أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ ° ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ ° ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ ، إِذْ جَاءَهُمْ آَتٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ ، فَاسْتَقْبَلُوهَا ، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ " . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
قُلْتُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ لا يَلْزَمُ الْمَرْءَ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِ ، لأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا شَرَعُوا فِي الصَّلاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ النَّسْخِ ، لأَنَّ آيَةَ النَّسْخِ نَزَلَتْ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَأَوَّلُ صَلاةٍ صَلاهَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ صَلاةُ الْعَصْرِ ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى أَهْلِ قُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ انْحَرَفُوا وَبَنَوْا عَلَى صَلاتِهِمْ وَلَمْ يُعِيدُوهَا . وَيَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْوَكِيلَ لا يَنْعَزِلُ عَنْ وِكَالَتِهِ بِعَزْلِ الْمُوَكَّلِ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْخَبَرُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ ، وَاجْتَهَدَ وَصَلَّى إِلَى جِهَةٍ بِاجْتِهَادِهِ ، ثُمَّ فِي الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى ، يُصَلِّي الصَّلاةَ الثَّانِيَةَ إِلَى الْجِهَةِ الأُخْرَى ، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ بِأَرْبَعِ اجْتِهَادَاتٍ إِلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ ، لا يَجِبُ إِعَادَتُهَا . وَلَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي خِلالِ الصَّلاةِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى ، انْحَرَفَ إِلَيْهَا ، وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ . وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ سورة البقرة آية 115 أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجُوا فِي سَفَرٍ ، فَأَصَابَهُمُ الضَّبَابُ ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ ، فَتَحَرَّوا الْقِبْلَةَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْمَشْرِقِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْمَغْرِبِ ، فَلَمَّا قَدِمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ سورة البقرة آية 115 ، قِيلَ : إِنَّ الْوُجُوهَ كُلَّهَا لِلَّهِ ، فَأَيْنَمَا وُجِّهَ أُمَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعَبُّدِهَا ، فَذَلِكَ الْوَجْهُ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ . أَمَّا إِنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ بِالاجْتِهَادِ ، ثُمَّ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ إِعَادَتِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي خِلالِ الصَّلاةِ ، فَفِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى بَعْدَ الانْحِرَافِ ، فَأَظْهَرَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا صَلَّى ، وَيَسْتَأْنِفُ مَا فِيهِ ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ صَلاتَهُ جَائِزَةٌ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمُ النَّسْخُ اسْتَدَارُوا ، وَبَنَوْا عَلَى صَلاتِهِمْ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا يُعِيدُ الصَّلاةَ . أَمَّا إِذَا بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُنْحَرِفًا يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً ، وَالْجِهَةُ وَاحِدَةٌ ، فَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ بِالاتِّفَاقِ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ إِذَا كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً عَدْلا ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا سورة الحجرات آية 6