أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ ° ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ° ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ° ، أَنَا شُعْبَةُ ° ، أَخْبَرَنَيِ أَبُو بِشْرٍ ° ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ° ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمْنًا ، وَأَقِطًا ، وَأَضُبًّا ، " فَأَكَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّمْنِ ، وَالأَقِطِ ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا " ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ ، عَنْ آدَمَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ
وأبو بشرٍ اليشْكُريُّ ، هُو جعفر بْن إياس بْن أبِي وحشية يُعدُّ فِي البصريين ، مات سنة أربعٍ ، أو ثلاثٍ وعِشْرِين ومائة ، وأمُّ حُفيد بنت الْحارِث بْن حزنٍ خالة عبْد اللّه بْن عبّاس . وفِي الْحدِيثِ دلِيلٌ على أن ترك النكير من النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكُون دلِيل الإباحة ، واخْتلف أهلُ العلم من أصْحاب النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن بعدهم فِي أكل الضّبِّ ، فذهب جماعة إِلى إباحته ، رُوِي ذلِك عنْ عُمر ، وابن عبّاس ، وإِليْهِ ذهب مالِك ، والأوزاعي ، والشّافِعِي ، وكرههُ قومٌ ، رُوِي ذلِك عنْ علِي ، وإِليْهِ ذهب أصْحاب الرّأْيِ ، ورُوِي فِي النهي عنْ لحم الضب حديثٌ ليْس إسناده بذاك ، رُوِي عنْ عبْد الرّحْمنِ بْن شبل ، أنّ رسُول اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نهى عنْ أكْلِ لحْمِ الضّبِّ " . واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي اليربوع ، فأباح أكله جماعة ، منهم : عروة ، وعطاء ، وبِهِ قال الشّافِعِيُّ ، وأبو ثور ، وكرهه ابْن سيرين ، والحكم ، وحمّادٌ ، وأصْحاب الرّأْيِ ، وكره هؤُلاءِ أيْضًا الوبْر ، وأباحهُ جماعة ، رُوِي ذلِك عنْ عطاء ، ومجاهد ، وطاوس ، وإِليْهِ ذهب مالِك ، والشّافِعِي . وقدْ رُوِي فِي تحريم القنفذ حديث ليْس إسناده بذاك . قال الشّافِعِيُّ : إن ثبت الْحدِيث ، قلتُ بتحريمهِ ، وأباحهُ ابْن عُمر ، وهُو قوْل أبِي ثور ، وحكاه عنِ الشّافِعِي ، وحرّمه أصْحاب الرّأْيِ ، وسُئل عنه مالِك ، فقال : لا أدري . ورُوِي عنْ عِيسى بْن نُميلة ، عنْ أبِيهِ ، قال : كنت عِنْد ابْن عُمر ، فسُئِل عن القنفذ ، فتلا قوْله سُبْحانهُ وتعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا سورة الأنعام آية 145 ، قال شيخ عنده : سمِعْتُ أبا هُريْرة ، يقُول : ذُكِر عِنْد النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : " خبيثةٌ من الخبائث " ، فقال ابْن عُمر : إن كان قال رسُول اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا ، فهُو كما قال . والأصل عِنْد الشّافِعِي : أن ما لمْ يرِد فِيهِ نصُّ تحريم ، ولا تحليل ، ولا أمرٌ بقتله ، ولا نهيٌ عنْ قتلِه ، فالمرجع إِلى الأغلب من عادات العرب ، لأن اللّه سُبْحانهُ وتعالى خاطبهم بقوله : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ سورة المائدة آية 4 ، فثبت أن ما استطابوه فهُو حلال ، وما تركوه ، فمن الخبائث . أما ما أمر الشرع بقتلِهِ ، أوْ نهى عنْ قتله ، فلا يكُون حلالا ، كما قال : عليْهِ السّلام : " خمْسٌ فواسقٌ يُقْتلْن فِي الْحِلِّ والحرم " . ورُوِي أنّهُ عليْهِ السّلام " أمر بِقتْلِ الأوْزاغِ " . ورُوِي أنّهُ عليْهِ السّلام " نهى عنْ قتْلِ الضِّفْدع " . وعن عبْد اللّه بْن عبّاس ، قال : " نهى رسُول اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ قتْلِ أرْبعةٍ مِن الدّوابِ : النّمْلةُ ، والنّحْلةُ ، والهُدْهُدُ ، والصُّردُ " ، واختلفوا فِي السُّلحفاة ، فكان الْحسن لا يرى بِها بأسًا .