حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْيَمَانِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، عَنْ أَيُّوبَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قِلابَةَ ° هَذَا الْحَدِيثَ , ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي ؟ قَالَ : فَدَلَّنِي عَلَيْهِ , فَلَقِيتُهُ , فَقَالَ : حَدَّثَنِي قَرِيبٌ لِي يُقَالُ لَهُ : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ° ، قَالَ : " أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي إِبِلٍ لِجَارٍ لِي أُخِذَتْ , فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ يَأْكُلُ , فَدَعَانِي إِلَى طَعَامِهِ فَقُلْتُ : إِنِّي صَائِمٌ , فَقَالَ : إِذًا أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ ! أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ وَالصَّوْمَ وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ " قَالَ : فَكَانَ يَتَلَهَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ : أَلا أَكُونُ أَكَلْتُ مِنْ طَعَامِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حِينَ دَعَانِي
قَالَ أَبُو بكر : شطر الصلاة مخصوص به المسافر ; إذ لا خلاف أن الحمل والرضاع لا يبيحان قصر الصلاة . ووجه دلالته على ما ذكرنا : إخباره عليه السلام بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر , ألا ترى أن وضع الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم المرضع والحامل ; لأنه عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء غيره ؟ فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق بينهما , ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية ، فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع . وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ; إذ لم يفصل النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بينهما ، وأيضا لما كانت الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع إمكان القضاء , وجب أن تكونا كالمريض والمسافر ; فإن احتج القائلون بإيجاب القضاء والفدية بظاهر قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ سورة البقرة آية 184 لم يصح لهم وجه الدلالة منه على ما ادعوه وذلك لما روينا : عن جماعة من الصحابة الذين قدمنا ذكرهم : أن ذلك كان فرض المقيم الصحيح , وأنه كان مخيرا بين الصيام والفدية ; وبينا : أن ما جرى مجرى ذلك فليس القول فيه من طريق الرأي وإنما يكون توقيفا ; فالحامل والمرضع لم يجر لهما ذكر فيما حكوا , فوجب أن يكون تأويلها محمولا على ما ذكرنا . وقد ثبت نسخ ذلك بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ سورة البقرة آية 185 ومن جهة أخرى : لا يصح الاحتجاج لهم به , وهو قوله تعالى في سياق الخطاب : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ سورة البقرة آية 184 ، ومعلوم أن ذلك خطاب لمن تضمنه أول الآية , وليس ذلك حكم الحامل والمرضع ; لأنهما إذا خافتا الضرر لم يكن الصوم خيرا لهما بل محظور عليهما فعله , وإن لم تخشيا ضررا على أنفسهما أو ولديهما فغير جائز لهما الإفطار , وفي ذلك دليل واضح على أنهما لم ترادا بالآية . ودل على بطلان قول من تأول الآية على الحامل والمرضع من القائلين بإيجاب الفدية والقضاء أن الله تعالى سمى هذا الطعام فدية , والفدية : ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه ، فغير جائز على هذا الوضع : اجتماع القضاء والفدية ; لأن القضاء إذا وجب فقد قام مقام المتروك فلا يكون الإطعام فدية , وإن كان فدية صحيحة فلا قضاء ; لأن الفدية أجزأت عنه , وقامت مقامه . فإن قيل : ما الذي يمنع أن يكون القضاء والإطعام قائمين مقام المتروك ؟ قيل له : لو كان مجموعهما قائمين مقام المتروك من الصوم لكان الإطعام بعض الفدية ولم يكن جميعها , والله تعالى قد سمى ذلك فدية , وتأويلك يؤدي إلى خلاف مقتضى الآية . وأيضا : إذا كان الأصل المبيح للحامل والمرضع الإفطار والموجب عليهما الفدية هو قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ سورة البقرة آية 184 وقد ذكر السلف الذين قدمنا قولهم : أن الواجب كان أحد شيئين من فدية أو صيام لا على وجه الجمع , فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع بينهما على الحامل والمرضع ؟ ومن جهة أخرى : أنه معلوم أن في قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين حذف الإفطار , كأنه قَالَ : وعلى الذين يطيقونه إذا أفطروا فدية طعام مسكين ، فإذا كان الله تعالى إنما اقتصر بالإيجاب على ذكر الفدية فغير جائز إيجاب غيرها معها لما فيه من الزيادة في النص , وغير جائز الزيادة في المنصوص إلا بنص مثله ; وليستا كالشيخ الكبير الذي لا يرجى له القضاء ، فهما كالمريض والمسافر . وإنما يسوغ الاحتجاج بظاهر الآية لابن عباس لاقتصاره على إيجاب الفدية دون القضاء , ومع ذلك فإن الحامل والمرضع إذا كانتا إنما تخافان على ولديهما دون أنفسهما فهما تطيقان الصوم فيتناولهما ظاهر قوله : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين وكذلك قَالَ ابن عباس ;