أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ ° ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ° ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، أنا مَعْمَرٌ ° ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ° ، قَالَ : ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا مَا أَحَدُكُمُ اشْتَرَى لِقْحَةً مُصَرَّاةً ، أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِمَّا هِيَ ، وَإِلا فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ " . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ لا سَمْرَاءَ " أَرَادَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لا حِنْطَةٍ ، وَالتَّمْرُ مِنْ طَعَامِ الْعَرَبِ
. قَالَ الإِمَامُ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَقْدِيرِ خِيَارِ التَّصْرِيَةِ بِالثَّلاثَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَتَقَدَّرُ بِالثَّلاثِ ، حَتَّى لَوْ عَلِمَ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلاثِ فَلَهُ الْخِيَارُ إِلَى تَمَامِ الثَّلاثِ ، لأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا قَلَّمَا يُمْكِنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةٍ ، فَإِنَّ النُّقْصَانَ الَّذِي يَجِدُهُ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الثَّلاثِ ، قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى اخْتِلافِ الْيَدِ وَتَبَدُّلِ الْمَكَانِ ، فَجَعَلَ الشَّرْعُ الثَّلاثَ حَدًّا لا يُجَاوَزُ ، كَمَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لا تَأْخِيرَ لهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتّصرية ، فَإِنْ أَخَّرَ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الرَّدِّ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ ، لأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ . وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلاثِ بِنَاءٌ لِلأَمْرِ عَلَى الْغَالِبِ ، لأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لا يَقِفُ عَلَيْهَا قَبْلَ الثَّلاثِ ، لا أَنَّ زَمَانَ الرَّدِّ يَتَقَدَّرُ بِهَا . وَقَوْلُهُ : " لا سَمْرَاءَ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُعْطِي غَيْرَ التَّمْرِ ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ غَيْرُ التَّمْرِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ ، كَمَا لا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّمْرُ ، وَلا يَجُوزُ إِعْطَاءُ غَيْرِهِ إِلا بِرِضَا الْبَائِعِ ، فَإِنْ رَضِيَ بِجِنْسٍ آخَرَ فَكَأَنَّهُ اسْتَبْدَلَ عَنْ حَقِّهِ ، فَيَجُوزُ . وَذَهَبَ قَوْمٌ ، وَهُوَ أَصَحُّ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ صَاعًا مِمَّا يُقْتَاتُ ، حنطة كَانَ ، أَوْ شَعِيرًا ، أَوْ تَمْرًا ، أَوْ زَبِيبًا ، كَمَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ ، وَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ قَوْلَهُ " لا سَمْرَاءَ " أَيْ : لا تَجِبُ السَّمْرَاءُ ، وَهِيَ الْحِنْطَةُ . وَلا فَرْقَ فِي ثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ بَيْنَ النَّعَمِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يَحِلُّ شُرْبُ لَبَنُهَا ، حَتَّى لَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً ذَاتَ لَبَنٍ ، فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً ، فَلَهُ الرَّدُّ ، وَلَكِنْ لا يَجِبُ رَدُّ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا حُلِبَ مِنَ اللَّبَنِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، لأنَّ لَبَنَ الآدَمِيَّةِ مِمَّا لا يُعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ . وَلَوِ اشْتَرَى أَتَانًا لَبُونًا أَوْ حَيَوَانًا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً ، فَلَهُ الرَّدُّ عَلَى الأَصَحِّ ، لأَنَّ لَبَنَهَا مَقْصُودٌ لِتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ ، وَلَكِنْ لا يَجِبُ رَدُّ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا حَلَبَ مِنَ اللَّبَنِ ، لأَنَّ لَبَنَهَا نَجِسٌ لا يُعْتَاضُ عَنْهُ . وَفِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ شَاةٍ لَبُونٍ بِلَبَنِ شَاةٍ ، وَلا بِشَاةٍ لَبُونٍ فِي ضِرْعِهَا لَبَنٌ ، لأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ للَّبَنَ فِي الضَّرْعِ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ ، فَهُوَ كَبَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ وَمَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ آخَرُ ، بِخِلافِ مَا لَوْ بَاعَ السِّمْسِمَ بِالسِّمْسِمِ يَجُوزُ ، وَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِخْرَاجَ الدُّهْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لأَنَّ عَيْنَ الدُّهْنِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِمَا ، وَاللَّبَنُ هَهُنَا مَوْجُودٌ فِي الضِّرْعِ حَتَّى لَوْ حَلَبَ اللَّبُونَ ، ثُمَّ فِي الْحَالِ قَبْلَ اجْتِمَاعِ اللَّبَنِ فِي ضِرْعِهَا بَاعَهَا بِاللَّبَنِ ، يَجُوزُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .