حَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ° ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ° ، ثنا حُمَيْدٌ ° ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ ° ، قَالَ : جَاءَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، " أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا ؟ فَقَالَ : احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا ، وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلاثَةَ فِي الْقَبْرِ . قَالُوا : فَمَنْ نُقَدِّمُ ؟ قَالَ : قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا "
قَالُوا : وآثر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمصعب بْن عمير وهو مقتول فِي بردة لَهُ ، فَقَالَ : " رحمك اللَّه ، لقد رأيتك بمكة ، وما بها أرقّ حلةً ولا أحسن لمةً منك . ثُمَّ أنت أشعث بردة . وأمر بِهِ ، فقبر ، ونزل فِي قبره أخوه أَبُو الروم ، وعامر بْن ربيعة العنزي ، وسويبط بْن عَمْرو بْن حرملة ، ونزل فِي قبر حمزة رحمة اللَّه عليّ بْن أَبِي طَالِب ، وأبو بَكْر ، وعمر ، والزبير ، وجلس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حفرته ، وحمل كَثِير من النَّاس قتلاهم إلى المدينة ، فدُفنوا بنقيع الخيل وغيره ، وكان شماس بْن عثمان المخزومي حُمل وبه رمق ، فمات عند أم سَلَمة زوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فرّد إلى أحد ، فدُفن فِي ثيابه التي مات فيها . قَالَ الواقدي : ودُفن من دفن بأحد من الشهداء فِي الوادي ، وكان طلحة بْن عُبَيْد اللَّه إِذَا سئل عن تلك القبور المجتمعة بأحد ، يَقُولُ : قبور قوم من الأعراب كانوا عَلَى عهد عُمَر بْن الخطاب فِي عام الرمادة هناك ، فماتوا ، فتلك قبورهم ، قَالَ : وكان ابْنُ أَبِي ذئب ، وعبد العزى بْن مُحَمَّد ، يقولان : لا نعرف تلك القبور المجتمعة ، إنَّما هِيَ قبور ناس من أهل البادية . " وكان معاوية بْن المغيرة بْن أَبِي العاص ، الَّذِي جدع أنفَ حمزة وَمثَلَ بِهِ فيمن مثل ، قَدِ انهزم يَوْم أحد فمضى عَلَى وجهه ، فبات قريبًا من المدينة ، فلما أصبح ، دخل المدينة ، فأتى منزل عثمان بْن عفان بْن أَبِي العاص فضرب بابه ، فقالت لَهُ امرأته أم كلثوم بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ليس هُوَ ها هنا . فَقَالَ : ابعثي إِلَيْه ، فإن لَهُ عندي ثمن بعير ابتعته عام أول وَقَدْ جئته بِهِ ، فأرسلت إِلَيْه وهو عند رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فلما جاء قَالَ لمعاوية : أهلكَتني ونفسَك ، ما جاء بك ؟ قَالَ : يا ابْن عم ، لم يكن أحد أقرب إليَّ ولا أمسّ رحما بي منك ، فجئتك لتجيرني ، فأدخله عثمان داره ، وصيره فِي ناحية منها ، ثُمَّ خرج إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليأخذ لَهُ مِنْهُ أمانًا . فسمع رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إنّ معاوية بالمدينة وَقَدْ أصبح بها ، فاطلبوه " . فَقَالَ بعضهم : ما كَانَ ليعدو منزل عثمان ، فاطلبوه فِيهِ . فدخل منزل عثمان ، فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الَّذِي صيره عثمان فِيهِ ، فاستخرجوه من تحت حمارة لهم ، فانطلقوا بِهِ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ عثمان حين رآه : والذي بعثك بالحق ، ما جئتُ إلا لأطلب لَهُ الأمان منك ، فهبه لي ، فوهبه لَهُ ، وأجّله ثلاثًا وأقسم : لئن وُجد بعدها بشيء من أرض المدينة وما حولها ، ليقتلنّ . وخرج عثمان ، فجهزه واشترى لَهُ بعيرًا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : ارتحل . وصار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حمراء الأسد ، وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليتعّرف أخبار النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويأتي بها قريشًا . فلما كَانَ فِي اليوم الرابع ، قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن معاوية أصبح قريبًا ولم ينفذ ، فاطلبوه ، واقتلوه ، فأصابوه قَدْ أخطأ الطريق ، فأدركوه ، وكان اللذان أسرعا فِي طلبه زَيْد بْن حارثة مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعمار بْن ياسر ، فأخذاه بالجماء ، فضربه زَيْد بْن حارثة ، وقَالَ عمار : إن لي فِيهِ حقًا . ورماه بسهم ، فقتلاه ، ثُمَّ انصرفا إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخبره ، وَيُقَالُ إنه أدرك عَلَى ثمانية أميال من المدينة فلم يزل زَيْد وعمار يرميانه بالنبل حتَّى مات ، ومعاوية هَذَا هُوَ أَبُو عَائِشَةَ بِنْت معاوية ، أم عَبْد الملك بْن مروان " . وقَالَ الكلبي : جدع معاوية بْن المغيرة أنفَ حمزة وهو قتيل ، فأخذ بقرب أحد بعد انصراف قريش بثلاث ، ولا عقب لَهُ إلا عائشة أم عَبْد الملك بْن مروان ، وَيُقَالُ : إنّ الَّذِي قتل معاوية بْن المغيرة : عليّ عَلَيْهِ السَّلام . قَالُوا : " ولما استشهد سعد بْن الربيع أخذ أخوه ميراثه ، وكان لسعد ابنتان ، وكانت امرأته حاملًا . وكانت المواريث عَلَى مواريث الجاهلية ، ولم تكن الفرائض أنزلت ، فنزلت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينئذ فدعا أخا سعد ، فَقَالَ لَهُ : أعط ابنتي أخيك ثلثي الميراث ، وادفع إلى زوجته الثمن ، والباقي لَكَ ، ولم يُوَرّث الحمل يومئذ ، ثُمَّ ورّث بعد ذَلِكَ . وولدت لَهُ أم سعد بِنْت سعد ، وهي امْرَأَة زَيْد بْن ثابت ، فلما كانت خلافة عُمَر ، قَالَ لها : تكلمي فِي ميراثك من أبيك إن كنت تحبين ذَلِكَ ، فإن أمير المؤمنين قَدْ ورّث الحمل اليوم . فقالت : ما كنت لأطلب من أختي شيئًا " . وكان خليفة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ أم مكتوم .