حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ ° ، عَنْ مُجَاهِدٍ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : " حُصِرْنَا فِي الشِّعْبِ ثَلاثَ سِنِينَ ، وَقَطَعُوا عَنَّا الْمِيرَةَ ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ بِالنَّفَقَةِ فَمَا يُبَاعُ شَيْئًا ، حَتَّى مَاتَ مِنَّا قَوْمٌ "
قالوا : ولما رد النجاشي عمرا وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي إلى قريش بغير ما أرادوا ، وحقق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه وأسلم ، أزدادوا على من بالشعب غيظا وحنقا ، فأجمعوا على أن كتبوا كتابا على بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف أن لا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يخالطوهم في شيء ، ولا يكلموهم ، وعلقوا الصحيفة التي كتبوا ذلك فيها في الكعبة ، وقطعوا عنهم المادة والميرة . فكانوا لا يخرجون من الشعب في الثلاث سنين التي كانوا فيها بالشعب إلا من موسم إلى موسم ، حتى بلغهم الجهد ، وتضاغى صبيانهم فسمع ضغاؤهم من وراء الشعب ، وكان من قريش من يكره ما ركبوا به ونيل منهم . ثم إن الله تبارك وتعالى سلط على صحيفتهم التي كتبوها الأرضة ، فلم تدع إلا باسمك اللهم ، فأخبر الله عز وجل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طالب . فقال أبو طالب : والله ما يدخل علينا أحد ، فمن أخبرك بهذا ؟ قال : ربي ، وهو الصادق يا عم ، قال : أشهد أنك لا تقول إلا حقا ، فخرج أبو طالب في جماعة من رهطه ، حتى وقف على قريش ، فقال : ادعوا بصحيفتكم التي كتبتموها علينا . فخرجوا سراعا ليأتوا بها ، وهم يظنون أن ذلك لأمر يوافقهم . فوجدوها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقويت نفس أبي طالب واشتد صوته ، وقال المشركون : إنما تأتونا بالسحر والبهتان ، ويقال : إنهم نكسوا رءوسهم ، فقال أبو طالب : قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة . ويقال : إن الصحيفة لم تكن في الكعبة ، ولكنها كانت موضوعة على يد طعيمة بن عدي ، ويقال على يد أم أبي جهل ، وهي أسماء ابنة مخربة التميمية . وقوم يقولون : إنها وضعت على يد أم الجلاس بنت مخربة أختها . وكان الذي خط الصحيفة ، فيما ذكر الكلبي ، بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، فشلت يده يوم خطها . وقال غيره : اسمه منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار . وقال الواقدي : كان هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب ، من بني عامر بن لؤي ، وهو ابن أخي نضلة بن هاشم لأمه ، يأتي بالبعير قد أوقره طعاما ليلا ، حتى إذا أقبله الشعب خلع خطامه وضرب على جنبيه فيدخل الشعب . وقال الكلبي : هو هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل ، وله يقول حسان بن ثابت بعد ذلك : من معشر لا يغدرون بذمة الحارث بن حبيب بن شحام فشدد حبيبا لضرورة الشعر ، وكان يقال لأم جذيمة بن مالك : شحام . وخرج العباس بن عبد المطلب من شعب أبي طالب ليشتري طعاما ، فأراد أبو جهل أن يسطو به ، فمنعه الله منه . وأرسلت خديجة بنت خويلد إلى زمعة بن الأسود : إن أبا جهل يمنع من ابتياع ما نريد ، فأسمع أبا جهل كلاما ، فأسمعه ، فأمسك . وبعث إليها حكيم بن حزام بن خويلد بناقة ، عليها دقيق ، فسرحها في الشعب . وكان يخلص إليهم الشيء بعد الشيء . ثم إن هشام بن عمرو بن ربيعة مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة ، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : يا زهير ، " أرضيت بأن تأكل وتشرب وتلبس الثياب وتنكح النساء آمنا ، وأخوالك بحيث علمت على الحال التي تعرف من الجهد والضر ؟ فقال له : إنما أنا رجل واحد ، قال : فقد وجدت ثانيا . قال : ومن هو ؟ قال : أنا . فقال زهير : ابلغنا ثالثا . قال : فذهب إلى مطعم بن عدي ، فقال له : أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد ، موافق لقريش على ذلك ؟ قال : ويحك ، فما أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد . قال : فقد وجدت لك ثانيا . قال : من هو ؟ قال : أنا . قال : فابغنا ثالثا . قال : قد وجدته . قال : ومن هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية . قال : فابغنا رابعا . فذهب إلى أبي البختري العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى ، فكلمه . فقال : هل من أحد على هذا الرأي ؟ قال : نعم ، أنا ومطعم بن عدي ، وزهير بن أبي أمية . قال : فابغنا خامسا . فأتى زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى ، فكلمه وأخبره خبر القوم . وأجمعوا أمرهم ، وتعاهدوا على القيام بنقض ما في الصحيفة وإخراج بني هاشم وبني المطلب من الشعب " . ولما كان من خروج أبي طالب إلى قريش وإخبارهم بما حدث من أمر الصحيفة من أكل الأرضة إياها ما كان ، رجع أبو طالب إلى الشعب وهو يقول : لماذا نحبس وقد أبان الله الأمر ووضح ؟ قالوا : وشرب مطعم بن عدي شرابه . فلما انتشى ، قال : من مثلي ؟ فقال له عدي بن قيس بن عدي السهمي ويقال : عتبة بن ربيعة إن كنت كما تقول ، فما بال بني عمك جوعى هلكى مظلومين ؟ وكان عدي بن قيس يكنى : أبا حسان ، فلما صحا ، لبس سلاحه ، ولبس أبو البختري ، وزهير بن أبي أمية ، وهشام بن عمرو ، وعتبة بن أبي ربيعة ، وزمعة بن الأسود سلاحهم . وصاروا إلى الشعب ، فأخرجوا بني هاشم وبني المطلب ، فلما رأت قريش ذلك ، سقط في أيديهم ، وعلموا أنهم لا يسلمونهم ، وأن عشائرهم تمنعهم . وكان خروجهم من الشعب في السنة العاشرة من نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان موت أبي طالب بعد خروجهم من الشعب في أول ذي القعدة سنة عشر من المبعث . ويقال : للنصف من شوال ، وله بضع وثمانون سنة ، ويقال : إن بين موته وموت خديجة بنت خويلد شهر وخمسة أيام . ويقال : خمسة أيام . ويقال خمسة وعشرين يوما . ويقال : ثلاثة أيام . وكان موتها قبل موته . ودفنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون ، ولم تكن الصلاة على الجنائز يومئذ " . قالوا : " وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه زيد بن حارثة مولاه . بعد موت أبي طالب إلى الطائف . فآذته ثقيف ، فأسمعوه وأغروا سفهاءهم به ، وقالوا : كرهك أهل بلدك وقومك ولم يقبلوا منك ، فجئتنا ، فنحن والله أشد لك إباء ، وعليك ردا ، ومنك وحشة . فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة ، ثم قال : " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، يا رب المستضعفين ، إلى من تكلني ؟ " وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزيد بن حارثة ، راجعين حين يئس من أهل الطائف . ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من خزاعة إلى سهيل بن عمرو يسأله أن يدخل في جواره ، فأبى . ثم بعث إلى مطعم بن عدي ، فأجاره ، فدخل في جواره . ولبس قومه السلاح حتى أدخلوه المسجد . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكرها لمطعم بن عدي . وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لثلاث ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة . وقدم مكة يوم الثلاثاء لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة . قالوا : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو القبائل في الموسم قبل الهجرة ، ويسألهم نصرته ومنعته . فكان يلقى منهم تجهما وغلظا ، ولقي من بني عامر بن صعصعة ما لم يلق من أحد من العرب . وقال له رجل من بني محارب يوما : والله لا يؤوب بك قوم إلى دارهم إلا آبوا بشر ما آب به أهل موسم ، وكان صلى الله عليه وسلم يطوف على القبائل ، يدعوهم ، وأبو لهب خلفه يثبط الناس عنه ، ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني حنيفة مثل ما لقي من بني عامر . ولم يكن حي من العرب ألين قولا له ولا أحسن ردا عليه من كندة ، ودعا كلبا ، فلم يقبلوا منه . وقال شيخ منهم : ما أحسن ما يدعو إليه هذا الفتى إلا أن قومه قد باعدوه ، ولو صالح قومه ، لا تبعته العرب . وقدم قوم من الأوس مكة يطلبون حلف قريش على الخزرج ، لما كان بينهم من الحرب . فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام . فقال له أنس بن رافع : عجبا ، جئنا نطلب حلف قريش على أعدائنا فنرجع وقريش عدونا . ومال إليه بعضهم " . وقالوا : " وخرج سويد بن الصامت قبل يوم بعاث ، حتى قدم مكة ، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم . فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام . فقال له : لعل الذي معك مثل الذي معي . وكانت معه حكمة لقمان . فقال له صلى الله عليه وسلم : " إن هذا لكلام حسن ، والذي معي أحسن منه وأفضل " . ثم قدم ، فقتل ، فهاج قتله يوم بعاث . وكان الذي قتله المجذر بن ذياد البلوي : وكانوا يرون أنه مسلم " . قال الواقدي : فلما كان يوم أحد ، قتل الحارث بن سويد بن الصامت : المجذر بن ذياد غيلة . فأتاه الوحي بقتله فركب إلى بني عمرو بن عوف ، فخرجوا إليه ، وخرج الحارث ، فأمر به فقتل . وقال الكلبي : قتل المجذر حلاس بن سويد غيلة . فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم به قودا . وكان أول من أقيد في الإسلام . وكان القوم من الأنصار بعد القوم يدخلون مكة في أمور لهم ، فيدعوهم . فيقول بعضهم : لم نقدم لهذا . ويسكت بعضهم ، فلا يقول شيئا . ثم قدم قيس بن الخطيم ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : إني لأسمع كلاما عجبا ، فدعني أنظر في أمري في هذه السنة ، ثم أعود . فمات قبل الحول .