أَخْبَرَنَا الإِمَامُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، حَدَّثَنَا الإِمَامُ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ ، أنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّرَّادُ ° ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَرْجَرَائِيُّ ° ، وَأَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَلِّمُ الْهَرَوِيُّ ° ، قَالا : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ ° ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ ° ، نا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ° ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْمَاءَ ابْنِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ ابْنِ أَسْمَاءَ ° ، قَالا : أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ° ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ° ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ ° ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
قَوْلُهُ : " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " . لَمْ يُرِدْ بِهِ حُصُولَ أَعْيَانِهَا ، لأَنَّهَا حَاصِلَةٌ حِسًّا وَصُورَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْتَرِنَ بِهَا النِّيَّةُ ، إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ صِحَّتَهَا حُكْمًا فِي حَقِّ الدِّينِ ، فَإِنَّهَا لا تَحْصُلُ إِلا بِالنِّيَّةِ . وَقَوْلُهُ : " إِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى " فِيهِ إِيجَابُ تَعْيِينِ النِّيَّةِ ، وَالنِّيَّةُ : قَصْدُكَ الشَّيْءِ بِقَلْبِكَ ، وَهِيَ تَسْتَدْعِي أُمُورًا فِي أَعْمَالِ الدِّينِ حَتَّى يَصِحَّ الامْتِثَالُ أَنْ تَعْرِفَ الشَّيْءَ الَّذِي تَقْصِدُهُ ، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَأَنْ تَطْلُبَ مُوَافَقَةَ الآمِرِ فِيمَا تَعَبَّدَكَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ ، كَوُجُوبِهَا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِغَيْرِ النِّيَّةِ ، وَلا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إِلا بِالنِّيَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ . وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ : يَصِحُّ الْكُلُّ بِغَيْرِ النِّيَّةِ . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ لا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ ، لأَنَّ طَرِيقَهَا طَرِيقُ تَرْكِ الْمَهْجُورِ ، فَلا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ ، قِيَاسًا عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ ، وَالْوُضُوءُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْوُضُوءُ شَطْرُ الإِيمَانِ " . وَالْعِبَادَةُ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا . قَوْلُهُ : " فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ " . أَيْ : مَنْ قَصَدَ بِالْهِجْرَةِ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لا يَخْلُطُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا ، فَهِجْرَتُهُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَأَجْرُهُ وَاقِعٌ عَلَى اللَّهِ . " وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " يُرِيدُ : أَنَّ حَظَّهُ مِنْ هِجْرَتِهِ مَا قَصَدَهُ مِنَ الدُّنْيَا ، وَلا حَظَّ لَهُ فِي الآخِرَةِ . وَيُرْوَى أَنَّ هَذَا جَاءَ فِي رَجُلٍ كَانَ يَخْطُبُ امْرَأَةً بِمَكَّةَ ، فَهَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَتَبِعَهَا رَغْبَةً فِي نِكَاحِهَا ، فَقِيلَ لَهُ : مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ . وَكَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ : أَنْ يَنْوِيَ الْمُحْدِثُ بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ ، وَيَنْوِيَ الْجُنُبُ بِغَسْلِهِ رَفْعَ الْجَنَابَةِ ، وَالْحَائِضُ تَنْوِي غُسْلَ الْحَيْضِ ، أَوْ يَنْوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اسْتِبَاحَةَ فِعْلٍ لا يُسْتَبَاحُ إِلا بِالطَّهَارَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ الصَّلاةِ ، فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلا ، أَوْ صَلاةَ الْجِنَازَةِ ، أَوْ حَمْلَ الْمُصْحَفِ ، أَوْ سُجُودَ التِّلاوَةِ أَوِ الشُّكْرِ ، فَإِنْ نَوَى الْجُنُبُ ، أَوِ الْحَائِضُ ، الاعْتِكَافَ ، أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ ، صَحَّ غُسْلُهُ لِجَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، وَلا تَصِحُّ هَذِهِ النِّيَّةُ مِنَ الْمُحْدِثِ ، لأَنَّ الْمُحْدِثَ يَجُوزُ لَهُ الاعْتِكَافُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَيَنْوِي الْمُتَيَمِّمُ اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الصَّلاةِ ، وَلا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ ، وَلا يَجِبُ تَعْيِينِ الْفَرْضِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرِيضَةٍ عَيَّنَهَا ، فَلَمْ يُصَلِّهَا ، وَصَلَّى غَيْرَهَا جَازَ ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ صَحَّ تَيَمُّمُهُ لَهَا ، وَلا يَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرْضِ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَرِيضَةٍ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ ، وَسَلِسُ الْبَوْلِ يَنْوِيَانِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةِ ، وَلا تَصِحُّ طَهَارَتُهُمَا بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ ، لأَنَّ الْحَدَثَ بِهِمَا مُتَّصِلٌ لا يَرْتَفِعُ . وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ ، فَلَوْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِلِسَانِهِ لا يَضُرُّ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ حَالَةَ مَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ ، وَيَسْتَدِيمَهَا ذِكْرًا إِلَى أَنْ يَغْسِلَ شَيْئًا مِنَ الْوَجْهِ ، فَإِنْ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ ، لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الأَصَحِّ ، وَإِنْ عَزَبَتْ بَعْدَ مَا غَسَلَ شَيْئًا مِنَ الْوَجْهِ ، فَلا بَأْسَ ، لأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهَا إِلَى آخِرِ الْوُضُوءِ ، وَلَوْ نَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَلَمْ يَنْوِ قَبْلَهُ ، صَحَّ وُضُوءُهُ ، وَلا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ مَا فَعَلَ قَبْلَهُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ ، فَلَوْ نَوَى فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ التَّبَرُّدَ وَالتَّنَظُّفَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلنِّيَّةِ الأُولَى ، فَلا بَأْسَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ مَا غَسَلَ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ بَعْدَ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
- عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد … صحابي