أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ ° ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ ° ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ ° ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ° ، نَا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ° ، نَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ° ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ ° ، عَنْ عُثْمَانَ الأَخْنَسِيِّ ° ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ " . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ ، لأَنَّهُ وَلَدُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ " مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ " ، مِنْهُمْ : عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : " مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ " هَذَا لأَهْلِ الْمَشْرِقِ ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُبَارَكِ التَّيَاسُرَ لأَهْلِ مَرْوَ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِذَا جَعَلْتَ الْمَغْرِبَ عَنْ يَمِينِكَ ، وَالْمَشْرِقَ عَنْ يَسَارِكَ ، فَمَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ . قُلْتُ : أَرَادَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ : مَشْرِقَ الشِّتَاءِ ، وَمَغْرِبَ الصَّيْفِ ، لأَنَّ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ كَثِيرَةٌ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ سورة المعارج آية 40 . فَأَوَّلُ الْمَشَارِقِ مَشْرِقُ الصَّيْفِ ، وَهُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ ، وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ مَطْلَعِ السِّمَاكِ الرَّامِحِ يَرْتَفِعُ عَنْهُ فِي الشِّمَالِ قَلِيلا ، وَآخِرُ الْمَشَارِقِ مَشْرِقُ الشِّتَاءِ ، وَهُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ فِي أَقْصَرِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَطْلَعِ قَلْبِ الْعَقْرَبِ يَنْحَدِرُ عَنْهُ فِي الْجَنُوبِ قَلِيلا . وَأَوَّلُ الْمَغَارِبِ مَغْرِبُ الصَّيْفِ ، وَهُوَ مَغِيبُ الْقُرْصِ عِنْدَ مَوْضِعِ غُرُوبِ السِّمَاكِ الرَّامِحِ ، وَآخِرُ الْمَغَارِبِ مَغْرِبُ الشِّتَاءِ ، وَهُوَ مَغِيبُ الْقُرْصِ عِنْدَ مَغْرِبِ قَلْبِ الْعَقْرَبِ ، عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْتُ مَطْلَعَهُ . فَمَنْ جَعَلَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ أَوَّلَ الْمَغَارِبِ عَنْ يَمِينِهِ ، وَآخِرَ الْمَشَارِقِ عَنْ يَسَارِهِ ، كَانَ مُسْتَقْبِلا لِلْقِبْلَةِ ، وَمَنْ وَقَفَ مِنْ بَيْنَ أَوَّلِ الْمَشَارِقِ وَآخِرِ الْمَغَارِبِ كَانَ مُسْتَقْبِلا لِلشَّامِ ، وَتَكُونُ عَيْنُ الشَّمْسِ فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ عَلَى نُقْرَةِ قَفَاكَ إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ ، وَيَقَعُ ظِلُّكَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَيَكُونُ عِنْدَ الزَّوَالِ قَرِيبًا مِنْ نَاصِيَتِكَ ، وَعِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى يَمِينِكَ ، وَفِي أَقْصَرِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ تَكُونُ عِنْدَ الطُّلُوعِ عَلَى يَسَارِكَ ، وَعِنْدَ الزَّوَالِ عَلَى عَيْنِكَ الْيُسْرَى ، وَعِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَاجِبِكَ الأَيْمَنِ ، وَإِذَا اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِي الرَّبِيعِ ، أَوِ الْخَرِيفِ ، يَكُونُ وَقْتُ الزَّوَالِ عَلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِكَ الْيُسْرَى ، وَعِنْدَ الْغُرُوبِ خَارِجَةً عَنْ حَاجِبِكَ الْيُمْنَى ، وَهَذَا لأَهْلِ الْمَشْرِقِ خَاصَّةً . وَأَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى الْقِبْلَةِ لأَهْلِ هَذِهِ النَّاحِيَةِ الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ ، وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ النَّعْشِ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ ، يَدُورُ حَوْلَ بَنَاتِ النَّعْشِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى ، فَإِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ فِي نَوَاحِي الشَّرْقِ ، كَانَ الْقُطْبُ خَلْفَ أُذُنِكَ الْيُمْنَى ، وَإِذَا اسْتَدْبَرْتَ ، كَانَ عَلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِكَ الْيُسْرَى . وَمِنَ الدَّلائِلِ أَيْضًا النَّسْرَانِ إِذَا حَلَّقَا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ تَكُونُ الْقِبْلَةُ بَيْنَهُمَا ، يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ النَّسْرَ الْوَاقِعَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالنَّسْرَ الطَّائِرَ عَنْ يَسَارِهِ . وَمِنْهَا الْعَيُّوقُ ، وَهُوَ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ قَبْلَ الثُّرَيَّا بِقَلِيلٍ مِنْ جَانِبِ الشِّمَالِ ، فَيَكُونُ وَقْتُ طُلُوعِهِ فِي نُقْرَةِ قَفَا الْمُصَلِّي . وَكَذَا رَأْسُ النَّاقَةِ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْكَفُّ الْخَضِيبُ ، يَكُونُ طُلُوعُهُ قَبْلَ الْعَيُّوقِ فِي نُقْرَةِ قَفَا الْمُصَلِّي ، وَالشِّعْرَى الْعَبُورُ ، وَهُوَ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ أَزْهَرُ ، يَكُونُ طُلُوعُهُ عَلَى يَسَارِ الْمُصَلِّي . قُلْتُ : وَالتَّوَجُّهُ إِلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَاجِبٌ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ ، أَمَّا مَنْ غَابَ عَنْهَا ، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ اتَّفَقَ أَهْلُهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى جِهَةٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْجِهَةِ فِيهَا ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا ، وَلَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الانْحِرَافِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً . وَإِنْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ ، أَوْ بِلادِ الشِّرْكِ ، فَاشْتَبَهَتِ الْقِبْلَةُ عَلَيْهِ ، يَجِبُ أَنْ يَجْتَهِدَ ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ الْقِبْلَةَ بِنَوْعٍ مِنَ الدَّلائِلِ ، وَيُصَلِّي إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّى إِلَيْهَا اجْتِهَادُهُ ، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ سورة البقرة آية 115 . حَكَى الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ : فَثَمَّ الْوَجْهُ الَّذِي وَجَّهَكُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ : قِبْلَةُ اللَّهِ . وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ : " مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ " فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ إِذَا الْتَبَسَ عَلَيْهِ الأَمْرُ . وَالْمَطْلُوبُ بِالاجْتِهَادِ عَيْنُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : جِهَتُهَا . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : " الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الْحَرَمِ ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .