حَدَّثَنِي محمد بن حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ ° ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، قَالَ : " عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَاسْتَصْغَرَنِي ، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي "
" وصفّ المشركون يَوْم أحد صفوفَهم ، وجعلوا عَلَى ميمنتهم خَالِد بْن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة بْن أَبِي جهل ، وعلى الخيل صفوان بْن أمية . وَيُقَالُ : عَمْرو بْن العاص ، وعلى الرماة عَبْد اللَّه بْن أَبِي ربيعة وكانوا مائة رام " . " وسوّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفوفَ المسلمين وأقامها إقامة القدح ، فلم يزل منكب عن منكب ، واتخذ ميمنة وميسرة ، وخطب النَّاس ورغبهم فِي الجهاد ، وحثهم عَلَى الصبر واليقين والجدّ والنشاط ، ودفع لِوَاءَ المهاجرين إلى عليّ عَلَيْهِ السَّلام ، ثُمَّ سَأَلَ عن لواء المشركين ، فقيل : دفع إلى طلحة بْن أَبِي طلحة ، فَقَالَ : نَحْنُ أحق بالوفاء ، فدفعه إلى مصعب بْن عمير العبدري ، وكان لواء الأوس مَعَ أسيد بْن حضير ، ولواء الخزرج مَعَ سعد بْن عبادة ، وَيُقَالُ مَعَ الحُباب بْن المنذر ، وكان شعار النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ أمت أمت . ورتّب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرماة ، وجعل عليهم عَبْد اللَّه بْن جُبَيْر بْن النعمان بْن أمية البُركي الأوسي ، أخا خوّات بْن جُبَيْر صاحب ذات النِّحيين . واستقبل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وجعل أحدًا وراءه ، وقَالَ للرماة وهم خمسون : " الزموا مكانكم فلا تريموا ، واحموا ظهورنا بنبلكم ، وإن رأيتمونا قَدْ هزمناهم ، فأقيموا ولا تبرحوا " . فجعلوا يرشقون المشركين : فما يقع سهم من سهامهم إلا فِي رَجُل أَوْ فرس " . قَالُوا : وكانت امْرَأَة من بني شيبان قَالَتْ يَوْم قضَّة ، وهو من أيام بَكْر وتغلب ابْني وائل ويدعى يَوْم التحالق : إن تَقبلوا نُعانق ونفرش النمارق أَوْ تُدبروا نفارق فراقَ غير وامق فجعل نساء قريش يضربن يَوْم أحد بالدفوف ، ويقلن : نَحْنُ بنات طارق نمشي عَلَى النمارق إن تُقبلوا نعانق أَوْ تُدبروا نفارق فراق غير وامق يُردن : نَحْنُ بنات الكوكب ، لرفعته ، وأنَّه لا يُنال ، وَيُقَالُ : إن رملة بِنْت طارقَ ، وأم حكيم بِنْت طارق قالتا ذَلِكَ ، وقَالَ النساء معهما ، وكان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذَا سَمِعَ قولهن هَذَا ، قَالَ : اللهم إني بك أحول وأصول ، وفيك أقاتل ، حسبي اللَّه ونعم الوكيل " . قَالُوا : ورأت عَائِشَةُ بناتَ طارق بْن المرقع ، من كنانة ، فَقَالَت : كذب الَّذِي ، قَالَ : إنّ الخيل أحسن من النساء . " واستحرّ القتل فِي أصحاب لواء المشركين ، ورأى النساء برجالهن أمرًا عظيمًا ، حتَّى ولولن ، وتركن ما كن فِيهِ ، فانهزم المشركون ، حتَّى انهزمت هندُ بِنْت عتبة وصواحبها متحيرات ما دونهن دافع ولا مانع ، وحتى لو يشاء المسلمون لأخذوهن ، ودخل المسلمون عسكر المشركين ، فأقبلوا يغنمون ويّنهبون مكّبين عَلَى ذَلِكَ ، ورسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعوهم إلى اتباع القوم ، ويقول : " إن الغنائم لكم ، وأخلَّ الرُّماة ، وهم خمسون ، وَيُقَالُ : أربعون بمكانهم وأقبلوا ينتبهون ، فَقَالَ لهم ابْنُ جُبَيْر صاحبهم : ما هَذَا ؟ فَقَالَ قائلهم : إنَّما أمر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالوقوف ما دامت الحرب . وتركوا الجبل . فلما رَأَى المشركون فعلهم ، كرّوا عَلَى المسلمين ، فانحدر خَالِد بْن الوليد من الجبل فِي كتيبة ، وألحّ المشركون عَلَى المسلمين بالحرب وأكثروا فيهم القتل ، فلم يثبت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا خمسة عشر رجلًا ، فكانوا لا يفارقونه وحموه حين كرّ المشركون . وهم أَبُو بَكْر ، وعمر ، وعلي ، عَبْد الرَّحْمَن بْن عوف ، وسعد بْن أَبِي وقاص ، وطلحة بْن عُبَيْد اللَّه ، والزبير بْن العوام ، وأبو عبيدة بْن الجراح ، ومن الأنصار : الْحُبَاب بْن المنذر ، وأبو دجانة ، وعاصم بْن ثابت بْن أَبِي الأقلح ، والحارث بْن الصمة ، وسهل بْن حنيف ، وأسيد بْن خضير ، وسعد بْن مُعَاذِ ، وكان رافع بْن خديج يحدّث أن الرماة لما انصرفوا ، نظر خَالِد إلى خلاء الجبل ، وإخلال الرماة بمكانهم ، فكرّ عَلَى الخيل . واتبعه عكرمة بْن أَبِي جهل " . " وبايع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أحد عَلَى الموت ثمانيةُ : عليّ بْن أَبِي طَالِب ، والزبير ، وطلحة ، وأبو دجانة ، والحارث بْن الصمة ، وحباب بْن المنذر ، وعاصم بْن ثابت ، وسهل بْن حنيف ، فلم يقتل أحد منهم ، وجعل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو النَّاس حين انهزموا ، وهو فِي أخراهم ، إلى الرجوع ، ورمى مالك بْن زُهَيْر الجشمي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فاتقاه طلحة بيده فأصاب السهم خنصره فشلت ، وقَالَ حين أصابته الرمية : حس ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لو قَالَ بسم اللَّه ولم يقل حس ، لدخل الجنة والناس ينظرون إِلَيْه " . وَيُقَالُ : إن الَّذِي رمى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصاب خنصر طلحة : حِبّان بْن العِرقة ، وقَالَ حين رمان : خذها وأنا ابْنُ العرقة ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عرّق اللَّه وجهك فِي النار " . وهو قول الكلبي : وقَالَ ابْنُ الكلبي : هُوَ حبان بْن أَبِي قيس بْن علقمة بِنْت عَبْد ، من بني عامر بْن لؤي ، وأم عَبْد : قلابة بِنْت سَعِيد بْن سهم ، وهي العرقة ، فنسبوا إليها . وَيُقَالُ : إن يد طلحة شلت إلا السبابة ، والإبهام ، والأول أثبت ، وضرب طلحة يَوْم أحد عَلَى رأسه المصلبة ، فذكر ضرار بْن الخطاب الفهري أَنَّهُ ضربه عَلَى رأسه ضربة ، ثُمَّ كرّ فضربه أخرى . وكان فِي الرماة الحارث بْن أنس بْن رافع ، فجعل يَقُولُ لأصحابه : احفظوا وصية نبيكم ، احفظوا عهد نبيكم ، ولم يبرح فِي نفر ثبتوا معه ، فقتل عَبْد اللَّه بْن جُبَيْر والنفر ، وقوم ثابوا إِلَيْه بعد كرور خَالِد بْن الوليد وعكرمة بْن أَبِي جهل " . وانتقضت صفوف المسلمين . وشطبت رباعيةُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وشقت شفته ، وكُلم فِي وجنتيه وفي أعلم جبهته ، وكان عَبْد اللَّه بْن شهاب الزُّهْرِيّ ، جد مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن شهاب ، وعتبة بْن أَبِي وقاص ، أخو سعد بْن أَبِي وقاص ، وابن قَميئة الأدرمي ، من بني تيم بْن غالب ، فكان تيم أدرم ناقص الذقن ، وأبيّ بْن خلف الجمحي ، وعبد اللَّه بْن حميد بْن زُهَيْر بْن الحارث بْن أسد بْن عَبْد العزى بْن قصيّ تعاقدوا عَلَى قتل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأمَّا ابْنُ شهاب فأصاب جبهته ، وأمَّا عتبة بْن أَبِي وقاص فرماه بأربعة أحجار فكسر رباعيته اليمنى وشقّ شفته السفلي ، وما ابْنُ قميئة الأدرمي فكلم وجنتيه وغيب حلق المغفر فيها ، وعلاه بالسيف فلم يقطع . وسقط رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجُحشت ركبته . وأما أُبَيّ بْن خلف فشدّ عَلَيْهِ بحربة ، فأعانه اللَّه عَلَيْهِ فقتله ، وكان لما شدّ عَلَيْهِ بالحربة ، يَقُولُ : لأقتلنك بها يا مُحَمَّد ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بل أَنَا قاتلك إن شاء اللَّه " ، فيقال : إنه انتزعها من يده ، فقتله بها ، وَيُقَالُ : إنه أخذ حربة من الزُّبَيْر ، وَيُقَالُ : من الحارث بْن الصمة ، فطعنه بها ، فكان أبيّ يَقُولُ : قتلني مُحَمَّد ، فقيل : إنه إنَّما خدشك ، فَقَالَ : أَنَا أعلم بالأمر ، فسقط ومات فِي الطريق . وأمَّا عَبْد اللَّه بْن حميد فأقبل يريد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فشدّ عَلَيْهِ أَبُو دجانة فضربه ، وقَالَ : خذها وأنا ابْنُ خرَشة . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم ارضَ عن ابْنُ خرشة ، فإني عَنْهُ راض " . " وكانت أم أيمن حاضنةُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسقي المسلمين الماء فِي نسوة من نساء الأنصار ، فرماها حبان بْن العرقة بسهم فأصاب ذيلها فعقلها وانكشف عَنْهَا ، فاستغرب ضحكًا ، فدفع رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى سعد بْن أَبِي وقاص سهما ، وقَالَ : ارمه فأصابه فسقط مستلقيًا ميتًا وبدت عورته ، فضحك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى بدت نواجذه ، وقَالَ : " استقاد لها سعد ، أجاب اللَّه دعوتك وسدّد رميتك " . ونادى أَبُو عامر الراهب : أَنَا أَبُو عامر ، فقالت لَهُ الأنصار : لا مرحبًا بك ولا أهلًا يا فاسق ، فَقَالَ : لقد أصاب قومي بعدي شرّ ، واستشهد ابنه حنظلةُ بْن أَبِي عامر ، " وكان قَدْ تزوج امرأة وبات عندها بإذن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فلما اجتمع المسلمون للقتال ، خرج جُنُبًا ، فقاتل حتَّى استشهد ، فرآه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والملائكة تغسله بماء المزن ، فبعث إلى امرأته فسألها عن شأنه ، فأخبرته أَنَّهُ خرج إلى الحرب جُنبًا لا يتمالك من الزماع وحُبّ لقاء المشركين ، فهو غسيل الملائكة ، وولده يعرفون ببني الغسيل " . وكان عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أحد درعان ، ومغفر ، وبيضة .