أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ ° ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ ° ، أنا أَبُو مُصْعَبٍ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ° ، عَنِ الأَعْرَجِ ° ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ° ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَلا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا " . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُف ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
قَالَ الإِمَامُ : المُحَرَّماتُ فِي كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أربع عشرةَ سوى من يحرم الجمعُ بينهن : سبعٌ بالنسب ، وسبع بالسَّبب ، منها اثنان بالرضاع ، وأربع بالصهرية ، والسابعة المحصنات ، وهن ذوات الأزواج ، فالنسب قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ إِلَى قوله وَبَنَاتُ الأُخْتِ سورة النساء آية 23 . وجملته أَنَّهُ يحرمُ على الرجلِ أُصُولُهُ وفصولهُ ، وفصولُ أولِ أصوله ، وأولُ فصل من كلِّ أصل بعده ، فالأصول : هي الأمهات والجدات وإن عَلوْنَ ، والفصول : هي البنات ، وبنات الأولاد ، وإن سَفلَن ، وفصول أول الأصول : هي الأخوات ، وبنات الإخوة ، والأخوات وإن سَفلنَ ، وأول فصل من كل أصل بعده هي : العمات ، والخالات ، وإن عَلَتْ درجتهن . والرضاع قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ سورة النساء آية 23 ، وجملته أَنَّهُ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب . والصهرية قوله تبارك وتعالى : وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ سورة النساء آية 22 . وقوله تعالى وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ إِلَى قوله : مِنْ أَصْلابِكُمْ سورة النساء آية 23 ، وجملته أن كل من عقد النكاح على امرأة تحرم المنكوحة على آباء الناكح وإن عَلوا ، وعلى أبنائه وأبناء أولاده من النسب والرضاع جميعًا وإن سفلوا بمجردِ العقد ، تحريمًا مؤبدًا ، ويحرم على الناكح أمهاتُ المنكوحة ، وجداتها من النسب والرضاع جميعًا بمجرد العقد ، فإن دخل بالمنكوحة حرمت عَلَيْهِ بناتها ، وبنات أولادها من النسب والرضاع جميعًا ، وإن فارقها قبل أن يدخل بها ، جاز له نكاحُ بناتها . هذه جملة اتفقت الأمةُ عليها إِلا ما حُكي عَنْ علي " أن أم المرأة لا تحرم على الرجل ما لم يدخل بالبنت الربيبة " . والوطء بملك اليمين يُثبت حرمة المصاهرة كما بملك النكاح . وروي أن عُمَر وهب لابنه جارية ، فَقَالَ : " لا تَمَسَّها فَإِنِّي قَدْ كَشَفْتُها " . ووهب سالم بْن عَبْد اللَّهِ لابنِهِ جارية ، فَقَالَ : " لا تَقْرَبْهَا ، فَإنِّي قَدْ أَرَدْتُهَا ، وَلَمْ أَنْبِسطْ إِلَيْهَا " . وعن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد أيضًا : التحريم بالكشف ، وَقَالَ مسروق عند الموت لجاريةٍ : " بيعوها فإنِّي لَمْ أُصِبْ مِنْهَا إِلا ما يُحرِّمُهَا عَلَى وَلَدِي مِنْ لَمْسٍ أَوْ نَظَرٍ " . ولو جامعَ امرأة بشبهةٍ ، أو نكاح فاسد ، يحرم على الواطئ أمها وابنتُها وهي على أبيه وابنه محرمة ، ولكن لا تثبت المحرمية ، ومن زنى بامرأة ، فذهب جماعة إِلَى أَنَّهُ لا يحرم على الزاني أمُّ المزنيِّ بها وابنتها ، ولا الزانية على أَبِي الزاني وابنه ، يُروى ذَلِكَ عَنْ علي ، وَابْن عَبَّاس ، وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ، وعروة ، وَالزُّهْرِيّ ، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك ، وَالشَّافِعِيّ ، وذهب جماعة إِلَى التحريم ، يُروى ذَلِكَ عَنْ عمران بْن حصين ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَبِهِ قَالَ جَابِر بْن زَيْد ، وَالْحَسَن ، وَهُوَ قول أصحاب الرأي . ويُروى ذَلِكَ عَنْ يَحْيَى الكندي ، عَنِ الشَّعْبِيّ فيمن يلعب بالصبي إن أدخلَهُ فِيهِ ، فلا يتزوجنَّ أمَّه ، وَيَحْيَى هَذَا غير معروف لم يتابع عَلَيْهِ . ولا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين فِي النكاح ، سواء كَانَ الأخوة بينهما بالنسب ، أو بالرضاع ، لقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ سورة النساء آية 23 فإن نكحهما معًا فنكاحهما باطل . وإن نكحَ واحدة ، ثُمَّ نكحَ الأخرى ، فنكاحُ الأخرى باطل ، فإن فارق الأولى قبل الدخول بها ، أو بعد ما دخل بها ، أو انقضت عِدتُها ، حلَّ له نكاحُ الأخرى ، فأما قبل انقضاء عدتها لا تحل إن كانت رجعية ، وإن كانت بائنة ، فاختلفوا فِيهِ ، فذهب جماعة إِلَى أَنَّهُ يجوزُ له نكاحُ الأخرى ، وأربعَ سواها ، وَهُوَ قول الْقَاسِم ، وعروة ، وَبِهِ قَالَ ربيعة ، ومالك ، وَالشَّافِعِيّ ، وذهب قوم إِلَى أَنَّهُ لا يجوز ما لم تنقض عدتها ، وهو قول أصحاب الرأي . وكذا لا يجوزُ الجمعُ فِي النكاح بين المرأة وعمتها ، أو خالتها ، وإن عَلت فِي الدرجة من الرضاع والنسب جميعا . وجملته أن كل امرأتين من أهل النسب لو قَدَّرت إحداهما ذكرًا حرمت الأخرى عَلَيْهِ ، فالجمعُ بينهما حرامٌ ، ولا بأس بالجمع بين المرأة وزوجة أبيها ، أو زوجة ابنها ، وإن كنا لو قدرنا إحداهما ذكرًا ، حَرمُت الأخرى عَلَيْهِ ، لأنه لا نسب بينهما ، جمع عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر بين زينب بنت علي ، وامرأة علي ليلى بنت مسعود التَّمِيمِيّ . قَالَ ابْن سِيرِينَ ، وَالْحَسَن : لا بأس بِهِ . وجمع الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن علي بين بنتي عم فِي ليلة . وكرهه جَابِر بْن زَيْد للقطيعة ، وليس فِيهِ تحريم ، لقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ سورة النساء آية 24 . وكلُّ امرأتين لا يجوز الجمعُ بينهما فِي النكاح ، فإذا اجتمعتا عنده بملك اليمين لا يجوز أن يجمع بينهما فِي الوطء ، حَتَّى لو اشترى أُمًّا وابنتها ، فوطئ إحداهما ، حَرُمت الأخرى على التأبيد ، وإذا ملك أختين أو جارية وعمتها ، أو خالتها ، فإذا وطئ إحداهما لا يجوز له أن يطأ الأخرى حَتَّى يُحرم الولي على نفسه ، نهى عُمَر بْن الْخَطَّاب وعلي عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ نَافِع : كَانَ لابن عُمَر أختان مملوكتان ، فوطئ إحداهما ، ثُمَّ أراد أن يطأ الأخرى ، فأخرج التي وطئها عَنْ ملكه ، وسئل عُثْمَان عَنِ الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما ، فَقَالَ عُثْمَان : أحلتهما آية ، وحرمتهما آية ، فأما أنا ، فلا أحب أن أصنع ذَلِكَ ، فَقَالَ رجل من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لو كَانَ إلي من الأمر شيءٌ ، ثُمَّ وجدت أحدًا فعل ذَلِكَ ، جعلتُه نكالا . قَالَ ابْن شِهَاب : أراهُ علي بْن أَبِي طالب . قَالَ الإِمَامُ : قوله : أحلتهما آية ، أراد قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ سورة النساء آية 3 ، وقوله : حرمتهما آية قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ سورة النساء آية 23 . وعامة الفقهاء على التحريم ، لأن قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ سورة النساء آية 23 أخص فِي هَذَا الحكم من قوله جل ذكره : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ سورة النساء آية 3 فِي الأمر بحسن الائتمار ، ومثل ذَلِكَ لا يعم . قَالَ الإِمَامُ : فإذا ملك أختين ، فوطئ إحداهما ، فإذا حرَّم الموطوءة بعتق ، أو بيع ، أو تزويج ، أو كتابة ، حل له وطء الأخرى . وَهُوَ قول مَالِك ، وَالشَّافِعِيّ ، وَقَالَ أَبُو حنيفة : لا تحلُّ له بالتزويج ، والكتابة ، ومن اشترى أمة ونكح أختها ، لا يَحِلُّ له الوطء بملك اليمين .