَّيْدِ بِهَا . وشَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ سَوَّارٍ بِشَهَادَةٍ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُ بِشُرْبِ النَّبِيذِ ، فَقَالَ : أَمَّا النَّبِيذُ فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكِهِ وَلَا شَهَادَةَ لِي مَا عَاشَ سَوَّارُ . فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ فِي تَرْكِ الرِّيَاءِ ، وَالتَّصَنُّعَ مِنْ رَجُلٍ سُرِقَتْ نَعْلُهُ ، فَلَمْ يَشْتَرِ نَعْلًا حَتَّى مَاتَ ، وَقَالَ : أَكْرَهُ أَنْ أَتَّخِذَ نَعْلًا ، فَلَعَلَّ رَجُلًا يَسْرِقُهَا فَيَأْثَمُ . وَمَرَّ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُ دِرْهَمٌ فَوَقَعَ فِي تُرَابٍ ، فَحَثَوُا التُّرَابَ فَوَجَدُوهُ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، كَأَنَّهُ دِرْهَمِي ، قَالُوا : أَوَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ نَقْشَهُ ؟ فَقَالَ : أَوَ مَا ضُرِبَ تِلْكَ السَّنَةَ غَيْرُهُ . وَآخَرُ ، قِيلَ لَهُ : كَيْفَ بِرُّكَ بِأُمِّكَ ؟ قَالَ : لَيْتَنِي لَمْ أُقَبِّلْهَا . وَقَالَ آخَرُ : نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ عَرَفَاتٍ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ ، لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ فِيهِمْ . وَقِيلَ لِآخَرَ ، وَهُوَ بِمَكَّةَ : لِمَ لَا تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِي دَلْوٌ لَشَرِبْتُ . وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لِرَجُلٍ بِكِيسٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : آخُذُ الْخَيْطَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : ضَعِ الْكِيسَ . وَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنَسِيَ مَالًا ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ ذَكَرَهُ ، فَبَعَثَ رَسُولًا لِيَأْتِيَهُ بِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : وَأَيْنَ تَجِدُهُ ؟ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَيَأْخُذُ أَحَدٌ مَا لَيْسَ لَهُ ؟ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : سَأَلَنِي سَهْلُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مَا سُئِلْتُ عَنْ مِثْلِهَا ، قَالَ : أَسْتَنْجِي بِمَدَرِ غَيْرِي ؟ وَقَالَ : قَاسَمْتُ إِخْوَتِي وَبَيْنَنَا مِئْزَرٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ ، وَبِي الْبَطْنُ ، أَفَأَدْخُلُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُهُ شُرَكَائِي ؟ وَقَالَ : إِنَّ لِي تُوتًا عَلَى بَابِ دَارِنَا وَلَيْسَ لِي فِي ذَلِكَ الْمَاءِ نَصِيبٌ ، أَفَأَنْتَفِعُ بِوَرَقِهِ ؟ وَقَالَ آخَرُ : دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، فَقَالَ : أَفْطَرْتُ الْبَارِحَةَ عَلَى رَغِيفٍ وَزَيْتُونَةٍ ، وَنِصْفِ زَيْتُونَةٍ ، وَثُلُث ، أَوْ زَيْتُونَةٍ وَثُلُثَيْنِ ، وَمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ أُخْرَى ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ : يَا فَتَى بَلَغَنَا أَنَّ مِنَ الْوَرَعِ مَا يَمْقَتُهُ اللَّهُ . قَالَ : وَكَانَ آخَرُ رُبَّمَا قَالَ : فَعَلْتُ كَذَا حَتَّى صَارَ النَّجْمُ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِي ، أَوْ حِينَ جَازَنِي شَيْئًا ، أَوْ قُبَيْلَ أَنْ يُوَارِيَ هَامَتِي ، كَذَا هُوَ عِنْدِي ، وَفِي أَغْلَبِ ظَنِّي ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَجْزِمَ عَلَى شَيْءٍ ، وَهُوَ كَمَا قُلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَرِيبٌ مِمَّا قُلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ يَطُولُ بِاقْتِصَاصِهِ الْكِتَابُ ، وَيَخْرُجُ عَنْ فَنِّهِ ، وَنَحْنُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ نَتَزَيَّنَ عِنْدَ النَّاسِ ، بِمَا يَشِينُنَا عِنْدَهُ ، أَوْ نَتَقَرَّبَ إِلَيْهِمْ بِمَا يُبَاعِدُنَا مِنْهُ ، وَأَنْ نُشْرِكَ بِعَبَادَةِ رَبِّنَا أَحَدًا . هَذَا آخِرُ قَوْلِ الْمُطْلِقِينَ وَحُجَجِهِمْ ، قَدْ قَابَلْنَا بِهِ قَوْلَ الْحَاظِرِينَ وَحُجَجَهُمْ . وَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قَوْمٌ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ حَلَالِ النَّبِيذِ وَحَرَامِهِ بِالنَّارِ ، وَقَالُوا : مَا طُبِخَ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَمَا كَانَ مِنَ النَّقِيعِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَبِالسُّنَّةِ مُشَبَّهٌ بِالْخَمْرِ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ ، وَحَرَّمُوا الْخَلِيطَيْنِ ، وَإِنِ اسْتُخْرِجَ شَرَابُهُمَا بِالنَّارِ . وَحَرَّمَ آخَرُونَ بِالظُّرُوفِ مِنَ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ الْمُقَيَّرِ وَالْمُزَفَّتِ ، وَأَحَلُّوا بِالْأَسْقِيَةِ . وَتَرَدَّدَ آخَرُونَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ . وَأَجْمَعُوا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ شُرْبِهِ ، وَالتَّنَزُّهَ عَنْهُ أَسْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ ، وَأَحْسَنُ فِي الْأُحْدُوثَةِ ، وَأَصْوَنُ لِلْمُرُوءَةِ ، خَلَا رَجُلَيْنِ كَانَا بِهِ مُغْرَمَيْنِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ ، أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ ، كَانَ يَقُولُ : شُرْبُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ ، وَأَحَلُّهُ أَصْلَبُهُ . وَالْآخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ ، كَانَ يَقُولُ : شُرْبُ نَبِيذِ السِّقَاءِ مِنَ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْجِرِّيِّ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَمَنْ شَرِبَهُ فَقَدْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ ، وَمَنْ تَرَكَ شُرْبَهُ فَقَدْ أَمَاتَهَا . وَهَذَا تَسْوِيلُ النَّفْسِ ، وَمُسَاعَفَةُ الْهَوَى ، وَتَزْيِينُ الشَّيْطَانِ ، وَإِظْهَارُ خِلَافِ عَقْدِ الضَّمِيرِ بِاللِّسَانِ .