قَالَ الشَّيْخُ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، نا أَبُو الْيَمَانِ ° ، أنا شُعَيْبٌ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ° ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ° ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ ، قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : " بَايِعُونِي ، عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلا تَسْرِقُوا ، وَلا تَزْنُوا ، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ " ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ " . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَغَيْرِهِمَا ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْوَلِيدِ ، شَهِدَ بَدْرًا ، وَعَائِذُ اللَّهِ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ الشَّامِيُّ ، وُلِدَ عَامَ حُنَيْنٍ . قَوْلُهُ : " وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ " . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُقَالُ : بَهَتَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ يَبْهَتُ بَهْتًا وَبُهْتَانًا ، وَهُوَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ الَّذِي يُبْهِتُ مِنْ شِدَّةِ نُكْرِهِ ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ ، فَيَبْقَى مَبْهُوتًا ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَذْفُ أَهْلِ الإِحْصَانِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رَمْيُ النَّاسِ بِالْعَظَائِمِ ، وَمَا يُلْحِقُ بِهِمُ الْعَارَ وَالْفَضِيحَةَ . وَقَوْلُهُ : " تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ " ، ذِكْرُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مَعَ أَنَّهُ لا صُنْعَ لَهُمَا فِيهِ ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مُعْظَمَ أَفْعَالِ النَّاسِ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ ، لأَنَّهُمَا الْعَوَامِلُ ، وَإِنْ شَارَكَهُمَا سَائِرُ الأَعْضَاءِ ، كَمَا إِذَا أَوْلاهُ صَاحِبُهُ مَعْرُوفًا ، يَقُولُ : صَنَعَ فُلانٌ عِنْدِي يَدًا ، وَلَهُ عِنْدِي يَدٌ ، وَالصَّنَائِعُ : الأَيَادِي ، وَقَدْ يُعَاقَبُ الرَّجُلُ عَلَى جِنَايَةِ لِسَانِهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا بِمَا كَسَبَتْ يَدُكَ ، وَالْيَدُ لا فِعْلَ لَهَا فِيهِ . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ لا تَبْهَتُوا النَّاسَ افْتِرَاءً وَاخْتِلافًا بِمَا لَمْ تَعْلَمُوهُ مِنْهُمْ ، فَتَجْنُوا عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ، أَيْ : قِبَلَ أَنْفُسِكُمْ جِنَايَةً تَفْضَحُونَهُمْ بِهَا ، وَهُمْ بُرَآءُ ، وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ كِنَايَةٌ عَنِ الذَّاتِ . وَالْوَجْهُ الآخَرُ : أَنْ لا تَبْهَتُوا النَّاسَ بِالْعُيُوبِ كِفَاحًا يُشَاهِدُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، كَمَا يُقَالُ : فَعَلْتُ هَذَا بَيْنَ يَدَيْكَ ، أَيْ : بِحَضْرَتِكَ ، وَهَذَا النَّوْعُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَهْتِ . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي امْتِحَانِ النِّسَاءِ : وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ سورة الممتحنة آية 12 يَحْتَمِلُ مَعَ الْوَجْهَيْنِ وَجْهًا ثَالِثًا ، وَهُوَ أَنْ تَلْتَقِطَ الْمَرْأَةُ لَقِيطًا ، وَتَقُولَ لِزَوْجِهَا : هَذَا وَلَدِي مِنْكَ ، فَتُلْحِقَ بِزَوْجِهَا وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ : هُوَ الْبُهْتَانُ الْمُفْتَرَى بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلُودَ إِذَا وَضَعَتْهُ الأُمُّ يَسْقُطُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا ، وَحَضَانَتُهُ وَتَرْبِيَتُهُ فِي الصِّغَرِ تَكُونُ بَيْنَ الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ ، فَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ مِنَ الشَّرْطِ أَنْ لا يَأْتِينَ بِكَذِبٍ وَبُهْتَانٍ مِنَ الْفِعْلِ مَحِلُّهُ بَيْنَ الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ مِنَ الزِّنَا ، فَتَنْسُبَهُ إِلَى الزَّوْجِ ، لأَنَّ شَرْطَ النَّهْيِ عَنِ الزِّنَا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَقِيلَ : كَنَّى بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا عَنِ الْوَلَدِ ، لأَنَّ فَرْجَهَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ ، وَبَطْنَهَا الَّذِي يَحْمِلُهُ بَيْنَ الْيَدَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .