← التبصرة لابن الجوزي
التبصرة لابن الجوزي
#83 85 ☰ في فضائل عثمان بن عفان
A− A+

قَالَ : وَأَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ بِئْرَ رُومَةَ يُبَاعُ مَاؤُهَا لابْنِ السَّبِيلِ ، فَابْتَعْتُهَا مِنْ مَالِي وَأَبَحْتُهَا ابْنَ السَّبِيلِ ؟ فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ : جَاءَ عُثْمَانُ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ حِينَ جَهَّزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ : " مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ هَذَا " . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَبَّابٍ : شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ ، فَقَامَ عُثْمَانُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ حَثَّ عَلَى الْجَيْشِ ، فَقَامَ عُثْمَانُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ : ثُمَّ حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ : " مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ " . وَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مَنْ يُحَدِّثُنَا ؟ فَقُلْتُ : أَلا أَبْعَثُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مَنْ يُحَدِّثُنَا ؟ فَقُلْتُ : أَلا أَبْعَثُ إِلَى عُمَرَ ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ دَعَا وَصِيفًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَارَّهُ فَذَهَبَ ، قَالَتْ : فَإِذَا عُثْمَانُ يَسْتَأْذِنُ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ . فَنَاجَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلا ، ثُمَّ قَالَ : يَا عُثْمَانُ ، إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - مُقَمِّصُكَ بِقَمِيصٍ ، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى أَنْ تَخْلَعَهُ فَلا تَخْلَعْهُ لَهُمْ وَلا كَرَامَةَ . يَقُولُهَا لَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا . وَقَالَ مُطَرِّفٌ : لَقِيتُ عَلِيًّا ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا أَبْطَأَ بِكَ عَنَّا ؟ أَحُبُّ عُثْمَانَ ؟ أَمَا إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ ، لَقَدْ كَانَ أَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ وَأَتْقَانَا لِلرَّبِّ تَعَالَى . وَقَالَ الْحَسَنُ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقِيلُ فِي الْمَسْجِدِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ - وَيَقُومُ وَأَثَرُ الْحَصَى بِجَنْبِهِ ، فَنَقُولُ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ : كَانَ عُثْمَانُ يُطْعِمُ النَّاسَ طُعْمَ الإِمَارَةِ ، وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ فَيَأْكُلُ الْخَلَّ وَالزَّيْتَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : قَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ حِينَ أَطَافُوا بِهِ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ : إِنْ تَقْتُلُوهُ أَوْ تَتْرُكُوهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ فِي رَكْعَةٍ يَجْمَعُ فِيهَا الْقُرْآنَ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : جَاءَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ ، وَقَدْ أَغْلَقَ الْبَابَ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَلَيْهِ سِلاحُهُ ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ : ادْخُلْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقْرِئْهُ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ : إِنَّمَا جِئْتُ لِنُصْرَتِكَ فَمُرْنِي بِأَمْرِكَ . فَدَخَلَ الْحَسَنُ ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ لأَبِيهِ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ، وَيَقُولُ لَكَ : لا حَاجَةَ لِي فِي قِتَالٍ وَإِهْرَاقِ الدِّمَاءِ . قَالَ : فَنَزَعَ عَلِيٌّ عِمَامَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا بَيْنَ يَدَيِ الْبَابِ وَجَعَلَ يُنَادِي : ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ سورة يوسف آية 52 . وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِمْ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ سورة الحجر آية 47 . رَأَى الرَّسُولَ فِي مَنَامِهِ لَيْلَةَ قَتْلِهِ ، وَهُو يَقُولُ : أَفْطِرْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ . فَأَصْبَحَ صَائِمًا ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ضَرَبَهُ رَجُلٌ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ يَدَهُ ، فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ ، لأَوَّلُ كَفٍّ خَطَّتِ الْمُفَصَّلَ . شَفَتِ الْعِبْرَةُ بِالنُّطْقِ شَفَتْ وَأَكُفُّ الزَّجْرِ بِالْوَعْظِ كَفَتْ قَدْ رَأَيْنَا فِي الدُّنَا مَنْ عَاهَدَتْ وَرَأَيْنَا غَدْرَهَا إِذْ مَا وَفَتْ إِنْ صَفَتْ عَادَتْ بِتَكْدِيرِ الَّذِي قَدْ صَفَا يَا وَيْحَهَا مَا أَنْصَفَتْ حَلَفَتْ أَنْ تَخْلُفَ الْمَاضِي وَمَا أَخْلَفَتْ ، إِلا بِأَنْ قَدْ أَخْلَفَتْ وَقَفَتْ لَهْوَ النُّفُوسِ سَاعَةً ثُمَّ غَالَتْ وَقَفَتْ فِيمَا قَفَتْ مَا عَجِبْنَا مِنْ مَكْرِ مَكْرِهَا بَلْ عَجِبْنَا مِنْ نُفُوسٍ عَرَفَتْ إِخْوَانِي : قَدْ أَعْذَرَتْ إِلَيْكُمُ الأَيَّامُ بِمَنْ سُلِبَ مِنَ الأَنَامِ ، وَأَيْقَظَتِ الْخُطُوبُ مَنْ غَفَلٍ وَنَامَ ، وَمَا عَلَى الْمُنْذِرِ قَبْلَ الأَخْذِ مَلامُ ، أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا غَدَّارَةٌ ، أَمَا بَرْدُ لَذَّتِهَا يَنْقَلِبُ حَرَارَةً ، أَمَا رِبْحُهَا عَلَى التَّحْقِيقِ خَسَارَةٌ ، أَمَا يَنْقُصُ الدِّينُ كُلَّمَا ازْدَادَتْ عِمَارَةً ، لا تَغُرَّنَّكُمْ فَكَمْ قَدْ غَرَّتْ سَيَّارَةً ، أَمَا قَتَلَتْ أَحْبَابَهَا وَإِلَيْكَ الإِشَارَةُ ، إِذَا قَالَ حَبِيبُهَا : إِنَّهَا لِي وَمَعِي ، قَتَلَتْهُ وَقَالَتْ : اسْمَعِي يَا جَارَةُ ، بَيْنَا نُورُهَا قَدْ لاحَ وَسَنَحَ وَمُحِبُّهَا فِي بَحْرِهَا قَدْ سَبَحَ ، يَسْعَى فِي جَمْعِهَا عَلَى أَقْدَامِ الْمَرَحِ ، كُلَّمَا جَاءَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَتَحَ ، وَكُلَّمَا عَانَى أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا صَلَحَ ، وَكُلَّمَا لاحَتْ لَهُ رِيَاضُ غِيَاضِهَا مَرَحَ ، فَبَيْنَا هُوَ فِي لَذَّاتِهِ يُدِيرُ الْقَدَحَ ، قَدَحَ زِنَادُ الْغَمِّ فِي حِرَاقِ الْفَرَحِ ، فَمَنْ يَسْتَدْرِكُ مَا فَاتَ وَمَنْ يُدَاوِي مَا جَرَحَ ، مَا نَفَعَهُ أَنْ نَزَحَ الْجَفْنُ دَمَعْهُ إِذَا نَزَحَ . لَوْ رَأَيْتَهُ وَقْتَ التَّلَفِ شَاخِصًا ، وَفِي سَكَرَاتِ الأَسَفِ غَائِصًا ، وَقَدْ عَادَ ظِلُّ الأَمَلِ قَالِصًا ، وَلَوْنُ السُّرُورِ حَائِلا نَاقِصًا ، وَلاحَ صَائِدُ الْمَنُونِ لِطَرِيدَتِهِ قَانِصًا ، يَتَمَنَّى وَقَدْ فَاتَ الْوَقْتُ ، وَيَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الْمَقْتِ ، وَيَصِيحُ إِلَى نَصِيحِهِ : قَدْ صَدَقْتَ ، أَمَّلَ فَخَانَهُ الأَمَلُ ، وَنَدِمَ عَلَى الزَّادِ لَمَّا رَحَلَ ، فَلَوْ حُمِّلَ حَبْلا مَا حَمَلَ . تَمَنَّتْ أَحَالِيبَ الرِّعَاءِ وَخَيْمَةً بِنَجْدٍ ، فَلَمْ يُقْدَرْ لَهَا مَا تَمَنَّتْ إِذَا ذَكَرَتْ نَجْدًا وَطِيبَ تُرَابِهِ وَبَرْدَ حَصَاهُ آخِرَ اللَّيْلِ حَنَّتْ رُبَّ يَوْمٍ مَعْدُودٍ لَيْسَ فِي الْعَدَدِ ، رَحَلَ الإِخْوَانُ وَمَرُّوا عَلَى جَدَدٍ ، هَذِهِ دِيَارُهُمْ سَلُوهَا مَا بَقِيَ أَحَدٌ ، مَضَتْ - وَاللَّهِ - وَالْخَيْلُ بِفُرْسَانِهَا ، وَتَهَدَّمَتِ الْحُصُونُ عَلَى سُكَّانِهَا ، وَخَلَتْ دِيَارُ الْقَوْمِ مِنْ قُطَّانِهَا ، فَجُزْ عَلَيْهَا وَاعْتَبِرْ بِشَانِهَا . يَا خَلِيلَيَّ أَسْعِدَانِي عَلَى الْوَجْدِ فَقَدْ يُسْعِدُ الْحَمِيمَ الْحَمِيمُ وَقِفَا بِي عَلَى الدِّيَارِ فَعِنْدِي مَقْعَدٌ مِنْ سُؤَالِهَا وَمُقِيمُ تَنَبَّهْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمَظْلُومُ ، تَيَقَّظْ مِنْ رَقَدَاتِكَ فَإِلَى كَمْ نَوْمٌ ، حَصِّلْ شَيْئًا تُرْضِي بِهِ الْخُصُومَ ، قَتَلَكَ هَمُّ الدُّنْيَا فَبِئْسَ الْهُمُومُ ، أَتَلْعَبُ بِالأَبْتَرِ وَلَمْ تَشْرَبْ دِرْيَاقَ السُّمُومِ ، قَدْ بَقِيَ الْقَلِيلُ فَبَادِرْ تَحْصِيلَ الْمَرُومِ ، هَذَا هَاجِمُ الْمَوْتِ قَدْ تَهَيَّأَ لِلْهُجُومِ . يَا فَتِيَّ الْهَمِّ مَعَ كِبَرِهِ وَقَلِيلَ الْحَظِّ مِنْ عُمُرِهِ كُنْ مَعَ الدُّنْيَا عَلَى حَذَرٍ فَأَمَانُ الْمَرْءِ فِي حَذَرِهِ وَاتَّخِذْ زَادًا لِمُنْتَظِرٍ شَأْنُهُ إِزْعَاجُ مُنْتَظِرِهِ أَتَجْتَلِي مِنَ الْهَوَى كُلَّ يَوْمٍ عَرُوسًا ، وَتُدِيرُ فِي مَجَالِسِ الْغَفْلَةِ كُئُوسًا ، وَتَمْلأُ بِالأَمْوَالِ كِيسًا كَبِيسًا ، وَتَنْسَى يَوْمًا شَدِيدًا عَبُوسًا ، كَمْ تَلْقَى فِيهِ هَوْلا وَكَمْ تَرَى بُوسًا ، تَخْشَعُ فِيهِ الأَبْصَارُ وَقَدْ كَانَتْ شُوسًا ، وَيَنْزَعِجُ لِزَلازِلِهِ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى ، وَالْخَلائِقُ لِلْفَزَعِ قَدْ نَكَّسُوا رُءُوسًا ، وَجَاءُوا عُرَاةً لا يَمْلِكُونَ مَلْبُوسًا ، وَصَارَ كُلُّ لِسَانٍ مُنْطَلِقٌ مَحْبُوسًا ، يَا مَنْ تَصِيرُ غَدًا فِي التُّرَابِ مَرْمُوسًا ، يَا مَنْ لا يَجِدُ فِي لَحْدِهِ غَيْرَ عَمَلِهِ أَنِيسًا ، يَا مَنْ سَيَعُودُ عَوْدَهُ بَعْدَ التَّثَنِّي يَبِيسًا ، يَا مُؤْثِرًا رَذِيلا وَمُضَيِّعًا نَفِيسًا ، مَنْ لَكَ إِذَا أَوْقَدَ الْمَوْتُ فِي الدَّارِ وَطِيسًا ، وَأَخْلَى رَبْعًا قَدْ كَانَ يَجْمَعُكَ مَأْنُوسًا ، فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ لَقَدْ رَحَلَ لَكَ عِيسًا ، وَتُبْ فَالتَّوْبَةُ تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَمَا يَلْبَثُ الدَّجَّالُ مَعَ عِيسَى . أَفِقْ وَابْكِ حَانَتْ كِبْرَةٌ وَمَشِيبُ أَمَا لِلتُّقَى وَالْحَقُّ فِيكَ نَصِيبُ أَيَا مَنْ لَهُ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ مَنْزِلٌ أَتَأْنَسُ بِالدُّنْيَا وَأَنْتَ غَرِيبُ وَمَا الدَّهْرُ إِلا مَرُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا الْمَوْتُ إِلا نَازِلٌ وَقَرِيبُ الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ سورة يونس آية 25 دَارُ السَّلامِ : هِيَ الْجَنَّةُ ، وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ السَّلامَ هُوَ اللَّهُ ، وَهِيَ دَارُهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا دَارُ السَّلامَةِ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ . قَالَهُ الزَّجَّاجُ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِهَا فِيهَا السَّلامُ : ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ . وَالرَّابِعُ : أَنَّ جَمِيعَ حَالاتِهَا مَقْرُونَةٌ بِالسَّلامِ ، فَفِي ابْتِدَاءِ دُخُولِهِمْ : ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ سورة الحجر آية 46 وَحِينَ اسْتِقْرَارِهِمْ : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ {23} سَلامٌ سورة الرعد آية 23-24 وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا سورة الواقعة آية 26 . وَعِنْدَئِذٍ رُؤْيَةُ رَبِّهِمْ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ سورة الأحزاب آية 44 . عَزَّتِ الدَّارُ وَجَلَّ الْمَرَامُ ، وَنَالَ سَاكِنُهَا فَوْقَ الْمَرَامِ ، فَيَا مَشْغُولا عَنْهَا بِأَضْغَاثِ أَحْلامٍ ، وَصَلَ كِتَابُ الْمَلِكِ الْعَلامِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ سورة يونس آية 25 . دَارُ الإِعْزَازِ وَالإِكْرَامِ ، بُنِيَتْ لِقَوْمٍ كِرَامٍ ، لا غُرْمَ فِيهَا وَلا غَرَامَ ، مَا يَسْكُنُهَا مَنْ يُضَامُ ، ثَمَنُهَا يَا مُشْتَرِي بَيْنَ : صَلاةٍ وَصِيَامٍ ، نَعِيمُهَا فِي دَوَامِ لَذَّاتِهَا فِي تَمَامٍ ، وَالْحُورُ فِي الْقُصُورِ وَالْخِيَامِ ، شَهَوَاتُهَا لَمْ تَخْطُرْ عَلَى الأَوْهَامِ ، انْتَبِهُوا لِطَلَبِهَا يَا نِيَامُ ، قَدْ جَمَعَتْ كُلَّ مُشْتَهًى وَزَادَتْ عَلَى كُلِّ الْغَرَضِ الْمُنْتَهَى ، عَجَبًا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا وَسَهَا ، انْهَضْ لَهَا يَا غُلامُ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ سورة يونس آية 25 . أَمَا آنَ يَا صَاحِ أَنْ تَسْتَفِيقَا وَأَنْ تَأْتِيَنَّ الْحِمَى وَالْعَقِيقَا وَقَدْ ضَحِكَ الشَّيْبُ فَاحْزَنْ لَهُ وَصَارَ مَسَاؤُكَ فِيهِ شُرُوقَا وَرَكْبٌ أَتَاهُمْ وَقَدْ عَرَّسُوا عَلَى الْقَاعِ رَاعِي الْمَنَايَا طَرُوقَا يُدِيرُ عَلَيْهِمْ كُئُوسَ الْمَنُونِ صَبُوحًا عَلَى كَرْهِهَا أَوْ غَبُوقَا وَمَا زَالَ فِيهِمْ غُرَابُ الْحِمَامِ يُسْمِعُهُمْ لِلْمَنَايَا نَعِيقَا وَيَحْجِلُ فِي عَرَصَاتِ الْقُصُورِ حَتَّى أَعَادَ الْفُسَيْحَاءَ ضِيقَا أَلا فَازْجُرِ النَّفْسَ مِنْ غِيِّهَا تَجُوزُ إِلَى الصِّرَاطِ الدَّقِيقَا وَدُونَ الصِّرَاطِ لَنَا مَوْقِفٌ بِهِ يَتَنَاسَى الصَّدِيقُ الصَّدِيقَا فَتُبْصِرُ مَا شِئْتَ كَفًّا يَعَضُّ وَعَيْنًا تَسِحُّ وَقَلْبًا خَفُوقَا إِذَا طُبِّقَتْ فَوْقَهُمْ لَمْ تَكُنْ لِتَسْمَعَ إِلا الْبُكَا وَالشَّهِيقَا شَرَابُهُمُ الْمُهْلُ فِي قَعْرِهَا يُقَطِّعُ أَوْصَالَهُمْ وَالْعُرُوقَا أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمِ الْقَاصِرَاتُ تَخَالُ مَبَاسِمَهُنَّ الْبُرُوقَا قُصِرْنَ عَلَى حُبِّ أَزْوَاجِهِنَّ مُشْتَاقَةٌ تَتَلَقَّى مَشُوقَا وَيَرْفُلْنَ فِي سُرُقَاتِ الْحَرِيرِ فَتُبْصِرُ عَيْنَاكَ أَمْرًا أَنِيقَا وَأَكْوَابُهُمْ ذَهَبٌ أَحْمَرُ يُطَافُ بِهَا مُتْرَعَاتٌ رَحِيقَا إِذَا جَرَتِ الرِّيحُ فَوْقَ الْكَثِيبِ أَثَارَتْ عَلَى الْقَوْمِ مِسْكًا سَحِيقَا وَيَوْمَ زِيَارَتِهِمْ يَرْكَبُونَ إِلَيْهِ مِنَ النُّورِ نُجُبًا وَنُوقَا كُلُوا وَاشْرَبُوا فَلَقَدْ طَالَمَا أَقَمْتُمْ بِدَارِ الْغُرُورِ الْحُقُوقَا

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها