وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ° ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ° ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ ° ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ ° ، أَخْبَرَنَا عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ ° ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ ° ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ° ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَنَى جَنَّاتِ عَدْنٍ بِيَدِهِ وَبَنَاهَا لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ ، وَجَعَلَ مِلاطَهَا الْمِسْكَ وَتُرَابَهَا الزَّعْفَرَانَ وَحَصَاهَا اللُّؤْلُؤَ ، ثُمَّ قَالَ : تَكَلَّمِي . فَقَالَتْ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ سورة المؤمنون آية 1 .
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : أَصْلُ الْفَلاحِ : الْبَقَاءُ ، فَالْمُفْلِحُونَ الْفَائِزُونَ بِبَقَاءِ الأَبَدِ . وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعِكْرِمَةُ بِضَمِّ الأَلِفِ وَالْمَعْنَى : أُصِيرُوا إِلَى الْفَلاحِ . لَقَدْ رَبِحَ الْقَوْمُ وَأَنْتَ نَائِمٌ ، وَخِبْتَ وَرَجَعُوا بِالْغَنَائِمِ ، أَنْتَ بِاللَّيْلِ رَاقِدٌ وَبِالنَّهَارِ هَائِمٌ ، وَغَايَةُ مَا تَشْتَهِي مُشَارَكَةُ الْبَهَائِمِ ، نَظَرُوا فِي عَوَاقِبِ الأُمُورِ فَقَبَرُوا أَنْفُسَهْمُ قَبْلَ الْقُبُورِ ، وَخَرَجُوا مِنْ ظَلامِ الشُّبْهَةِ إِلَى أَجْلَى نُورٍ ، فَمَا اسْتَفَزَّهُمْ فَانٍ وَلا أَذَلَّهُمْ غُرُورٌ ، عَرَضُوا عَلَى النُّفُوسِ ذِكْرَ الْعَرْضِ فَاعْتَرَضَهَا الْقَلَقُ ، وَصَوَّرُوا إِحْرَاقَ الصُّوَرِ فَأَحْرَقَهُمُ الْفَرَقُ ، وَتَفَكَّرُوا فِي نَشْرِ الصَّحَائِفِ فَأَزْعَجَهُمُ الأَرَقُ ، وَتَذَكَّرُوا محمدة = الْمَخَاوِفِ فَسَالَتِ الْحِدَقُ ، أَطَارَ خَوْفُ النَّارِ نَوْمَهُمْ ، وَأَطَالَ ذِكْرُ الْعَطَشِ الأَكْبَرِ صَوْمَهُمْ ، وَهَوَّنَ فِكْرُهُمْ فِي الْعِتَابِ نَصَبَهُمْ ، وَنَصَبَهُمْ عَلَى الأَقْدَامِ ذِكْرُ الْقِيَامِ وَأَنْصَبَهُمْ ، أَمَّا الأَجْسَادُ فَالْخَوْفُ قَدْ أَنْحَلَهَا ، وَأَمَّا الْعُقُولُ فَالْحَذَرُ قَدْ أَذْهَلَهَا ، وَأَمَّا الْقُلُوبُ فَالْفِكْرُ قَدْ شَغَلَهَا ، وَأَمَّا الدُّمُوعُ فَالإِشْفَاقُ قَدْ أَرْسَلَهَا ، وَأَمَّا الأَكُفُّ فَقَدْ كَفَّتْ عَمَّا لَيْسَ لَهَا ، وَأَمَّا الأَعْمَالُ فَقَدْ - وَاللَّهِ - قَبِلَهَا ، حَوَانِيتُهُمُ الْخَلَوَاتُ وَبَضَائِعُهُمُ الصَّلَوَاتُ ، وَأَرْبَاحُهُمُ الْجَنَّاتُ ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحَسَنَاتُ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ سورة المؤمنون آية 2 . أَصْلُ الْخُشُوعِ : الْخُضُوعُ وَالتَّوَاضُعُ . وَفِي الْمُرَادِ بِهِ - هَاهُنَا - ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ تَرْكُ الالْتِفَاتَ فِي الصَّلاةِ . قَالَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَالثَّانِي : السُّكُونُ فِي الصَّلاةِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ : النَّظَرُ إِلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ . قَالَهُ قَتَادَةُ . عَرَفُوا طَرِيقَ النَّجَاةِ ، فَوَقَفُوا عَلَى قَدَمِ الأَدَبِ فِي الْمُنَاجَاةِ ، فَنَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا رَجَاهُ ، فَلَهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُ قَدْرٍ وَجَاهٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمًا يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ مُرْخِيًا يَدَيْهِ ، فَوَافَى حَجَرٌ قِذَافٌ ، فَذَهَبَ بِطَائِفَةٍ مِنْ ثَوْبِهِ ، فَمَا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ : وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكَّارٍ الْبَاقِلاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : كَانَ الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ يَوْمًا يُصَلِّي فَوَقَعَ عَلَى رَأْسِهِ كُورُ الزَّنَابِيرِ ، فَمَا الْتَفَتَ وَمَا انْفَتَلَ حَتَّى أَتَمَّ صَلاتَهُ فَإِذَا رَأْسُهُ قَدْ صَارَ هَكَذَا مِنْ شِدَّةِ الانْتِفَاخِ . وَكَانَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لا يَلْتَفِتُ فِي صَلاتِهِ ، وَلَقَدِ انْهَدَمَتْ نَاحِيَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَفَزِعَ لَهَا أَهْلُ السُّوقِ ، فَمَا الْتَفَتَ . وَكَانَ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ سَكَتَ أَهْلُ بَيْتِهِ ، فَإِذَا قَامَ يُصَلِّي تَكَلَّمُوا أَوْ ضَحِكُوا عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْهُمْ . وَكَانَ يَقُولُ : إِلَهِي مَتَى أَلْقَاكَ وَأَنْتَ عَنِّي رَاضٍ . إِذَا اشْتَغَلَ اللاهُونَ عَنْكَ بِشُغْلِهِمْ جَعَلْتُ اشْتِغَالِي فِيكَ يَا مُنْيَتِي شُغُلِي فَمَنْ لِي بِأَنْ أَلْقَاكَ فِي سَاعَةِ الرِّضَا وَمَنْ لِي بِأَنْ أَلْقَاكَ وَالْكُلُّ بِي مِنْ لِي أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوِيَةَ الشِّيرَازِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ الدَّارِمِيَّ يَقُولُ : صَلَّى أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ فِي مَسْجِدِهِ عِشْرِينَ سَنَةً بَعْدَ قُدُومِهِ مِنَ السَّفَرِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، فَنَظَرُوا فَإِذَا فِي مِحْرَابِهِ كِتَابَةٌ فَقَالُوا لَهُ : كَيْفَ تَقُولُ فِي الْكِتَابَةِ فِي الْمَحَارِيبِ ؟ فَقَالَ : قَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ مِمَّنْ مَضَى . فَقَالُوا لَهُ : هُوَ ذَا فِي مِحْرَابِكَ كِتَابَةٌ ، أَمَا عَلِمْتَ بِهِ ؟ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَدْرِي مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ! أَخْبَرَنَا المُحَمَّدانِ ابْنُ نَاصِرٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، قَالا : أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، حَدَّثَنِي عَفَّانُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّبَعِيُّ ، عَنْ رِيَاحِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَرَوِيِّ ، قَالَ : مَرَّ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ بِحَاتِمٍ الأَصَمِّ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي مَجْلِسِهِ ، فَقَالَ : يَا حَاتِمُ كَيْفَ تُصَلِّي ؟ قَالَ حَاتِمٌ : أَقُومُ بِالأَمْرِ ، وَأَمْشِي بِالسَّكِينَةِ ، وَأَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ ، وَأُكَبِّرُ بِالْعَظَمَةِ ، وَأَقْرَأُ بِالتَّرْتِيلِ وَالتَّفَكُّرِ ، وَأَرْكَعُ بِالْخُشُوعِ ، وَأَسْجُدُ بِالتَّوَاضِعِ ، وَأُسَلِّمُهَا بِالإِخْلاصِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَخَافُ أَلا يُتَقَبَّلَ مِنِّي ! فَقَالَ : تَكَلَّمْ فَأَنْتَ تُحْسِنُ أَنْ تُصَلِّيَ . يَا هَذَا : بَيْنَ صَلاتِكَ وَصَلاتِهِمْ كَمَا بَيْنَ وَقْتِكَ وَأَوْقَاتِهِمْ .