أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ° ، نا اللَّيْثُ ° ، عَنْ عُقَيْلٍ ° ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ° ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ° يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ ، قَالَ : " وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا ، حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ ، فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ ، فَأَمَّا صَاحِبَايَ ، فَاسْتَكَانَا ، وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَخْرُجُ ، فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ ، وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي : هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أَمْ لا ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي ، أَقْبَلَ عَلَيَّ ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ ، أَعْرَضَ عَنِّي ، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ ، تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي ، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ . . . حَتَّى إِذَا كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلامِنَا ، آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا ، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا ، يُهَنِّئُونَنِي بِالتَّوْبَةِ ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْرُقُ مِنَ السُّرُورِ : أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هِجْرَانَ أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَافَ عَلَى كَعْبٍ وَأَصْحَابِهِ النِّفَاقَ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْخُرُوجِ مَعَهُ ، فَأَمَرَ بِهِجْرَانِهِمْ ، إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ ، وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَاءَتَهُمْ ، وَقَدْ مَضَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ ، وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ عَلَى هَذَا مُجْمِعِينَ مُتَّفِقِينَ عَلَى مُعَادَاةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ ، وَمُهَاجَرَتِهِمْ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ : أَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ . وَقَالُوا أَبُو قِلابَةَ : لا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ ، أَوْ قَالَ : أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ ، فَإِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلالَتِهِمْ ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ . وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ لأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ ، فَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ : وَلا نِصْفِ كَلِمَةٍ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : مَنْ سَمِعَ بِدْعَةً ، فَلا يَحْكِهَا لِجُلَسَائِهِ ، لا يُلْقِيهَا فِي قُلُوبِهِمْ . قَالَ الشَّيْخُ : ثُمَّ هُمْ مَعَ هِجْرَانِهِمْ كَفُّوا عَنْ إِطْلاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ . وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ تَكْفِيرُ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَاللَّيْثِ بْنُ سَعْدٍ ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَنَاظَرَ الشَّافِعِيُّ حَفْصَ الْفَرْدِ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُسَمِّيهِ حَفْصَ الْمُنْفَرِدِ ، فَقَالَ حَفْصٌ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كَفَرْتَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ الْبُخَارِيُّ : نَظَرْتُ فِي كَلامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ ، فَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَضَلَّ فِي كُفْرِهِمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ ، وَإِنِّي لأَسْتَجْهِلُ مَنْ لا يُكَفِّرُهُمْ إِلا مَنْ لا يَعْرِفُ كُفْرَهُمْ ، وَقَالَ : مَا أُبَالِي صَلَّيْتُ خَلْفَ الْجَهْمِيِّ وَالرَّافِضِيِّ ، أَمْ صَلَّيْتُ خَلْفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَالصَّلاةَ خَلْفَهُمْ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى الإِطْلاقِ ، فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَطْلَقَ عَلَى بَعْضِهِمُ اسْمَ الْكُفْرِ فِي مَوْضِعٍ أَرَادَ بِهِ كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ سورة المائدة آية 44 . وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِالتَّكْفِيرِ مِنَ السَّلَفِ عَلَى مُبْتَدِعٍ يَأْتِي فِي بِدْعَتِهِ مَا ، يَخْرُجُ بِهِ عَنِ الإِسْلامِ ، وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ لا يُكَفِّرُ أَهْلَ الأَهْوَاءِ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا فَأَخْطَئوْا ، وَيُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ فِي مَذْهَبِهِ أَنْ يُكَفِّرَ الصَّحَابَةَ ، أَوْ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ أَنْ يُكَفِّرَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلا يَرَى الصَّلاةَ خَلْفَهُمْ ، وَلا يَرَى أَحْكَامَ قُضَاتِهِمْ جَائِزَةً ، وَرَأَى السَّيْفَ وَاسْتِبَاحَةَ الدَّمِ ، فَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ هَذَا الْمَبْلَغَ ، فَلا شَهَادَةَ لَهُ . وَحَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فِيمَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لا يُصَلِّي خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ ، وَلا غَيْرَهَا ، إِلا أَنَّهُ لا يَدَعُ إِتْيَانَهَا ، فَإِنْ صَلَّى أَعَادَ الصَّلاةَ . وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ يُبْغِضُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ غِلٌّ ، فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى إِلَى قَوْلِهِ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ سورة الحشر آية 7 - 10 الآيَةَ . وَذُكِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ يَنْتَقِصُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَّ ، فَقَرَأَ مَالِكٌ هَذِهِ الآيَةَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ إِلَى قَوْلِهِ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ سورة الفتح آية 29 ثُمَّ قَالَ : مَنْ أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الآيَةُ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، وَأَخْشَى أَنْ لا يَنْفَعَهُ مَعَ ذَلِكَ عَمَلٌ . وَقَالَ مَالِكٌ : " بِئْسَ الْقَوْمُ أَهْلُ الأَهْوَاءِ لا نُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ " . وَقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ : وَهَذَا الْهِجْرَانُ ، وَالتَّبَرِّي ، وَالْمُعَادَاةُ ، فِي أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمُخَالِفِينَ فِي الأُصُولِ ، أَمَّا الاخْتِلافُ فِي الْفُرُوعِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فَاخْتِلافُ رَحْمَةٍ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي الدِّينِ ، فَذَلِكَ لا يُوجِبُ الْهِجْرَانَ وَالْقَطِيعَةَ ، لأَنَّ هَذَا الاخْتِلافَ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ كَوْنِهِمْ إِخْوَانًا مُؤْتَلِفِينَ ، رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَهُمْ ، وَكُلٌّ فِي طَلَبِ الْحَقِّ ، وَسُلُوكِ سَبِيلِ الرُّشْدِ مُشْتَرِكُونَ ، قَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا ، فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ ، فَتَرَكَهُ رَجُلٌ تَرَكَ السُّنَّةَ ، وَلَوِ اخْتَلَفُوا وَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ وَاحِدٍ أَخَذَ بِالسُّنَّةِ .