حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَخُو خُطَّافٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُسْتَمْلِي ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ ° ، عَنْ شَرِيكٍ ° ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ رَمَضَانُ فَلَمْ يَقْضِهِ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ لِمِسْكِينٍ "
وإذا ثبت ذلك في المفطر في رمضان إذا مات ثبت في الشيخ الكبير من وجوه ، أحدها : أنه عموم في الشيخ الكبير وغيره ; لأن الشيخ الكبير قد تعلق عليه حكم التكليف على ما وصفنا , فجائز بعد موته أن يقال : إنه قد مات وعليه صيام رمضان فقد تناوله عموم اللفظ . ومن جهة أخرى : أنه قد ثبت أن المراد بالفدية المذكورة في الآية هذا المقدار , وقد أريد بها الشيخ الكبير , فوجب أن يكون ذلك هو المقدار الواجب عليه . ومن جهة أخرى : أنه إذا ثبت ذلك فيمن مات وعليه قضاء رمضان وجب أن يكون ذلك مقدار فدية الشيخ الكبير ; لأن أحدا من موجبي الفدية على الشيخ الكبير لم يفرق بينهما . وقد روي عن ابن عباس وقيس بن السائب , الذي كان شريك رسول الله ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، في الجاهلية , وعائشة ، وأبي هُرَيْرَةَ ، وسعيد بن المسيب ، في الشيخ الكبير : أنه يطعم عن كل يوم نصف صاع بر . وأوجب النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، على كعب بن عجرة : إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع بر " ، وهذا يدل على أن تقدير فدية الصوم بنصف صاع أولى منه بالمد ، لأن التخيير في الأصل قد تعلق بين الصوم والفدية في كل واحد منهما . وقد روي عن ابن عمر وجماعة من التابعين : عن كل يوم مد . والأول أولى لما رويناه : عن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولما عضده قول الأكثرين عددا من الصحابة والتابعين , وما دل عليه من النظر . وقوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ سورة البقرة آية 184 قد اختلف في ضمير كنايته , فقال قائلون : هو عائد على الصوم . وقال آخرون : إلى الفدية . والأول أصح ; لأن مظهره قد تقدم ، والفدية لم يجر لها ذكر , والضمير إنما يكون لمظهر متقدم . ومن جهة أخرى : أن الفدية مؤنثة والضمير في الآية للمذكر في قوله : يطيقونه . وقد دل ذلك على بطلان قول المجبرة القائلين بأن الله يكلف عباده ما لا يطيقون , وأنهم غير قادرين على الفعل قبل وقوعه ولا مطيقين له ; لأن الله قد نص على أنه مطيق له قبل أن يفعله بقوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ سورة البقرة آية 184 فوصفه بالإطاقة مع تركه للصوم والعدول عنه إلى الفدية , ودلالة اللفظ قائمة على ذلك أيضا إذا كان الضمير هو الفدية ; لأنه جعله مطيقا لها وإن لم يفعلها ، وعدل إلى الصوم . وقوله عز وجل : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ سورة البقرة آية 185 يدل على بطلان مذهب المجبرة في قولهم : إن الله لم يهد الكفار . لأنه قد أخبر في هذه الآية أن القرآن هدى لجميع المكلفين , كما قَالَ في آية أخرى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى سورة فصلت آية 17 . وقوله تعالى : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ سورة البقرة آية 184 يجوز : أن يكون ابتداء كلام غير متعلق بما قبله ; لأنه قائم بنفسه في إيجاب الفائدة يصح ابتداء الخطاب به , فيكون حثا على التطوع بالطاعات . وجائز أن يريد به التطوع بزيادة طعام الفدية ; لأن المقدار المفروض منه نصف صاع , فإن تطوع بصاع أو صاعين فهو خير له . وقد روي هذا المعنى عن قيس بن السائب , أنه كبر فلم يقدر على الصوم فقال : يطعم عن كل إنسان لكل يوم مدين فأطعموا عني ثلاثا . وغير جائز أن يكون المراد أحد ما وقع عليه التخيير فيه من الصيام أو الإطعام ; لأن كل واحد منهما إذا فعله منفردا فهو فرض لا تطوع فيه , فلم يجز أن يكون واحد منهما مراد الآية . وجائز أن يكون المراد الجمع بين الصيام والطعام فيكون الفرض أحدهما والآخر التطوع . وأما قوله تعالى : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ سورة البقرة آية 184 فإنه يدل على أن أول الآية فيمن يطيق الصوم من الأصحاء المقيمين غير المرضى ولا المسافرين ولا الحامل والمرضع ، وذلك لأن المريض الذي يباح له الإفطار هو الذي يخاف ضرر الصوم , وليس الصوم بخير لمن كان هذا حاله ; لأنه منهي عن تعريض نفسه للتلف بالصوم ; والحامل والمرضع لا تخلوان من أن يضر بهما الصوم أو بولديهما , وأيهما كان فالإفطار خير لهما ، والصوم محظور عليهما . وإن كان لا يضر بهما ولا بولديهما فعليهما الصوم ، وغير جائز لهما الفطر , فعلمنا أنهما غير داخلتين في قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ سورة البقرة آية 184 وقوله : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ سورة البقرة آية 184 : عائد إلى من تقدم ذكره في أول الخطاب , وجائز أن يكون قوله : وأن تصوموا خير لكم : عائدا إلى المسافرين أيضا مع عوده على المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام , فيكون الصوم خيرا للجميع , إذ كان أكثر المسافرين يمكنهم الصوم في العادة من غير ضرر ، وإن كان الأغلب فيه المشقة ; ودلالته واضحة على أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار ، وفيه الدلالة على أن صوم يوم تطوعا أفضل من صدقة نصف صاع ; لأنه في الفرض كذلك ; ألا ترى أنه لما خيره في الفرض بين صوم يوم وصدقة نصف صاع جعل الصوم أفضل منها ؟ فكذلك يجب أن يكون حكمهما في التطوع , والله الموفق .