أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ ° ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ ° ، نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ ° ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ° ، قَالَ : سُئِلَ حُذَيْفَةُ ° عَنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ : إِنَّمَا يُفْتِي أَحَدُ ثَلاثَةٍ : مَنْ عَرَفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ ، قَالُوا : وَمَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : عُمَرُ ، أَوْ رَجُلٌ وَلِيَ سُلْطَانًا فَلا يَجِدُ بُدًّا ، أَوْ مُتَكَلِّفٌ "
وَرُوِيَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " لا يَقُصُّ إِلا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَوْ مُخْتَالٌ " . حُكِيَ عَنِ ابْنِ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ قَالَ هَذَا فِي الْخُطْبَةِ ، وَكَانَ الأُمَرَاءُ يَلُونَ الْخُطْبَةَ يَعِظُونَ فِيهَا النَّاسَ ، وَالْمَأْمُورُ مَنْ يُقِيمُهُ الإِمَامُ خَطِيبًا . وَالْمُخْتَالُ : مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ اخْتِيَالا وَتَكَبُّرًا ، وَطَلَبًا لِلرِّئَاسَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى النَّاسِ ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ : مُذَكِّرٌ ، وَوَاعِظٌ ، وَقَاصٌّ ، فَالْمُذَكِّرُ : الَّذِي يُذَكِّرُ النَّاسَ آلاءَ اللَّهِ وَنَعْمَاءَهُ ، يَبْعَثُهُمْ بِهِ عَلَى الشُّكْرِ لَهُ . وَالْوَاعِظُ : يُخَوِّفُهُمْ بِاللَّهِ ، وَيُنْذِرُهُمْ عُقُوبَتَهُ ، وَيَرْدَعُهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي . وَالْقَاصُّ : هُوَ الَّذِي يَرْوِي أَخْبَارَ الْمَاضِينَ ، وَيُسْرِدُ عَلَيْهِمُ الْقَصَصَ ، فَلا يُؤْمَنُ فِيهَا الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ، وَالْوَاعِظُ وَالْمُذَكِّرُ مَأْمُونٌ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ مُجَاهِدٌ : كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَجَاءَ قَاصٌّ ، فَجَلَسَ قَرِيبًا مِنَ ابْنِ عُمَرَ يَقُصُّ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ أَنْ لا تُؤْذِنَا ، قُمْ عَنَّا ، فَأَبَى ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ الشُّرَطِ ، فَبَعَثَ شُرَطِيًّا فَأَقَامَهُ . وَقَالَ ثَابِتٌ لِحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : مَا تَقُولُ فِي الْجُلُوسِ إِلَى الْقَاصِّ ؟ قَالَ : اجْلِسْ حَيْثُ تَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَقُّ لِقَلْبِكَ ، قَالَ : وَكَانَ حُمَيْدٌ لا يَجْلِسُ إِلَيْهِمْ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى : أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا مِنْهُمْ مُحَدِّثٌ إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ ، وَلا مُفْتٍ إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا . وَقَالَ أَبُو الْحُصَيْنِ : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُفْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ لَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : " وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي يُفْتِي النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ لَمَجْنُونٌ " . وَقَالَ النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ : شَهِدْتُ عَبْدَ اللَّهِ أَتَاهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي تَحْرِيمٍ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ ، فَمَنْ أَتَى الأَمْرَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ ، فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ ، وَمَنْ خَالَفَ ، فَوَاللَّهِ مَا نُطِيقُ كُلَّ خِلافِكُمْ . وَكَانَ مَالِكٌ لا يُفْتِي حَتَّى يَقُولَ : " لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ " . وَكَانَ مَالِكٌ ، يَقُولُ : " الْعَجَلَةُ فِي الْفَتْوَى نَوْعٌ مِنَ الْجَهْلِ وَالْخُرْقِ " .