أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ° ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ ° ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ° ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ ° ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ ° ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ° ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ ° ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ ° ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ ، قَالَ : أَيْنَ تَعْمِدُ يَا عُمَرُ ؟ فَقَالَ : أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا . قَالَ : وَكَيْفَ تَأْمَنُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي زُهْرَةَ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا أَرَاكَ إِلا قَدْ صَبَأْتَ وَتَرَكْتَ دِينَكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ . قَالَ : أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ يَا عُمَرُ ؟ إِنَّ خَتَنَكَ وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَئَا وَتَرَكَا دِينَكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ ، فَمَشَى عُمَرُ ذَامِرًا حَتَّى أَتَاهُمَا وَعِنْدَهُمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ؛ يُقَالُ لَهُ : خَبَّابٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ حِسَّ عُمَرَ تَوَارَى فِي الْبَيْتِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُهَا عِنْدَكُمْ ؟ قَالَ : وَكَانُوا يَقْرَءُونَ طَهَ فَقَالا : مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا ، قَالَ : فَأَعْلَمُكُمَا قَدْ صَبَأْتُمَا . فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ : أَرَأَيْتَ يَا عُمَرُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ ؟ فَوَثَبَ عُمَرُ عَلَى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا ، فَجَاءَتْ أُخْتُهُ فَدَفَعَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا ، فَنَفَحَهَا نَفْحَةً بِيَدِهِ فَدَمَى وَجْهُهَا ، فَقَالَتْ ، وَهِي غَضْبَى : يَا عُمَرُ ، إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . فَلَمَّا يَئِسَ عُمَرُ ، قَالَ : أَعْطُونِي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأَهُ ؛ فَقَالَتْ : إِنَّكَ رِجْسٌ وَلا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ، فَقُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ . فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ ، فَقَرَأَ طَهَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي سورة طه آية 14 فَقَالَ عُمَرُ : دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ . فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ قَوْلَ عُمَرَ خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ ، فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا عُمَرُ ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ : اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ . قَالَ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّارِ الَّتِي فِي أَصْلِ الصَّفَا ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى أَتَى الدَّارَ ، قَالَ : وَعَلَى بَابِ الدَّارِ طَلْحَةُ وَحَمْزَةُ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَأَى حَمْزَةُ وَجَلَ الْقَوْمِ مِنْ عُمَرَ ، قَالَ حَمْزَةُ : نَعَمْ فَهَذَا عُمَرُ ، فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِعُمَرَ خَيْرًا يُسْلِمُ وَيَتَّبِعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ عَلَيْنَا هَيِّنًا . قَالَ : وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَ يُوحَى إِلَيْهِ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى عُمَرَ ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ ، فَقَالَ : مَا أَنْتَ مَنْهِيًّا يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ مَا أَنْزَلَ بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ! اللَّهُمَّ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . فَقَالَ عُمَرُ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَأَسْلَمَ ، وَقَالَ : اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَالَ : الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَجَبَتْ لَهُ عَلَيْنَا أَيَادِي مَا لَهَا غِيَرُ وَقَدْ بَدَأْنَا فَكَذَّبْنَا وَقَالَ لَنَا صَدَقَ الْحَدِيثُ نَبِيٌّ عِنْدَهُ الْخَبَرُ وَقَدْ ظَلَمْتُ ابْنَةَ الْخَطَّابِ ثُمَّ هَدَى رَبِّي عَشِيَّةَ قَالُوا قَدْ هُدِيَ عُمَرُ وَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ زَلَلٍ بِلَطْمِهَا حِينَ تُتْلَى عِنْدَهَا السُّوَرُ لَمَّا دَعَتْ رَبَّهَا ذَا الْعَرْشِ جَاهِدَةً وَالدَّمْعُ مِنْ عَيْنِهَا عَجْلانُ يَبْتَدِرُ أَيْقَنْتُ أَنَّ الَّذِي تَدْعُوهُ خَالِقُهَا فَكَادَ يَسْبِقُنِي مِنْ عَبْرَةٍ دُرَرُ فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُنَا وَأَنَّ أَحْمَدَ فِينَا الْيَوْمَ مُشْتَهِرُ نَبِيُّ صِدْقٍ أَتَى بِالْحَقِّ مِنْ ثِقَةٍ وَافِي الأَمَانَةِ مَا فِي عُودِهِ خُوَرُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ كَبَّرَ أَهْلُ الدَّارِ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ . وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ حَيِينَا ؟ قَالَ : بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ . قَالَ : فَفِيمَ الاخْتِفَاءُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ . قَالَ عُمَرُ : فَأَخْرَجْنَاهُ فِي صَفَّيْنِ ، حَمْزَةُ فِي أَحَدِهِمَا وَأَنَا فِي الآخَرِ لَهُ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِينِ ، حَتَّى إِذَا دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ نَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَى حَمْزَةَ وَعُمَرَ ، فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلُهَا . قَالَ : فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ الْفَارُوقَ ، وَفَرَّقَ اللَّهُ بِي بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ؟ فَنَزَلَتْ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى سورة البقرة آية 125 ؛ وَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ نِسَاءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ . فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ . وَاجْتَمَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاؤُهُ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُنَّ : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : “ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأٌ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ ، فَقُلْتُ : لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ ؟ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا “ . فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ : أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : “ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ “ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَقِيَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّيْطَانَ فِي زُقَاقٍ مِنْ أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ ، فَدَعَاهُ الْجِنِّيُّ إِلَى الصِّرَاعِ فَصَرَعَهُ الإِنْسِيُّ ، فَقَالَ : دَعْنِي . فَفَعَلَ . فَقَالَ : هَلْ فِي الْمُعَاوَدَةِ ، فَفَعَلَ فَصَرَعَهُ فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ ، فَقَالَ : مَا الَّذِي يُعِيذُنَا مِنْكُمْ ؟ قَالَ : آيَةُ الْكُرْسِيِّ . فَقَالَ : رَجُلٌ لابْنِ مَسْعُودٍ : مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ أَعُمَرُ هُوَ ؟ فَعَبَسَ وَبَسَرَ ، وَقَالَ : وَمَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ إِلا عُمَرَ ! وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : “ عُمَرُ سِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ “ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَالَ : “ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ “ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أَنَّهُ قَالَ : “ أَشَدُّ أُمَّتِي فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ “ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَالَ : “ أَقْرِئْ عُمَرَ السَّلامَ ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ رِضَاهُ عِزٌّ وَغَضَبَهُ حِلْمٌ “ . وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : “ اتَّقُوا غَضَبَ عُمَرَ إِذَا غَضِبَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ إِذَا غَضِبَ “ . وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أَنَّهُ قَالَ : “ لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ “ . كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جدا كله = وَكَانَ يَقْدُمُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَيَنْبَسِطُ فَيَحْتَمِلُهُ ، لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ قَصْدِهِ . فَمِنْ ذَلِكَ : أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ ، فَوَقَفَ فِي صَدْرِهِ ، وَقَالَ : أُتَصَلِّي عَلَيْهِ ؟ ! وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا لأَبِي هُرَيْرَةَ : اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهِ قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ . فَذَهَبَ فَلَقِيَهُ عُمَرُ ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَّ ، وَقَالَ : ارْجِعْ فَرَجَعَ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ . قَالَ : فَخَلاهُمْ . وَفِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ فَضَائِلِ عُمَرَ ؟ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ مَعَكَ مَا لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا مَا نَفِدَتْ فَضَائِلُ عُمَرَ ، وَإِنَّ عُمَرَ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ . تَحَدَّثْ وَلا تَخْرُجْ بِكُلِّ عَجِيبَةٍ عَنِ الْبَحْرِ أَوْ تِلْكَ الْخِلالِ الزَّوَاهِرِ وَلا عَيْبَ فِي أَخْلاقِهِ غَيْرَ أَنَّهَا فَرَائِدُ دُرٍّ مَا لَهَا مِنْ نَظَائِرِ يُقِرُّ لَهَا بِالْفَضْلِ كُلُّ مُنَازِعٍ إِذَا قِيلَ يَوْمَ الْجَمْعِ هَلْ مِنْ مُفَاخِرِ قَوِيَتْ شِدَّةُ عُمَرَ فِي الدِّينِ فَصَلُبَتْ عَزَائِمُهُ ، فَلَمَّا حَانَتِ الْهِجْرَةُ تَسَلَّلُوا تَسَلُّلَ الْقَطَا وَاخْتَالَ عُمَرُ فِي مِشْيَةِ الأَسَدِ ، فَقَالَ عِنْدَ خُرُوجِهِ : هَا أَنَا أَخْرُجُ إِلَى الْهِجْرَةِ فَمَنْ أَرَادَ لِقَائِي فَلْيَلْقَنِي فِي بَطْنِ هَذَا الْوَادِي . لَمَا وَلِيَ الْخِلافَةَ شَمَّرَ عَنْ سَاقِ جِدِّهِ فَكَظَمَ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ ، وَحَمَلَ فِي اللَّهِ فَوْقَ طَوْقِهِ . مُتَيَقِّظُ الْعَزَمَاتِ مُذْ نَهَضَتْ بِهِ عَزَمَاتُهُ نَحْوَ الْعُلَى لَمْ يَقْعُدِ وَيَكَادُ مِنْ نُورِ الْبَصِيرَةِ أَنْ يَرَى فِي يَوْمِهِ فِعْلَ الْعَوَاقِبِ فِي غَدِ نَبَذَ الدُّنْيَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ ، فَتَخَفَّفَ مِنَ الأَثْقَالِ لأَجْلِ السِّبَاقِ ، كَانَ يَخْطُبُ وَفِي إِزَارِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً ، كَفَّ كَفَّهُ عَنِ الْمَالِ زَاهِدًا فِيهِ حَتَّى أَمْلَقَ أَهْلَهُ . رَأَى يَوْمًا صَبِيَّةً تَمْشِي فِي السُّوقِ وَالرِّيحُ يُلْقِيهَا لِضَعْفِهَا ، فَقَالَ : مَنْ يَعْرِفُ هَذِهِ ؟ فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ : هَذِهِ إِحْدَى بَنَاتِكَ . قَالَ : أَيُّ بَنَاتِي ؟ قَالَ : بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . قَالَ : فَمَا بَلَغَ بِهَا مَا أَرَى ؟ قَالَ : إِمْسَاكُكَ مَا عِنْدَكَ . قَالَ : إِمْسَاكِي مَا عِنْدِي يَمْنَعُكَ أَنْ تَطْلُبَ لِبَنَاتِكَ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ ؟ أَمَا وَاللَّهِ مَا لَكَ عِنْدِي إِلا سَهْمُكَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَسِعَكَ أَوْ عَجَزَ عَنْكَ ، بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ! عِفَّ عَنِ الدُّنْيَا وَقَدْ تَزَخْرَفَتْ مُمْكِنَةً وَعَافِهَا وَقَدْ قَدَرْ مُحَكَّمٌ فِي النَّاسِ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِمُحْكَمِ الآيِ وَمَنْصُوصِ السُّوَرْ حَدَّثَ عَنْهُ مِثْلَ مَا تَحَدَّثَتْ عَنْ كَرَمِ الأَغْصَانِ حَلْوَاءُ الثَّمَرْ وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّهُ قَسَّمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ فَبَقِيَ مِنْهَا مِرْطٌ جَيِّدٌ ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا الْمِرْطَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي عِنْدَكَ ، يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ . قَالَ : أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ بِهِ ، فَإِنَّهَا مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ تُزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ . وَرَآهُ طَلْحَةُ يَدْخُلُ بَيْتًا فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ طَلْحَةُ ذَلِكَ الْبَيْتَ ، فَرَأَى عَجُوزًا عَمْيَاءَ مُقْعَدَةً فَقَالَ : مَا صَنَعَ عِنْدَكِ ذَلِكَ الرَّجُلُ ؟ فَقَالَتْ : إِنَّهُ يَتَعَاهَدُنِي مُنْذُ كَذَا ، وَيَأْتِينِي بِمَا يُصْلِحُنِي وَيُخْرِجُ عَنِّي الأَذَى . فَقَالَ طَلْحَةُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا طَلْحَةُ ! أَعَثَرَاتِ عُمَرَ تَتَّبِعُ . وَرَوَى ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : بَيْنَمَا عُمَرُ يَعُسُّ بِالْمَدِينَةِ إِذْ مَرَّ بِرَحْبَةٍ مِنْ رِحَابِهَا فَإِذَا هُوَ بِبَيْتٍ مِنْ شَعَرٍ ، فَدَنَا مِنْهُ ، فَسَمِعَ أَنِينَ امْرَأَةٍ وَرَأَى رَجُلا قَاعِدًا ، فَدَنَا مِنْهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ : رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ جِئْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبُ مِنْ فَضْلِهِ . قَالَ : فَمَا هَذَا الصَّوْتُ فِي هَذَا الْبَيْتِ ؟ قَالَ امْرَأَةٌ تَمَخَّضُ . قَالَ : هَلْ عِنْدَهَا أَحَدٌ ؟ قَالَ : لا . فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ : هَلْ لَكِ فِي أَجْرٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكِ ؟ قَالَتْ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ تَمَخَّضُ لَيْسَ عِنْدَهَا أَحَدٌ . قَالَتْ : نَعَمْ إِنْ شِئْتَ . قَالَ : فَخُذِي مَا يُصْلِحُ الْمَرْأَةَ لِوِلادَتِهَا مِنَ الْخِرَقِ وَالدُّهْنِ وَجِيئِينِي بِبُرْمَةٍ وَشَحْمٍ وَحُبُوبٍ . فَجَاءَتْ بِهِ ، فَقَالَ : انْطَلِقِي . وَحَمَلَ الْبُرْمَةَ وَمَشَتْ خَلْفَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ ، فَقَالَ لَهَا : ادْخُلِي إِلَى الْمَرْأَةِ ، وَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ إِلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ : أَوْقِدْ لِي نَارًا ، فَفَعَلَ ، فَأَوْقَدَ تَحْتَ الْبُرْمَةِ حَتَّى أَنْضَجَهَا وَوَلَدَتِ الْمَرْأَةُ ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَشِّرْ صَاحِبَكَ بِغُلامٍ . فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، هَابَهُ فَجَعَلَ يَتَنَحَّى عَنْهُ ، فَقَالَ : مَكَانَكَ كَمَا أَنْتَ . فَحَمَلَ الْبُرْمَةَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَضَعَهَا عَلَى الْبَابِ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْبِعِيهَا ، فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخْرَجَتِ الْبُرْمَةُ فَوَضَعَتْهَا عَلَى الْبَابِ ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَهَا ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ ، فَقَالَ : كُلْ وَيْحَكَ ، فَإِنَّكَ قَدْ سَهِرْتَ مِنَ اللَّيْلِ ، فَفَعَلَ ، ثُمَّ قَالَ لامْرَأَتِهِ : اخْرُجِي . وَقَالَ لِلرَّجُلِ : إِذَا كَانَ غَدٌ ، فَائْتِنَا نَأْمُرُ لَكَ بِمَا يُصْلِحُكَ . فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَأَجَازَهُ وَأَعْطَاهُ . وَكَانَ يَقُولُ : لَوْ مَاتَ جَدْيٌ بلطف = الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يُحَاسِبَ اللَّهُ بِهِ عُمَرَ . وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِثْلُ الشِّرَاكِ مِنَ الْبُكَاءِ . وَكَانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ ، وَيَبْقَى فِي الْبَيْتِ حَتَّى يُعَادَ لِلْمَرَضِ ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ . قَالَتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ : إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ . كُلَّ يَوْمٍ مَجْدٌ وَفَخْرٌ يُشَادُ وَطَرِيفٌ مِنَ الْمُنَى وَتِلادُ وَكِرَامٌ مِنَ الْمَسَاعِي حِسَانٌ عَجَزَتْ عَنْ طِلابِهَا الْحُسَّادُ هِمَمٌ دُونَهَا الْكَوَاكِبُ تَتْلُو عَزَمَاتٍ لِلنَّارِ فِيهَا اتِّقَادُ كُلَّمَا قِيلَ قَدْ دَجَى لَيْلُ خَطْبٍ فَلِرَأْيِ الْفَارُوقِ فِيهِ زِنَادُ مُغْرَمٌ بِالْمَكَارَمِ الْغِرُّ لَمَّا ضُمَّ أَبْكَارُهَا إِلَيْهِ الْوِلادُ سَاهِرُ الْعَيْنِ بِالْعَزَائِمِ يَقْظَانٌ وَقَدْ قَيَّدَ الْعُيُونَ الرُّقَادُ قَدْ كَفَتْهُ الْمَنَاقِبُ الْمَدْحَ إِلا مَدْحَنَا مِنْ صِفَاتِهِ يُسْتَفَادُ مَا زَالَ الإِسْلامُ قَرِيرَ الْعَيْنِ مَا دَامَ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ . كَانَ يَقُولُ : وَاللَّهِ ، لَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ . وَقَبْضُ الْمَحَلِّ بِبَسْطِ رَاحِهِ أَعْدَى الْجَهَامُ جُودَهَا فَهَتَّنَا أَوْصَافُهُ تُمْلَى عَلَى مُدَّاحِهِ مَا سَطَّرَ الْمَجْدُ لَهُ وَدَوَّنَا إِذَا رَوَاهَا الدَّهْرُ فِي أَبْيَاتِهِ طَرَّبَ إِعْجَابًا بِهَا وَلَحَّنَا وَإِنَّ بِهَا وَرْقَاءَ لَيْلٍ غَرَّدَتْ مُدَّ إِلَيْهَا كُلُّ غُصْنٍ فَنَّنَا كَانَ عُمَرُ بَعْدَ أَعْمَالِهِ الْجَمِيلَةِ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ : الْوَيْلُ لِعُمَرَ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ ! وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ . الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ سورة الغاشية آية 8 كَانَتْ أَقْدَامُهُمْ فِي الدُّجَى قَائِمَةً ، وَعُيُونُهُمْ سَاهِرَةً لا نَائِمَةً ، وَقُلُوبُهُمْ عَلَى الطَّائِعَاتِ عَازِمَةً ، وَهَذِهِ أَفْعَالُ النُّفُوسِ الْحَازِمَةِ ، فَوَجَبَتْ لَهُمْ نَجَاةٌ قَطْعِيَّةٌ جَازِمَةٌ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ سورة الغاشية آية 8 . وُجُوهٌ طَالَ مَا غَسَلَتْهَا الدُّمُوعُ ، وُجُوهٌ طَالَ مَا أَذَلَّهَا الْخُشُوعُ ، وُجُوهٌ أُظْهِرَ عَلَيْهَا لِلاصْفِرَارِ الْجُوعُ ، خَاطَرَتْ فِي الْمَهَالِكِ فَأَصْبَحَتْ سَالِمَةً وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ سورة الغاشية آية 8 . وُجُوهٌ أَذْعَنَتْ إِذْ عَنَتْ وَذَلَّتْ ، وُجُوهٌ أَلِفَتِ السُّجُودَ فَمَا مَلَّتْ ، وُجُوهٌ تَوَجَّهَتْ إِلَيْنَا وَعَنْ غَيْرِنَا تَوَلَّتْ ، زَلَّتْ عَنْهَا فَتْرَةُ الْهَجْرِ وَتَجَلَّتْ ، فَحَلَّتْ غَانِمَةً . سَهَرُهُمْ إِلَى الصَّبَاحِ قَدْ أَثَّرَ فِي الْوُجُوهِ الصِّبَاحِ ، وَاقْتِنَاعُهُمْ بِالْخُبْزِ الْقِفَارِ وَالْمَاءِ الْقَرَاحِ ، قَدْ عَمِلَ فِي الأَجْسَامِ وَالأَشْبَاحِ ، وَخَوْفُهُمْ مِنَ اجْتِرَاحِ الْجَنَاحِ قَدْ صَيَّرَهُمْ كَمَقْصُوصِ الْجَنَاحِ ، وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فَكُلُّ الأَرْوَاحِ مِنَ الْخَوْفِ هَائِمَةٌ . تَجْرِي دُمُوعُهُمْ فِي الْخُدُودِ كَالْمِيَاهِ فِي الأُخْدُودِ ، وَتَعْمَلُ نَارُ الْحَذَرِ فِي الْكَئُودِ ، فَيَتَمَنَّوْنَ عَدَمَ الْوُجُودِ ، فَهُمْ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَصْبِ الأَقْدَامِ الْقَائِمَةِ . يَتَفَكَّرُونَ فِي السَّابِقَةِ ، وَيَحْذَرُونَ مِنَ اللاحِقَةِ وَكَأَنَّهُمْ يَتَّقُونَ صَاعِقَةً ، أَوْ كَأَنَّ السُّيُوفَ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ بَارِقَةٌ ، يَا شِدَّةَ قَلَقِهِمْ مِنَ الْخَاتِمَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ سورة الغاشية آية 8 . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - : نَاعِمَةٌ سورة الغاشية آية 8 أَيْ : فِي نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ لِسَعْيِهَا فِي الدُّنْيَا رَاضِيَةٌ سورة الغاشية آية 9 الْمَعْنَى : أَنَّهَا رَضِيَتْ ثَوَابَ عَمَلِهَا ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ سورة الغاشية آية 10 الْمَنَازِلِ ، لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً سورة الغاشية آية 11 أَيْ : كَلِمَةَ لَغْوٍ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ سورة الغاشية آية 12 . طَالَمَا أَطَالُوا الْبُكَاءَ فِي اللَّيْلِ ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ جَرْيَ السَّيْلِ ، وَتَسْتَبِقُ فِي صَحْرَاءِ الْخُدُودِ كَالْخَيْلِ ، وَإِنَّمَا يُكَالُ لِلْعَبْدِ عَلَى قَدْرِ الْكَيْلِ ، فَإِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ فَلِكُلِّ عَيْنٍ جَارِيَةٌ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ سورة الغاشية آية 12 . جَنَّ اللَّيْلُ وَهُمْ قِيَامٌ ، وَجَاءَ النَّهَارُ وَهُمْ صِيَامٌ ، وَتَوَرَّعُوا قَبْلَ الْكَلامِ ، وَسَلَّمُوا عَلَى الدُّنْيَا لِدَارِ السَّلامِ ، فَالْبُطُونُ جَائِعَةٌ وَالأَجْسَادُ عَارِيَةٌ . ائْتَزِرُوا بِمِئْزَرِ الْقُنُوعِ ، وَارْتَدُوا بِرِدَاءِ الْخُشُوعِ ، وَاسْتَلِذُّوا بِشَرَابِ الدُّمُوعِ ، وَلَوْلا صَحْوُ السَّهَرِ وَالْجُوعُ مَا بَانَ عِنْدَ الْجَبَلِ هِلالُ : “ يَا سَارِيَةُ “ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ سورة الغاشية آية 13 قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلْوَاحُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَلَّةٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ ، مُرْتَفِعَةٌ مَا لَمْ يَجِئْ أَهْلُهَا ، فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا تَوَاضَعَتْ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهَا ثُمَّ تُرْفَعَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ سورة الواقعة آية 34 قَالَ : “ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ ارْتِفَاعَهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ “ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ سورة الغاشية آية 14 وَهِيَ الأَبَارِيقُ الَّتِي لا عُرَى لَهَا ، مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بِلا عُرَى ؛ لأَنَّ الْعُرْوَةَ تَرُدُّ الشَّارِبَ مِنْ جِهَتِهَا وَإِنَّمَا تُرَادُ الْعُرْوَةُ لِيُمْسَكَ بِهَا الإِنَاءُ . وَقَدْ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْتَهِي الشَّرَابَ فَيَجِيءُ الإِنَاءُ فَيَقَعُ فِي يَدِهِ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يَعُودُ مَكَانَهُ . ثُمَّ هُنَاكَ أَبَارِيقُ بِعُرًى فَقَدْ جُمِعَ الشَّيْئَانِ لَهُمْ . قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ سورة الغاشية آية 15 وَهِيَ الْوَسَائِدُ ؛ وَاحِدُهَا نُمْرُقَةٌ بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ وَنُمْرُقَةٌ بِكَسْرِهِمَا مَصْفُوفَةٌ سورة الغاشية آية 15 بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ ، وَزَرَابِيُّ سورة الغاشية آية 16 وَهِيَ الطَّنَافِسُ لَهَا خَمْلٌ رَقِيقٌ مَبْثُوثَةٌ سورة الغاشية آية 16 كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ . يَا غَافِلا عَنْ هَذِهِ الدَّارِ ، يَا رَاضِيًا عَنِ الصَّفَا بِالأَكْدَارِ ، الْبِدَارَ الْبِدَارَ ، سَابِقْ وُقُوعَ الْمَوْتِ قَبْلَ فَوْتِ الاقْتِدَارِ ، وَيْحَكَ أَمَا تَرَى سَلْبَ الْجَارِ ، أَمَا يُشَوِّقُكَ مَدْحُ الأَبْرَارِ ، أَمَا تَخَافُ الشَّيْنَ أَمَا تَحْذَرُ الْعَارَ ، إِلَى كَمْ هَذَا الْجَهْلُ وَالنِّفَارُ ، مَا هَذَا التَّقَاعُدُ وَالْمَحْقُ قَدْ سَارَ ، إِنَّ طُوفَانَ الْهَلاكِ قَدْ دَارَ حَوْلَ الدَّارِ ، وَإِنَّ خَيْرَاتِ الأَسْحَارِ إِذَا رَآهَا الطَّرْفُ حَارَ ، يَا سَكْرَانَ الْهَوَى قَدْ قُتِلَ الْخَمَّارُ ، يَا بَصِيرًا هُوَ أَعْمَى فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ سورة الحج آية 46 . رَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : “ إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ لَمَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ “ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْجَنَّةَ وَمَا فِيهَا ، عَجِبَ الْكُفَّارُ مِنْ ذَلِكَ فَذَكَّرَهُمْ صَنْعَتَهُ وَقُدْرَتَهُ ، فَقَالَ : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ سورة الغاشية آية 17 وَقَالَ قَتَادَةُ : ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ارْتِفَاعَ سُرُرِ الْجَنَّةِ وَفُرُشِهَا ، فَقَالُوا : كَيْفَ يُصْعَدُ إِلَيْهَا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا خَصَّ الإِبِلَ بِالذِّكْرِ ؛ لأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَرَوْا بَهِيمَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا ، وَلَمْ يُشَاهِدِ الْفِيلَ مِنْهُمْ إِلا الشَّاذُّ ، وَلأَنَّهَا كَانَتْ أَنْفَسَ أَمْوَالِهِمْ وَأَكْثَرَهَا لا تُفَارِقُهُمْ ، فَيُلاحِظُونَ فِيهَا الْعِبَرُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهَا ، وَهِيَ عَلَى عِظَمِهَا مُذَلَّلَةٌ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ ، وَتَنْقَادُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ ، لَيْسَ فِي ذَوَاتِ الأَرْبَعِ مَا يَحْمِلُ وَقْرَهُ وَهُوَ بَارِكٌ فَيُطِيقُ النُّهُوضَ بِهِ سِوَاهَا . يَا مُقِيمًا قَدْ حَانَ سَفَرُهُ ، يَا مَنْ عَسَاكِرُ الْمَوْتَى تَنْتَظِرُهُ ، سَيَعْزِلُ الصِّحَّةَ السَّقَمُ ، وَسَيَغْلِبُ الْوُجُودَ الْعَدَمُ ، السَّاعَاتُ مَرَاحِلُ وَالْمَوْتُ سَاحِلٌ ، الْبِدَارَ قَبْلَ فَوَاتِهِ ، اجْمَعِ الزَّادَ قَبْلَ شَتَاتِهِ : إِذَا كُنْتُ أَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأَنَّ جَمِيعَ حَيَاتِي كَسَاعَةْ فَلِمَ لا أَكُونُ ضَنِينًا بِهَا وَأَجْعَلُهَا فِي صَلاحٍ وَطَاعَةْ كَمْ أَخْلَى الْمَوْتُ دَارًا ؛ كَمْ تَرَكَ الْمَعْمُورَ قِفَارًا ، كَمْ أَوْقَدَ مِنَ الأَسَفِ نَارًا ، كَمْ أَذَاقَ الْغُصَصَ الْمُرَّةَ مِرَارًا ، لَقَدْ جَالَ يَمِينًا وَيَسَارًا ، فَمَا حَابَى فَقْرًا وَلا يَسَارًا . أَيْنَ الْجَيْشُ الْعَرَمْرَمُ ، أَيْنَ الْكَبِيرُ الْمُعَظَّمُ . إِنَّ الزَّمَانَ يَقْدَحُ فِي يَلَمْلَمَ ، أَلْحَقَ أَخِيرًا بِمَنْ تَقَدَّمَ وَبَنَى يَسِيرًا ثُمَّ هَدَّمَ ، بَيْنَا يُرِي بَحْرَ الأَمَلِ لِمَنْ تَيَمَّمَ ، أَتَاهُ فَرَآهُ سَرَابًا فَتَيَمَّمَ. أَيْنَ الَّذِينَ عَلَى عَهْدِ الثَّرَى وَطِئُوا وَحُكِّمُوا فِي لَذِيذِ الْعَيْشِ فَاحْتَكَمُوا وَمَلَكُوا الأَرْضَ مِنْ سَهْلٍ إِلَى جَبَلٍ وَخَوَّلُوا نِعَمًا مَا مِثْلُهَا نِعَمُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَلَى ضَنِّ الْقُلُوبِ بِهِمْ إِلا رُسُومُ قُبُورٍ حَشْوُهَا رِمَمُ سَارُوا إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ ، رَحَلَ الْقَوْمُ فَاسْأَلِ الأَطْلالَ ، وَإِنَمَّا كَانَتْ فَفَنِيَتْ رِجَالٌ ، لا يُجِيبُونَ دَاعِيًا ، الْقَوْمُ فِي اشْتِغَالٍ ، غَالَهُمْ مِنَ الْبِلَى أَقْبَحَ مَا غَالَ ، آلَتْ أَمْوَالُهُمْ إِلَى أَكُفِّ الآلِ ، بَضَّعَ الأَهْلَ بَضَائِعَهُمْ وَقَفَّلَهَا إِلَى الأَقْفَالِ ، وَتَلَذَّذُوا بِكَدِّ غَيْرِهِمْ فَسَلْ سَالِبًا عَنْ شَلْشَالٍ ، هَذَا مَصِيرُكُمْ عَنْ قَرِيبٍ مَا يَمُرُّ عَلَى الْبَالِ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ سورة إبراهيم آية 45 . وَمُسَنَّدُونَ تَعَاقَرُوا كَأْسَ الرَّدَى وَدَعَا بِشُرْبِهِمُ الْحِمَامُ فَأَسْرَعُوا بَرَكَ الزَّمَانُ عَلَيْهِمُ بِجِرَانِهِ وَهَفَتْ بِهِمْ رِيحُ الْخُطُوبِ الزَّعْزَعُ خُرْسٌ إِذَا نَادَيْتَ إِلا أَنَّهُمْ وُعِظُوا بِمَا يَزَعُ اللَّبِيبَ فَأَسْمَعُوا وَالدَّهْرُ يَفْتِكُ بِالنُّفُوسِ حِمَامُهُ فَلِمَنْ تَعُدُّ كَرِيمَةً أَوْ تَجْمَعُ عَجَبًا لِمَنْ يُبْقِي ذَخَائِرَ مَالِهِ وَيَظَلُّ يَحْفَظُهُنَّ وَهُو مُضَيَّعُ وَلِغَافِلٍ وَيَرَى بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ مُلْقًى لَهُ بَطْنُ الصَّفَائِحِ مَضْجَعُ أَتُرَاهُ يَحْسَبُ أَنَّهُمْ مَا أَسْأَرُوا مِنْ كَأْسِهِ أَضْعَافَ مَا يَتَجَرَّعُ كَأَنَّكُمْ بِالأُمُورِ الْفَظِيعَةِ قَدْ حَلَّتْ ، وَبِالدُّنْيَا الَّتِي تَوَلَّتْ قَدْ تَوَلَّتْ ، وَبِالنَّفْسِ الْعَزِيزَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ قَدْ ذَلَّتْ ، وَيْحًا كَمْ أَخْطَأَتْ وَكَمْ قَدْ زَلَّتْ ، مَتَى يُقَالُ لِهَذِهِ الْغَمْرَةِ الَّتِي قَدْ جَلَّتْ قَدْ تَجَلَّتْ ، عَجَبًا لِنَفْسٍ كُلَّمَا عَقَدْنَا نَفْعَهَا حَلَّتْ . أَوْجَزَ الدَّهْرُ فِي الْعِظَاتِ إِلَى أَنْ جَعَلَ الصَّمْتَ غَايَةَ الإِيجَازِ مَنْطِقٌ لَيْسَ بِالنَّثِيرِ وَلا الشِّعْرِ وَلا فِي طَرَائِقِ الرُّجَّازِ وَعَدَتْنَا الأَيَّامُ كُلَّ عَجِيبٍ وَتَكُونُ الْوُعُودُ بِالإِنْجَازِ وَاللَّيَالِي هَوَازِئٌ رَاجِعَاتٌ فِي أَبِي جَادِهَا وَفِي هَوَّازِ أَوْعَزَ الدَّهْرُ بِالْفَنَاءِ إِلَى النَّاسِ فَوَاهًا لِذَلِكَ الإِيعَازِ أَعْرِضُوا عَنْ مَدَائِحٍ وَتَهَانٍ فَالْمَرَاثِي أَوْلَى بِكُمْ وَالتَّعَازِي أَحْضِرُوا قُلُوبَكُمْ لِلنُّصْحِ وَالتَّوَاصِي ، وَاحْذَرُوا يَوْمَ الأَخْذِ بِالنَّوَاصِي ، تَذَكَّرُوا جَمْعَ الدَّانِي وَالْقَاصِي ، أَسَمِعْتَ يَا مَنْ يَرُوحُ فِي الْمَعَاصِي وَيُبَكِّرُ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ سورة الغاشية آية 21 . وَا عَجَبًا كَيْفَ نُحَدِّثُ السَّكْرَى وَقَدْ مَلأَتْهُمُ الْغَفْلَةَ ، سَكْرَى مَا يَعْقِلُونَ إِلا بِطَارِقِ النَّكْرَا ، وَكَمْ تُلِيَ عَلَيْهِمُ الْوَعْظُ ذِكْرَى ، هَيْهَاتَ إِنَّمَا تَنْفَعُ الذِّكْرَى الْمُتَذَكِّرَ . أَيُّهَا النَّصِيحُ أَتَرَى الْمَنْصُوحَ أَصَمَّ ، بُيِّنَ لَهُ قُبْحَ مَا قَدْ جَمَعَ وَضَمَّ ، فَإِنَّ أَفْعَالَهُ جَمِيعَهَا تُوجِبُ الذَّمَّ ، وَمَتَى رَأَيْتَ النِّسْيَانَ لِلْعَوَاقِبِ قَدْ عَمَّ ، يَا مَنْ يَرَى هَوَاهُ الْحَاضِرَ وَيَنْسَى مَوْلاهُ النَّاظِرَ ، وَلا نَاصِرَ لَهُ إِلا الأَخِيرُ نَاصِرٌ ، عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ تَثَبَّتْ وَفَكِّرْ ، كَأَنَّكَ بِمُذِلِّ الْقَوِيِّ وَمُفْقِرِ الْغَنِيِّ وَمُوقِظِ الْغَبِيِّ ، وَقَاصِمِ الْفَتَى الْفَتِيِّ ، وَمَا يَأْتِي فِي زِيٍّ مُتَنَكِّرٍ . كَمْ أَجْرَى الْمَوْتُ دَمْعًا وَابِلا وَرَذَاذًا ، كَمْ قَطَعَ الْبَلاءُ صَحِيحًا فَجَعَلَهُ جُذَاذًا ، كَمْ مِنْ مُتَجَبِّرٍ أَذَلَّهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ مَعَاذًا ، أَتَعْرِفُ صِحَّةَ هَذَا أَمْ تُنْكِرُ . كَمْ مَوْعُوظٍ زُجِرَ فَارْعَوَى ، كَمْ فَاسِدٍ وُبِّخَ فَاسْتَوَى ، كَمْ مُسْتَقِيمٍ بِالْوَعْظِ بَعْدَمَا الْتَوَى ، عَادُوا إِلَى الزَّلَلِ بِمُوَافَقَةِ الْهَوَى ، وَالْمِحْنَةُ أَنَّ الْهَوَى يُعَكِّرُ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ سورة الغاشية آية 21 . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ .