15 أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ ° ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ° ، أنا إِسْرَائِيلُ ° ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ° ، يَقُولُ : اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ ° مِنْ عَازِبٍ رَحْلا بِثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَازِبِ بْنِ الْبَرَاءِ : فَلْيَحْمِلْهُ إِلَى أَهْلِي ، فَقَالَ لَهُ عَازِبٌ : لا حَتَّى تُحَدِّثَنِي كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ ، وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ ؟ فَقَالَ : ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الرَّجُلِ ، وَقَالَ : حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أَنْزِلُ اللَّيْلَةَ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ ، وَأَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ " ، فَخَرَجَ النَّاسُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي الطُّرُقِ ، وَعَلَى الْبُيُوتِ ، وَالْغِلْمَانُ ، وَالْخَدَمُ يَقُولُونَ جَاءَ مُحَمَّدٌ ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَلَمَّا أَصْبَحَ انْطَلَقَ فَنَزَلَ حَيْثُ أَمَرَ
قَالَ أبو حاتم : لما أمسى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الليل عدل بهم ، فنزل على بني النجار أخوال عَبْد المطلب ؛ لأن أم عَبْد المطلب سلمى بنت عمرو ، كانت من بني عدي بْن النجار ، فلما أصبح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل حمزة بْن عَبْد المطلب ، وعلي بْن أبي طالب ، وأبو مرثد ، وابنه مرثد ، وأبو كبشة ، وزيد بْن حارثة ، على كلثوم بْن الهدم العمري أخي بني عمرو بْن عوف . ونزل أبو بكر الصديق ، وطلحة بْن عبيد اللَّه ، وصهيب بْن سنان على خبيب بْن إساف . ونزل عمر ، وزيد ابنا الخطاب ، وعمر ، وعبد اللَّه ابنا سراقة ، وعبد اللَّه بْن حذافة ، وواقد بْن عَبْد اللَّه ، وخولي بْن أبي خولي ، وعياش بْن ربيعة وخالد ، وعاقل ، وإياس بْن البكير على رفاعة ابن المنذر . ونزل عبيدة ، والطفيل ، والحصين بنو الحرب ، ومسطح بْن أثاثة ، وسويبط مولى أبي سعد ، وكليب بْن عمير ، وخباب بْن الأرت على عَبْد اللَّه بْن سلعة العجلاني . ونزلت زينب بنت جحش ، وجدامة بنت جندل ، وأم قيس بنت محصن ، وأم حبيبة بنت نباتة ، وأمية بنت رقيش ، وأم حبيبة بنت جحش ، وأم سخبرة بنت نعيم على سعد بْن خيثمة . وعشى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمون ، وأقام أبو بكر للناس ، وجلس رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صامتا يسلمون ، وأقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بني عوف بقباء يوم الإثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، وأسس المسجد بقباء وصلى فيه تلك الأيام . فلما كان يوم الجمعة خرج على ناقته القصوى يوم الجمعة يريد المدينة ، واجتمع عليه الناس فأدركته الصلاة في بني سالم بْن عوف ، فكانت أول جمعة جمعها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة ، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بدور الأنصار ، فيدعونه للنزول ، ويعرضون عليه المؤاساة ؛ فيجزيهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيرا حتى مر على بني سالم ، فقام عتبان بْن مالك في أصحاب له ، فقالوا له : يا رسول اللَّه ! أقم في العدد ، والعدة ، والمنعة ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة " ، ثم مر ببني ساعدة اعترضه سعد بْن عبادة ، وأبو دجانة ، والمنذر بْن عمرو ، وداود راودوه على النزول ، فقال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، ثم مر ببني بياضة فاعترضه فروة بْن عمرو ، وزياد بْن لبيد وراودوه على النزول ، فقال : خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، ثم مر على بني عدي بْن النجار ، فقال أبو سليط بْن أبي خارجة : عندنا يا رسول اللَّه ، فنحن أخوالك ، وذكروا رحمهم ، فقال : " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " ، وأقبلت الناقة حتى انتهت به إلى مربد التمر ، وهو يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار في حجر أسعد بْن زرارة ، اسمهما سهل وسهيل ابنا رافع بْن أبي عمرو ، وكان المسلمون بنوا مسجدا يصلون فيه ، وهو موضع مسجده اليوم ؛ فلما انتهت به الناقة إلى المسجد بركت فنزل عنها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : هذا إن شاء اللَّه المنزل ، وجاء أبو أيوب الأنصاري خالد بْن زيد بْن كليب ، فأخذ برحله ، وجاء أسعد بْن زرارة فأخذ بزمام راحلته ، ثم سأل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المربد ، فقال معاذ بْن عفراء : هو لغلامين يتيمين ، وأنا مرضيهما عنه ، فدعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ، فقالا : بل نهبه لك ، فأبى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقبل منهما هبة حتى ابتاعه منهما ، فلما خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المسجد ، قالوا : يا رسول اللَّه المرء مع موضع رحله فنزل على أبي أيوب الأنصاري ومنزله في بني غنم بْن النجار ، ثم أخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون في بناء المسجد ، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينقل معهم اللبن : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وكان عمار بْن ياسر جعدا قصيرا ، وكان ينقل اللبن وقد أغبر صدره فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يابن سمية تقتلك الفئة الباغية " ، وقدم طلق بْن علي على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يعين المسلمين في بناء المسجد ، فكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " قربوا الطين من اليمامي ، فإنه من أحسنكم به مسكا " ، ومات أسعد بْن زرارة ، والمسجد يبني أخذته الشهقة ، ودفن بالبقيع وهو أول من دفن بالبقيع من المسلمين ، فكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نازلا على أبي أيوب حتى فرغ من ، المسجد ، وبنى له فيه مسكن فانتقل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين فرغ من المسجد ومسكنه إليه ، ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد بْن حارثة وأبا رافع إلى مكة لقفل سودة بنت زمعة زوجته وبناته ، وبعث أبو بكر الصديق عَبْد اللَّه بْن أبي بكر أن يقدم بأهله ، فلما قدم بْن أريقط على عَبْد اللَّه بْن أبي بكر خرج عَبْد اللَّه بعيال أبي بكر : عائشة ، وعبد الرحمن ، وأم رومان أم عائشة ، وكان البراء بْن معرور مات في صفر ، قبل قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة بشهر ، وأوصى عند موته أن يوجه إذا وضع في قبره إلى الكعبة ، ففعل به ذلك ؛ فلما قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة صلى على قبره ، وولد مسلمة بْن مخلد ، وكان آخر الأنصار إسلاما بنو واقف ، وبنو أمية ، وبنو وائل ، وكانت الأنصار كل واحد منهم يهدى لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قدم المدينة تيسا ، وكانت أم سليم لم يكن لها ما تهدي ، فأتت بابنها أنس إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت : يا رسول اللَّه ، ابني هذا يخدمك ، وليس عندي ما أهديه ، فادع اللَّه له ، فقال رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم أكثر ماله وولده " . ثم دخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دار أنس بْن مالك ، وكان أنس له عشر سنين حيث قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ، فكانت أمهاته يحثثنه ، فلما دخل داره حلب له من داجن وشاب له لبنها بماء يسير في الدار ، وأبو بكر عن شماله ، وأعرابي عن يمينه فناوله رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأعرابي ، وقال الأيمن فالأيمن ، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين ، فرآهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متنفلين ، فقال : يا أيها الناس ، اقبلوا فريضة اللَّه فأقرت صلاة المسافر ، وزيد في صلاة المقيم ، وذلك لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر بعد قدومه عليه السلام المدينة بشهر . ووعك أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعكا شديدا ، فدخلت عائشة على أبي بكر وهو يقول : كل امرئ مصبح في أهله والموت أقرب من شراك نعله ثم دخلت على عامر بْن فهيرة وهو يقول : كل امرئ مدافع بطوقه الثور يحمى جلده بروقه فدخلت على بلال وهو يقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل هل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل وكان بلال يقول : اللهم العن عتبة بْن ربيعة ، وشيبة بْن ربيعة ، وأبا سفيان بْن حرب ، وأبا جهل بْن هشام كما أخرجونا من مكة ، فأخبرت عائشة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما رأت من وعكهم ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة ، وبارك لنا فيها كما باركت لنا في مكة ، وبارك في صاعها ومدها ، وانقل وباءها إلى مهيعة " ، وهي الجحفة . ودخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد وقد حمى الناس ، وهم يصلون قعودا ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم " ، فختم الناس الصلاة قياما ، ثم قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما بمكة من البركة " ، ثم أراد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يؤاخى بين المهاجرين والأنصار في شهر رمضان ، فدخل المسجد فجعل يقول : أين فلان بْن فلان ؟ فلم يزل يعدهم ، ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده ، فقال : " إني أحدثكم بحديث فاحفظوه ، وحدثوا من بعدكم ، إن اللَّه اصطفى من خلقه خلقا ، ثم تلا هذه الآية : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ سورة الحج آية 75 ، خلقا يدخلهم الجنة ، وإني مصطف منكم من أحب أن أصطفيه ، ومؤاخ بينكم كما أخى اللَّه بين الملائكة ، قم يا أبا بكر فقام فجيء بين يديه ، فقال : " إن لك عندي يدا الله يجزيك بها ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا ، وأنت عندي بمنزلة قميصي في جسدي ، وحرك قميصه " ، ثم قال : " ادن يا عمر " ، فدنا فقال : " لقد كنت شديد الثغب علينا يا أبا حفص ، فدعوت اللَّه أن يعز الدين بك ، أو بأبي جهل ، ففعل اللَّه ذلك بك ، وكنت أحبهما إلى اللَّه ، فأنت معي ثالث ثلاثة من هذه الأمة " ، ثم تنحى وآخى بينه وبين أبي بكر ، ودعا عثمان بْن عفان ، فقال : " ادن يا عثمان ، ادن يا أبا عمرو " ، فلم يزل يدنو حتى ألزق ركبته ، بركبته ثم نظر إلى السماء ، فقال : " سبحان اللَّه العظيم " ، ثم نظر إلى عثمان فإذا إزاره محلولة فزرها عليه ، ثم قال : " اجمع لي عطفي ردائك على نحرك ، فإن لك شأنا عند أهل السماء ، أنت ممن يرد على الحوض ، وأوداجه تشخب دما " ، ثم دعا عَبْد الرحمن بْن عوف ، فقال : " ادن يا أمين اللَّه ، يسلط اللَّه على مالك بالحق ، أما إن لك عندي دعوة قد أخرتها " ، فقال : " خر لي " ، فقال : " أكثر اللَّه مالك " ، ثم تنحى وآخى بينه وبين عثمان ، ثم دعا طلحة ، والزبير ، فقال : " ادنوا مني " ، فدنوا منه ، فقال : " أنتما حواري كحواري عيسى بْن مريم " ، ثم آخى بينهما . ثم دعا سعد بْن أبي وقاص ، وعمار بْن ياسر فقال : " يا عمار ، تقتلك الفئة الباغية " ، ثم آخى بينهما ، ثم دعا عميرا أبا الدرداء ، وسلمان الفارسي ، فقال : " يا سلمان ، أنت منا أهل البيت ، وقد آتاك اللَّه العلم الأول ، والعلم الآخر " ، ثم قال : " ألا أنشدك يا أبا الدرداء ؟ " ، قال : بأبي أنت وأمي ! بلي ، قال : " إن تنقدهم فينقدوك ، وإن تتركهم لا يتركوك ، فاقرضهم عرضك ليوم فقرك ، واعلم أن الجزاء أمامك " ، ثم آخي بينهما ، ثم نظر في وجوه أصحابه فقال : " أبشروا وقروا عينا ، فأنتم أول من يرد علي الحوض ، وأنتم في أعلى الغرف " ، ونظر إلى عَبْد اللَّه بْن عمر ، فقال : " الحمد لله الذي يهدي من الضلالة من أحب " . فقال علي بْن أبي طالب : يا رسول اللَّه ، ذهب روحي فانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت ، فإن كان من سخطه علي ، فلك العتبي والكرامة ، قال : " والذي بعثني بالحق ما أخرتك إلا لنفسي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي " ، قال : يا رسول اللَّه ما أرث منك ، قال : " ما ورثت الأنبياء قبلي " ، قال : وما ورثت الأنبياء قبلك ؟ قال : " كتاب اللَّه وسنة نبيهم ، وأنت معي في قصري في الجنة ، مع فاطمة ابنتي ، ثم تلا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِخْوَانًا على سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ سورة الحجر آية 47 " . ومات الوليد بْن المغيرة بمكة ، وأبو أحيحة بالطائف ، بلغ المسلمين نعيهما ، وولد عَبْد اللَّه بْن الزبير في شوال فكبر المسلمون ، وكانوا يخافون أن يكون اليهود سحرت نساءهم ، وكان أول مولود ولد من المهاجرين ، بالمدينة ، وهنئ به أبو بكر ، والزبير ولم ترضعه أسماء بنت أبي بكر حتى أتت به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأخذه ووضعه في حجره فحنكه بتمرة ، فكان أول شيء دخل بطنه ريق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم سماه عَبْد اللَّه . ثم عقد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللواء لعبيدة بْن الحارث بْن عَبْد المطلب بْن عَبْد مناف على ستين من المهاجرين ، وليس فيهم من الأنصار أحد ، وهي أول راية عقدها بالمدينة ، وبعثه إلى بطن رابغ ، فبلغ ثنية المرة بالقرب من الجحفة ، فالتقوا على ماء يقال له أحياء ، وأمير السرية أبو سفيان بْن حرب في مائتين من المشركين ، فلم يكن بينهم إلا الرمي بالرمي ، ثم انحاز المسلمون على رامية ، وانحاز من المشركين إلى المسلمين المقداد بْن عمرو بْن الأسود ، وقد قيل : عتبة بْن غزوان ، ثم انصرفوا من غير أن يسلوا السيوف ، وقد قيل : إن المشركين أميرهم كان مكرز بْن حفص بْن الأحنف ، وكان حامل اللواء لعبيدة بْن الحارث مسطح بْن أثاثة . ثم عقد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللواء لحمزة بْن عَبْد المطلب في ثلاثين راكبا كلهم من المهاجرين ، بعثه إلى ساحل البحر من قبل العيص من أرض الجهينة ، ليتعرض لعير قريش فلقي أبا جهل بْن هشام في ثلاثمائة راكب من أهل ، مكة فحجز بينهم مجدي بْن عمرو الجهني ، وكان حليفا للفريقين ، فانصرف الفريقان من غير قتال ، وكان حامل لواء حمزة يومئذ أبو مرثد . ثم بنى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعائشة وهي بنت تسع على رأس ثمانية أشهر من هجرته ، وذلك في شوال ، وكان تزوج بها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهي ابنة ست فأهديت إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه البهاء ، ولم يزوج من النساء بكرا غيرها . ثم عقد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللواء لسعد بْن أبي وقاص في عشرين رجلا يريد العير في ذي القعدة ، فخرجوا على أقدامهم ، فكانوا يكفون بالنهار ، ويسيرون بالليل حتى أصبحوا لحرار صبح خامسة وقد سبقهم العير قبل ذلك بيوم فانصرفوا ، وكان حامل اللواء يومئذ لسعد المقداد بْن عمرو . وجاء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو قيس بْن الأسلت فعرض عليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإسلام ، فقال : ما أحسن ما تدعو إليه ، أنظر في أمري ثم أعود إليك ، فلقيه عَبْد اللَّه بْن أبي ، فقال : كرهت والله حرب الخزرج ، فقال أبو قيس : لا أسلم سنة ، فمات في ذي الحجة .