57 حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ ° ، قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ° ، قَالَ : ثنا عَاصِمٌ ° ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ° ، عَنْ أَبِي مُوسَى ° ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , وَقَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا , إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا " . خَرَّجْتُ طُرُقَ هَذَا الْخَبَرِ فِي كِتَابِ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَاسْمَعُوا يَا ذَوِي الْحِجَا مَا نَقُولُ فِي هَذَا الْبَابِ , وَنَذْكُرُ بَهْتَ الْجَهْمِيَّةِ وَزُورَهُمْ وَكَذِبَهُمْ عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ الآثَارِ , وَرَمْيَهُمْ خِيَارَ الْخَلْقِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ بِمَا اللَّهُ قَدْ نَزَّهَهُمْ عَنْهُ ، وَبَرَّأَهُمْ مِنْهُ ، بِتَزْوِيرِ الْجَهْمِيَّةِ عَلَى عُلَمَائِنَا إِنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ ، فَاسْمَعُوا مَا أَقُولُ وَأُبَيِّنُ مِنْ مَذَاهِبِ عُلَمَائِنَا ، تَعْلَمُوا وَتَسْتَيْقِنُوا بِتَوْفِيقِ خَالِقِنَا أَنَّ هَؤُلاءِ الْمُعَطِّلَةَ يَبْهَتُونَ الْعُلَمَاءَ وَيَرْمُونَهُمْ بِمَا اللَّهُ نَزَّهَهُمْ عَنْهُ . نَحْنُ نَقُولُ : لِرَبِّنَا الْخَالِقِ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا مَا تَحْتَ الثَّرَى , وَتَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى ، وَمَا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، لا يُخْفَى عَلَى خَالِقِنَا خَافِيَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرَضِينَ السَّبْعِ ، وَلا مِمَّا بَيْنَهُمْ وَلا فَوْقَهُمْ ، وَلا أَسْفَلَ مِنْهُنَّ لا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، يَرَى مَا فِي جَوْفِ الْبِحَارِ وَلُجَجِهَا كَمَا يَرَى عَرْشَهُ الَّذِي هُوَ مُسْتَوٍ عَلَيْهِ . وَبَنُو آدَمَ وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ عُيُونٌ يُبْصِرُونَ بِهَا فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَرَوْنَ مَا قَرُبَ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ، مِمَّا لا حِجَابَ وَلا سِتْرَ بَيْنَ الْمَرَئِيِّ وَبَيْنَ أَبْصَارِهِمْ ، لا مَا يَبْعُدُ مِنْهُمْ , إِنْ كَانَ يَقَعُ اسْمُ الْقُرْبِ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ ، لأَنَّ الْعَرَبَ الَّتِي خُوطِبْنَا بَلَغْتِهَا قَدْ تَقُولُ : قَرْيَةُ كَذَا مِنَّا قَرِيبَةٌ ، وَبَلْدَةُ كَذَا قَرِيبَةٌ مِنَّا , وَمِنْ بَلَدِنَا ، وَمَنْزِلُ فُلانٍ قَرِيبٌ مِنَّا ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ وَبَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَنْزِلَيْنِ فَرَاسِخُ . وَالْبَصِيرُ مِنْ بَنِي آدَمَ لا يُدْرِكُ بِبَصَرِهِ شَخْصًا آخَرَ ، مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْسَخَانِ فَأَكْثَرُ ، وَكَذَلِكَ لا يَرَى أَحَدٌ مِنَ الآدَمِيِّينَ مَا تَحْتَ الأَرْضِ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْمَرَئِيِّ مِنَ الأَرْضِ وَالتُّرَابِ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ ، وَأَقَلَّ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا يُغَطَّى وَيُوَارَى الشَّيْءُ ، وَكَذَلِكَ لا يُدْرِكُ بَصَرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ مِنْ حَائِطٍ , أَوْ ثَوْبٍ صَفِيقٍ , أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَسْتُرُ الشَّيْءَ عَنْ عَيْنِ النَّاظِرِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ يَا ذَوِي الْحِجَا مُشَبِّهًا مَنْ يَصِفُ عَيْنَ اللَّهِ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَأَعْيُنُ بَنِي آدَمَ بِمَا وَصَفْنَا . وَنَزِيدُ شَرْحًا وَبَيَانًا نَقُولُ : عَيْنُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدِيمَةٌ ، لَمْ تَزَلْ بَاقِيَةً ، وَلا يَزَالُ مَحْكُومٌ لَهَا بِالْبَقَاءِ ، مَنْفِيٌّ عَنْهَا الْهَلاكُ ، وَالْفَنَاءُ , وَعُيُونُ بَنِي آدَمَ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ ، كَانَتْ عَدَمًا غَيْرَ مُكَوَّنَةٍ , فَكَوَّنَهَا اللَّهُ , وَخَلَقَهَا بِكَلامِهِ الَّذِي هُوَ : صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ وَقَدَّرَ أَنَّ عُيُونَ بَنَى آدَمَ تَصِيرُ إِلَى بَلاءٍ ، عَنْ قَلِيلٍ , وَاللَّهُ نَسْأَلُ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَصِيرِ , وَقَدْ يُعْمِي اللَّهُ عُيُونَ كَثِيرٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ فَيَذْهَبُ بِأَبْصَارِهَا قَبْلَ نُزُولِ الْمَنَايَا بِهِمْ ، وَلَعَلَّ كَثِيرًا مِنْ أَبْصَارِ الآدَمِيِّينَ قَدْ سَلَّطَ خَالِقُنَا عَلَيْهَا دِيدَانَ الأَرْضِ حَتَّى تَأْكُلَهَا , وَتُفْنِيَهَا بَعْدَ نُزُولِ الْمَنِيَّةِ بِهِمْ ، ثُمَّ يُنْشِئُهَا اللَّهُ بَعْدُ ، فَيُصِيبُهَا مَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي ذِكْرِ الْوَجْهِ ، فَمَا الَّذِي يُشَبِّهُ يَا ذَوِي الْحِجَا عَيْنَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ مَوْصُوفَةٌ بِمَا ذَكَرْنَا عُيُونَ بَنِي آدَمَ الَّتِي وَصَفْنَاهَا بَعْدُ ؟ . وَلَسْتُ أَحْسَبُ : لَوْ قِيلَ لِبَصِيرٍ لا آفَةَ بِبَصَرِهِ , وَلا عِلَّةَ بِعَيْنِهِ ، وَلا نَقْصَ ، بَلْ هُوَ أَعْيَنُ ، أَكْحَلُ ، أَسْوَدُ الْحَدَقِ ، شَدِيدُ بَيَاضِ الْعَيْنَيْنِ ، أَهْدَبُ الأَشْفَارِ : عَيْنُكَ كَعَيْنِ فُلانٍ الَّذِي هُوَ صَغِيرُ الْعَيْنِ ، أَزْرَقُ ، أَحْمَرُ بَيَاضِ الْعَيْنَيْنِ ، قَدْ تَنَاثَرَتْ أَشْفَارُهُ ، وَسَقَطَتْ ، أَوْ كَانَ أَخْفَشَ الْعَيْنِ ، أَزْرَقَ ، أَحْمَرَ بَيَاضِ شَحْمِهَا ، يَرَى الْمَوْصُوفُ الأَوَّلُ : الشَّخْصَ مِنْ بَعِيدٍ ، وَلا يَرَى الثَّانِي مِثْلَ ذَلِكَ الشَّخْصِ مِنْ قَدْرِ عُشْرِ مَا يَرَى الأَوَّلُ ، لَعِلَّةٍ فِي بَصَرِهِ ، أَوْ نَقْصٍ فِي عَيْنِهِ ، إِلا غَضِبَ مِنْ هَذَا وَأَنِفَ مِنْهُ ، فَلَعَلَّهُ يُخْرِجُ إِلَى الْقَائِلِ لَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَكْرُوهِ مِنَ الشَّتْمِ وَالأَذَى . وَلَسْتُ أَحْسَبُ عَاقِلًا يَسْمَعُ هَذَا الْمُشَبِّهَ عَيْنَيْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنَيِ الآخَرِ ، إِلا هُوَ يُكَذِّبُ هَذَا الْمُشَبِّهَ عَيْنَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِ الآخَرِ ، وَيَرْمِيهِ بِالْعَتَهِ ، وَالْخَبَلِ وَالْجُنُونِ ، وَيَقُولُ لَهُ : لَوْ كُنْتَ عَاقِلًا يَجْرِي عَلَيْكَ الْقَلَمُ : لَمْ تُشَبِّهْ عَيْنَيْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنَيِ الآخَرِ ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يُسَمَّيَانِ بَصِيرَيْنِ ، إِذْ لَيْسَا بِأَعْمَيَيْنِ ، وَيُقَالُ : لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا ، فَكَيْفَ لَوْ قِيلَ لَهُ : عَيْنُكَ كَعَيْنِ الْخِنْزِيرِ ، وَالْقِرْدِ ، وَالدُّبِّ ، وَالْكَلْبِ ، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ السِّبَاعِ ، أَوْ هَوَامِّ الأَرْضِ ، وَالْبَهَائِمِ ، فَتَدَبَّرُوا يَا ذَوِي الأَلْبَابِ ، أَبَيْنَ عَيْنَيْ خَالِقِنَا الأَزَلِيِّ الدَّائِمِ الْبَاقِي ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ ، وَبَيْنَ عَيْنَيِ الإِنْسَانِ مِنَ الْفُرْقَانِ أَكْثَرُ , أَوْ مِمَّا بَيْنَ أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ وَبَيْنَ عُيُونِ مَا ذَكَرْنَا ؟ تَعْلَمُوا وَتَسْتَيْقِنُوا أَنَّ مَنْ سَمَّى عُلَمَاءَنَا مُشَبِّهَةً غَيْرُ عَالِمٍ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلا يَفْهَمُ الْعِلْمَ ، إِذْ لَمْ يَجُزْ تَشْبِيهُ أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ بِعُيُونِ الْمَخْلُوقِينَ ، مِنَ السِّبَاعِ وَالْبَهَائِمِ ، وَالْهَوَامِّ ، وَكُلُّهَا لَهَا عُيُونٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ، وَعُيُونُ جَمِيعِهِمْ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ ، خَلَقَهَا اللَّهُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ عَدَمًا ، وَكُلُّهَا تَصِيرُ إِلَى فَنَاءٍ وَبِلَى ، وَغَيْرُ جَائِزٍ إِسْقَاطِ اسْمِ الْعُيُونِ وَالأَبْصَارِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ ، لَوْ كَانَتِ الْجَهْمِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنْ يَرْمُوا مَنْ يُثْبِتُ لِلَّهِ عَيْنًا بِالتَّشْبِيهِ ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الاسْمُ كَانَ مُشْبِهًا لِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الاسْمُ ، لَمْ يَجُزْ قِرَاءَةَ كِتَابِ اللَّهِ ، وَوَجَبَ مَحْوُ كُلِّ آيَةٍ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ فِيهَا ذِكْرُ نَفْسِ اللَّهِ ، أَوْ عَيْنِهِ ، أَوْ يَدِهِ ، وَلَوَجَبَ الْكُفْرُ بِكُلِّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِ الرَّبِّ ، كَمَا يَجِبُ الْكُفْرُ بِتَشْبِيهِ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ ، إِلا أَنَّ الْقَوْمَ جَهَلَةٌ ، لا يَفْهَمُونَ الْعِلْمَ ، وَلا يُحْسِنُونَ لُغَةَ الْعَرَبِ ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ . وَاللَّهُ نَسْأَلُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ وَالرَّشَادَ فِي كُلِّ مَا نَقُولُ وَنَدْعُو إِلَيْهِ .