أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ° ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ ° ، نا ابْنُ عَوْنٍ ° ، أَنْبَأَنِي نَافِعٌ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قَالَ : " إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا ، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا " قَالَ : فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لا يُبَاعُ ، وَلا يُوهَبُ ، وَلا يُورَثُ ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ ، وَفِي الْقُرْبَى ، وَفِي الرِّقَابِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَالضَّيْفِ ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَيُطْعِمُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ ، قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ ، فَقَالَ : غَيْرَ مُتأَثِّلٍ مَالا . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ
. قوله : " غَيْرَ مُتأَثِّلِ مَالا " أي : جامع ، وكل شيء لهُ أصل قديم ، أو جمع حَتَّى يصير له أصل ، فهو موثَّل ، ومجد موثَّل ، وأثْلة الشيء : أصله . والعمل على هَذَا عند عامة أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ بعدهم من المتقدمين ، لم يختلفوا فِي إجازة وقف الأرضين وغيرها من المنقولات ، وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة ، وغيرها لم يُنقل عَنْ أحد منهم أَنَّهُ أنكره ، ولا عَنْ واقف أَنَّهُ رجع عما فعله لحاجة وغيرها . وَقَالَ مغيرة ، عَنْ إِبْرَاهِيم : " لا حبيسَ إِلا حبيسٌ فِي سبيل اللَّه من سلاح أو كراع " . وفيه دليلٌ على أنَّ من وقف شيئًا ، ولم ينصب له قيمًا معينًا يجوز ، لأنه قَالَ : لا جُناحَ على من وليها أن يأكلَ منها ، ولم يعين له قيمًا . وفيه دليلٌ على أنهُ يجوزُ للواقف أن ينتفعَ بوقفه ، لأنه أباح الأكل لمن وليه ، وقد يليه الواقف ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي ساق البدنة " اركَبْهَا " : وَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلاءِ المُسْلِمِينَ ؟ " فاشتراها عثمانُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَوَقَفَ أَنَسٌ دَارًا فَكَانَ إِذَا قَدِمَهَا نَزَلَهَا . ولو وقف شيئًا وشرط أن يأكل منه الواقفُ أو ينتفعَ بِهِ ، اختلفوا فِيهِ ،فَقَالَ بعضُهم : يجوز ، لأن عُثْمَان تصدق ببئر رُومة على أن يكون دلوُهُ فِيهِ كدلاء المسلمين ، وَقَالَ بعضهم : إن كَانَ وقفًا خاصًا على أقوام بأعيانهم ، لا يجوز أن يشترِطَ الواقفُ نفسه معهم ، وإن كَانَ وقفًا عامًا ، جاز ، كما لو بنى مسجدًا ، أو قنطرة ، لا يختص بالانتفاع بِهِ قومٌ دون قوم فيجوز أن يكون هُوَ كواحد منهم ، لأنه لما جاز بلا شرط ، فإذا شرط ذَلِكَ ، فلا يرد . ويجوزُ وقفُ المشاع ، جَعَلَ ابْن عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّه . وشرطُ الواقف مراعي فِي الوقف من إدخال قومٍ بصفة ، وإخراجهم عند زوال ذَلِكَ الوصف ، رويُ أن الزبير جعل دوره صدقة ، وَقَالَ : لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلا مُضَرَّ بها ، فإنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ ، فَلا شَيء لَهَا ، أَرَادَ بِالْمَرْدُودةِ : المطلقة . قَالَ أبو عبيد : وَفِي حَدِيث الزبير من الفقه أن الرجلَ يجعل الدَّارَ والأرض ، وقفًا على قوم ، ويشترط أَنَّهُ يَزِيد فيهم من شاء ، وينقُصُ من شاء ، فيجوز لهُ ذَلِكَ ، وَهَذَا الوقف خاصة دون الصدقة النافذة الماضية ، لأن حكمها يختلف ، ألا ترى أن الوقف قد يجوزُ أن لا يخرجه صاحبه من يده ، وأنَّ الصدقة لا تكونُ ماضية حَتَّى تخرَج من يد صاحبها . وَقَالَ الزُّهْرِيّ فيمن جعل ألف دِينَار فِي سبيل اللَّه ، وَدَفعها إِلَى غلام له بأجر يتجر بها ، وجعل ربحها صدقة للمساكين أو لم يجعل : ليس له أن يأكل منها . قَالَ أهل اللغة : إذا قَالَ فِي الوصية : هَذَا لِعقب فلان ، فهو لأولاده الذكور والإناث ، وللذكور والإناث من أولادِ ابنه ، وليس لأولاد بناته شيء ، ولو قَالَ : لولد فلان ، فهو للذكور والإناث من ولد نفسه ، ليس لأولاد بناته شيء ، لأنهم لا يُنسبون إِلَيْهِ . ولو قَالَ : لذرية فلان فهو لأولاده وأولاد بنيه وبناته من الذكور والإناث ، لأنه اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ سورة الأنعام آية 84 وأدخل فِيهِ عِيسَى ، وَكَانَ من أولاد البنت . ولو قَالَ : للأرامل من ولد فلان ، فهو للنساء اللاتي مات أزواجهن ، ولا حظَّ فِيهِ للرجال ، والرجل تموت امرأتُه ، يُقَالَ له : أيم ، ولا يُقَالَ لهُ : أرمل ، ولو قَالَ : للعزاب من أولاد فلان ، يعطى للرجل الَّذِي لا نسوان لهم ، وللنساء اللواتي لا أزواج لهن .