حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيُّ ° ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ° , حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ° ، عَنْ حَمَّادٍ ° ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ° ، قَالَ : مَا جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ بِـ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَلا أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ
فإن قَالَ قائل : إذا كان عندك أنها آية من القرآن في موضعها ، فالواجب : الجهر بها كالجهر بالقراءة في الصلوات التي يجهر فيها بالقرآن ; إذ ليس في الأصول : الجهر ببعض القراءة دون بعض في ركعة واحدة . قيل له : إذا لم تكن من فاتحة الكتاب على ما بينا , وإنما هي على وجه الابتداء بها تبركا , جاز أن لا يجهر بها ، ألا ترى أن قوله تعالى : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ سورة الأنعام آية 79 الآية ، هو من القرآن , ومن استفتح به الصلاة لا يجهر به , مع الجهر بسائر القراءة , كذلك ما وصفنا . قال أَبُو بكر : وما ثبت عن رسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، من إخفائها : يدل على أنها ليست من الفاتحة ; إذ لو كانت منها لجهر بها كجهره بسائرها فإن احتج محتج بما روى نعيم المجمر أنه صلى وراء أَبِي هُرَيْرَةَ فقرأ : " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم لما سلم قَالَ : إني لأشبهكم صلاة برسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبما روى ابن جريج عن ابن أَبِي مليكة عن أم سلمة : أن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كان يصلي في بيتها فيقرأ : " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " , وبما روى جابر الجعفي عن أَبِي الطفيل عن علي وعمار : أن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كان يجهر بـ " بسم الله الرحمن الرحيم " . قيل له : أما حديث نعيم المجمر عن أَبِي هُرَيْرَةَ فلا دلالة فيه على الجهر بها ; لأنه إنما ذكر أنه قرأها , ولم يقل إنه جهر بها ، وجائز أن لا يكون جهر بها وإن قرأها , وكان علم الراوي بقراءتها إما من جهة أَبِي هُرَيْرَةَ بإخباره إياه بذلك أو من جهة أنه سمعها لقربه منه وإن لم يجهر بها ، كما روي أن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كان يقرأ في الظهر والعصر ويسمعنا الآية أحيانا , ولا خلاف أنه لم يكن يجهر بها . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا نَهَضَ فِي الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ بِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَلَمْ يَسْكُتْ " وهذا يدل على أنه لم يكن عنده أنها من فاتحة الكتاب ; وإذا لم يكن منها لم يجهر بها : لأن كل من لا يعدها آية منها لا يجهر بها . وأما حديث أم سلمة , فروى الليث عن عبد الله بن عبيد الله بن أَبِي مليكة عن معلى أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فنعتت قراءته مفسرة حرفا حرفا . ففي هذا الخبر أنها نعتت قراءة النبي عليه السلام وليس فيه ذكر قراءتها في الصلاة ولا دلالة فيه على جهر ولا إخفاء : لأن أكثر ما فيه أنه قرأها ; ونحن كذلك نقول أيضا , ولكنه لا يجهر بها وجائز أن يكون النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك ، ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ غير جاهر بها , فسمعته لقربها منه ; ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها , وهذه لم تكن صلاة فرض ; لأنه عليه السلام كان لا يصلي الفرض منفردا بل كان يصليها في جماعة ، وجائز عندنا للمنفرد والمتنفل : أن يقرأ كيف شاء من جهر أو إخفاء . وأما حديث جابر عن أَبِي الطفيل فإن جابرا ممن لا تثبت به حجة لأمور حكيت عنه تسقط روايته , منها : أنه كان يَقُول بالرجعة على ما حكي , وكان يكذب في كثير مما يرويه ; وقد كذبه قوم من أئمة السلف , وقد روى أَبُو وائل عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يجهر بها ; ولو كان الجهر ثابتا عنده لما خالفه إلى غيره , وعلى أنه لو تساوت الأخبار في الجهر والإخفاء عن النبي عليه السلام كان الإخفاء أولى من وجهين ، أحدهما : ظهور عمل السلف بالإخفاء دون الجهر , منهم أَبُو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن المغفل وأنس بن مالك , وقول إبراهيم : الجهر بها بدعة; إذ كان متى روي عن النبي عليه السلام خبران متضادان ، وظهر عمل السلف بأحدهما كان الذي ظهر عمل السلف به أولى بالإثبات . والوجه الآخر : أن الجهر بها لو كان ثابتا لورد النقل به مستفيضا متواترا كوروده في سائر القراءة ; فلما لم يرد النقل به من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت ; إذ الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها كهي إلى معرفة مسنون الجهر في سائر فاتحة الكتاب فإن احتج بما