حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، ثنا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، أنبأ أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ سورة النساء آية 100 الآيَةَ ، قَالَ : وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ يُقَالُ لَهُ : ضَمْرَةُ بْنُ الْعِيصِ ، أَوِ الْعِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْبَاعٍ . لَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهِجْرَةِ ، فَأَمَرَ لأَهْلِهِ أَنْ يَفْرِشُوا لَهُ عَلَى سَرِيرٍ وَيَحْمِلُوهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفَعَلُوا ، فَمَاتَ بِالتَّنْعِيمِ ، فَنَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ "
قَالُوا : " وكان عَبْد اللَّه بْن سلام ، يَقُولُ : كنتُ تعلمت التوراة من أَبِي ، وعرفتُ تأويلها . فوقفني ذات يَوْم عَلَى صفة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلاماته وأمره ، وقَالَ : إن كَانَ من ولد هارون اتبعته وإلا فلا ، ومات قبل قدوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ، قَالَ : فلما قدم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كنتُ فِي عذق لي أجني رطبًا . فسمعتُ صائحًا من بني النضير ، يَقُولُ : قَدْ قدم صاحب العرب اليوم . فأخذني أفكل ، وكبرتُ تكبيرة عالية . وعمتي تحتي ، وهي عجوز ، فقالت : أي خبيث ، والله لو كَانَ مُوسَى القادم ، ما زدتَ عَلَى ما صنعتَ ، فقلتُ : إنه أخو مُوسَى ونبي مثله ، ثُمَّ نزلتُ ، فأتيتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأيتُ صفته ، فعرفتها ، وحدّثته حديث أَبِي ، وأسلمتُ ، فيقال : إن قول اللَّه عزَّ وجلَّ : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ سورة الأحقاف آية 10 ، نزل فِي عبد اللَّه بْن سلام ، ثُمَّ أسلمت عمته ، وأسلم مخيريق اليهودي " . قَالُوا : " وركب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناقته القصواء ، والناس معه عن يمينه وشماله . فجعل لا يمرّ بقوم من الأنصار إلّا قَالُوا : هلمّ يا رَسُول اللَّه فِي القوة والمنعة والثروة ، فيقول لهم : " خيرًا " ، ويقول : " إنها مأمورة ، خلوا سبيلها " . وَقَدْ أرخى رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زمامها . فبركت عند مسجد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان مرَبدا ليتيمين فِي حجر أسعد بْن زرارة ، فِيهِ جدار كَانَ أسعد بناه تجاه بيت المقدس فكان يصلي إِلَيْه من أسلم قبل قدوم مصعب بْن عمير ، ثُمَّ صلى بهم إِلَيْه مصعب . وَيُقَالُ إنّ أسعد كَانَ يصلي بهم قبل قدوم مصعب وبعده إلى قدوم المهاجرين ، لأن مصعبًا لم يزد عَلَى تعليمهم القرآن . والله أعلم ، قَالُوا : فلما بركت الناقة فضربت بجرانها واطمأنت ، نزل رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فجاء أَبُو أيوب ، وامرأته أم أيوب ، والناس يكلمون رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِي النزول عليهم ، فحطا رحله وأدخلاه منزلهما فلما رآهما قَدْ فعلا ذَلِكَ ، قَالَ : " المرء مَعَ رحله " . وأخذ أَبُو أمامه أسعد بْن زرارة بزمام الناقة ، فأدخلها منزله ، فكانت عنده . وَيُقَالُ : إن أَبِيّ بْن كعب أخذها إلى منزله وكونها عند أسعد أثبت . وقَالَ أَبُو أيوب : بأبي أنت وأمي ، إني أُعظم أن أكون فوقك وانت تحتي . فتحوّله وأهله إلى أسفل ، ونزل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي علوّ داره وجعل بنو النجار يتناوبون فِي حمل الطعام إلى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقامه فِي منزل أَبِي أيوب ، وبعثت إِلَيْه أم يزيد بْن ثابت بثردة مُرّواة سمنا ولبنا . وقيل لأم أيوب ، وكان مقام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي منزل زوجها سبعة أشهر : أي الطعام كَانَ أحبّ إلى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فقالت : ما رَأَيْته أَمَرَ بطعام يصنع لَهُ بعينه ، ولا رَأَيْته ذم طعامًا قطّ ، ولكنّ أبا أيوب أخبرني أَنَّهُ تعشى معه ليلة من قصعة أرسل بها سعد بْن عبادة ، فيها طَفْشيل ، فرآه ينهكها نهكًا لم يره ينهكه غيرها . فكنا نعملها لَهُ . وكنا نعمل لَهُ الهريس ، فنراه يعجبه ، وكان يحضر عشاءه الخمسةُ إلى الستة إلى العشرة " . وروى أن أسعد بْن زرارة " كَانَ يتخذ لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة وليلة لا ، فإذا كانت الليلة التي يتوقعها فيها ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ جاءت قصعة أسعد ؟ " فيقال : نعم . فيقول : " هلموا بها " . فنعلم أنها تعجبه " . قَالَ كعب بْن مالك الْأَنْصَارِيّ : اللَّه أكرمنا بنصر نبينا وبنا أقام دعائم الْإِسْلَام وبنا أعز نبيه ووليه وأعزّنا بالنصر والإقدام فِي كل معترك تُطِير سيوفنا تلك الجماجمَ عن فراخ الهام نَحْنُ الخيار من البرية كلها ونظامها وزمام كل زمام الخائضو غمرات كل منية والضامنون حوادث الأيام فسلوا ذوي الآكال عن سرواتنا يَوْم العريض فحاجر فرؤام إن نُمَنِّع ما أردنا منعه ونجود بالمعروف للمعتام ينتابنا جبريلُ فِي آياتنا بفرائض الْإِسْلَام والأحكام فِي أبيات : وقَالَ أَبُو قيس صرمة بْن أَبِي أنس يذكر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثوى فِي قريش بضع عشرة حجة يذكِّر لو يلقى صديقًا مواتيًا ويعرض فِي أهل المواسم نفسه فلم يرَ من يؤوي ولم يَرَ داعيًا فلما أتانا أظهر اللَّه دينه فأصبح مسرورًا بطيبة راضيًا فِي أبيات . وقَالَ أَبُو أَحْمَد بْن جحش الأعمى الأسدي : فلو حلفت بين الصفا أم أَحْمَد ومروتها يومًا لبّرت يمينها لنحن الألى كُنَّا بها ثُمَّ لم نزل بمكة حتَّى عاد غثا سمينها بها خيمت غنم بن دُودان وابتنت ومنها غدت غنمٌ فخفّ قطينها إلى اللَّه تغدو بين مثنى وواحد ودينُ رَسُول اللَّه بالحق دينها وقَالَ أَبُو أَحْمَد أيضًا : ولما رأتني أمّ أَحْمَد غاديًا بذمة من أخشى بغيب وأرهبُ تَقُولُ : فإمّا كنت لابدّ فاعلًا فيمم بنا البلدانَ من غير يثرب فقلت لها : لا إن تلك مظنةٌ وما يشأ الرحمنُ فالعبد يركبُ إلى اللَّه وجهي والرسول ومن يقم إلى اللَّه يومًا وجهه لا يُخَيَّبُ فكم قَدْ تركنا من حميم مناصح وناصحة إن تنع تبك وتندب وكم من عدو قَدْ تركنا وراءنا مجدّ مباد للعداوة مجلب نمتُّ بأرحام إليهم قريبة ولا قرب للأرحام ما لم تقرّب وأبو أَحْمَد الَّذِي يَقُولُ : أبني أميةَ كيف أُظلم فيكم وأنا ابنكم وحليفكم فِي العسر ولقد دعاني غيركم فأبيته وأجبتكم لنوائب الدهر وبلغ أبا أَحْمَد أنّ أبا سُفْيَان بْن حرب باع دورهم ودار عثمان ، وقضى من ثمنها دينا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أبلغ أبا سُفْيَان عن أمر عواقبه ندامة دارَ ابْنُ عمك بعتها تقضي بها عنك الغرامة وحليفكم بالله ربّ الناس مجتهد القسامة اذهبَ بها اذهب بها طَوَّقتها طوق الحمامة وكان الَّذِي ابتاعها مِنْهُ عَمْرو بْن علقمة بْن المطلب ، أحد بني عامر بني لؤي . وقلت امْرَأَة من الأنصار : لا هُمَّ إنّ الخير خير الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة وعافهم من حرّ نار ساعرة فإنها لكافر وكافرة قَالُوا : " ووجّه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا رافع وزيد بْن حارثة مولييه إلى مكَّة ، لحمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسودة . وأخذ من أَبِي بَكْر خمس مائة درهم فدفعها إليهما لما يحتاجون إِلَيْه . وأعطاهم بعيرين . وكتب أَبُو بَكْر رَضِي اللَّه تَعَالى عَنْهُ إلى عَبْد اللَّه ابنه ، يأمره بحمل أم رومان امرأته ، وعائشة وأسماء . وتّوجه مَعَ زَيْد وأبي رافع : عبدُ اللَّه بْن أُريقط الديلي . فوافوا طلحةَ بْن عُبَيْد اللَّه يريد الهجرة ، فتصاحبوا . فخرج زَيْد وأبو رافع بفاطمة ، وأم كلثوم ، وسودة بِنْت زمعة ، وحبس زينَب زوجها أَبُو العاص بْن الربيع ، وكانت رقية مهاجرة : حملها زوجها عثمانُ بْن عفان . وحمل زَيْد أيضًا امرأته أم أيمن ، وأسامة بْن زَيْد ، وخرج عَبْد الله بأم رومان وأختيه : عَائِشَةَ ، وأسماء فقدموا ورسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبني المسجد وحُجَره . وكان طلحة ، حين هاجر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بالشام . فقدم يريد مكَّة ، فلقي رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة . فصار إلى مكَّة ، ثُمَّ هاجر منها مَعَ عيال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بَكْر " . قَالُوا : " ووهبت الأنصار لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل فضل فِي خططها ، وقالوا لَهُ : إن شئت ، فخذ منا منازلنا . فَقَالَ لهم خيرًا ، وخطّ لأصحابه فِي كل أرض ليس لأحد ، وفيما وهبت لَهُ الأنصار من خططها . وأقام قوم من المسلمين لم يمكنهم البناء بقباء عَلَى من نزلوا عنده وكانت الأنصار أشحّاء عَلَى من نزل عليهم ، من المهاجرين " .