16 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَدَايِنِيِّ ° ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ° ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، ثنا مَعْمَرٌ ° ، عَنْ أَيُّوبَ ° ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ : " مَا هَذَا ؟ " قَالُوا : يَوْمٌ عَظِيمٌ ، نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ فِيهِ وَقَوْمَهُ ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى ، وَأَحَقُّ بِصِيَامِهِ مِنْكُمْ " ، فَصَامَهُ ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ
قال : وجد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليهود يصومون يوم عاشوراء في أول قدومه المدينة ، وهو أول السنة الثانية من الهجرة ، فسألهم فأخبروه أن اللَّه نجى موسى في ذلك اليوم ، وأغرق آل فرعون ، فصامه موسى شكرا لله ، فأمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصيامه وقال : " أنا أولى بموسى " ، فصامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون ، ثم زوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته فاطمة عليا في صفر ، وقال له : " أعطها شيئا " ، فقال : ما عندي يا رسول اللَّه شيء ، قال : " فأين درعك الحطمية ؟ " ، فبعث إليها بدرعه . وقد روي في تزويجها أخبار فيها طول تؤدي إلى مسلك القصاص فتنكبت عن ذكرها ، لعلمي بعدم صحتها من جهة النقل . ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة الأبواء ، وهي أول غزوة بنفسه ، وبين الأبواء وودان ستة أميال ، خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المهاجرين ليس فيهم أنصاري ، وذلك في شهر ربيع الأول على رأس سنة من مقدمه المدينة ، واستخلف سعد بْن عبادة بْن دليم ، وكان لوائه حمزة بْن عَبْد المطلب ، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا ، والأبواء جبل ، وودان والأبواء بينهما الطريق كلاهما ورد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفي هذه الغزاة وادع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخشى بْن عمرو الضمري . ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مائتين من أصحابه إلى ناحية رضوى يريد عير قريش فيها أمية بْن خلف ، واستخلف على المدينة سعد بْن معاذ ، وكان يحمل لواءه سعد بْن أبي وقاص ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سعد بْن أبي وقاص في سبعة نفر أو ثمانية حتى انتهى إلى الخرار من أرض الحجاز ، ثم رجع ولم يلق كيدا ؛ وكان سرح في المدينة يرعى في الحمى ، فاستاقه كرز بْن جابر الفهري ، فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إثره في المهاجرين ، وكان حامل لوائه علي بْن أبي طالب ، واستخلف على المدينة زيد بْن حارثة ، وطلب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بلغ بدرا ، فلم يلحقه ، وفاته كرز ، فرجع إلى المدينة ، وهذه الغزوة تسمى غزوة بدر الأولى . ثم ولد النعمان بْن بشير في جمادى الأولى ، فحملته أمه عمرة بنت رواحة إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحنكه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو أول مولود من الأنصار ولد بعد قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رجب عَبْد اللَّه بْن جحش في اثني عشر نفسا من المهاجرين ، ليس فيهم أنصاري ، وكتب له كتابا ، وقال : " أمسك كتابك ، فإذا سرت يومين فانشره فانظر ما فيه ، ثم امض " . وخرج مع عَبْد اللَّه بْن جحش أبو حذيفة بْن عتبة بْن ربيعة حليف بني عدي بْن كعب ، وسعد بْن أبي وقاص ، وسهيل بْن بيضاء ، وعتبة بْن غزوان ، وواقد بْن عَبْد اللَّه التميمي حليف بني عدي بْن بيضاء ، وخالد بْن البكير حليف بني عدي ، وعكاشة بْن محصن ، فسار عَبْد اللَّه بْن جحش ليلتين على ما أمره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم فتح الكتاب ، فإذا فيه : " سر حتى تنزل نخلة على اسم اللَّه ، ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك ، وامض فيمن تبعك منهم حتى تقدم بطن نخلة ، فترصد بها عير قريش " . فلما قرأ الكتاب قال : لست بمستكره أحدا منكم ، فمن كان يريد الشهادة فليمض ، فإني ماض لأمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمضى ومضى القوم معه ، حتى إذا كانوا ببحران ، معدن بالحجاز فوق الفرع ، أضل عتبة بْن غزوان وسعد بْن أبي وقاص بعيرا ، فتخلفا في طلبه ، ومضى عَبْد اللَّه بْن جحش حتى أتى المكان الذي أمره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فوجد عير قريش فيها عمرو بْن الحضرمي ، والحكم بْن كيسان ، وعثمان بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة ، ونوفل بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة ، فلما رأى أصحاب العير القوم هابوهم وحلزوهم ، فأشرف لهم عكاشة بْن محصن ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه قال عمار : لا بأس عليكم وأمنوا فاستشاروا أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمرهم ، وكان آخر يوم من رجب ، فقال المسلمون : إن أخرنا عنهم هذا اليوم دخلوا الحرم ، فامتنعوا ، وإن أصبناهم أصبناهم في الشهر الحرام ، فرمى واقد بْن عَبْد اللَّه عمرو بْن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسروا عثمان بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة ، والحكم بْن كيسان ، وأعجزهم نوفل بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة ، واستاقوا العير ، فقدموا بها على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فوقف رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العير ، ولم يأخذ منها شيئا ، وحبس الأسيرين ، وقال لأصحابه : " ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام " ، فسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا ، وقالت قريش : استحل بهذا الشهر الحرام ، قد أصاب فيه الدم والمال ، فأنزل اللَّه فيما كان قول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما عظم في أنفس أصحابه ، وما جاءوا به : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ إلى قوله أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ سورة البقرة آية 217 ، يريد أنهم كانوا يفتنونكم في دينكم وأنتم في حرم اللَّه حتى تكفروا بعد إيمانكم ، فهذا أكبر عند اللَّه من أن تقتلوهم في الشهر الحرام ، مع كفرهم وصدهم عن سبيل اللَّه ، وإخراجكم منه ؛ فلما نزل القرآن بذلك أخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العير ، وأما الأسيران فإن الحكم أسلم وأقام عند رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا ، وأما عثمان ففاداه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورجعوا به مكة ، ومات بها مشركا . ثم خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذي العشيرة في المهاجرين ، واستخلف على المدينة أبا سلمة بْن عَبْد الأسد ، وكان حامل لوائه حمزة بْن عَبْد المطلب ، حتى بلغ بطن ينبع فوداع بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ، ثم رجع . وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب أن يوجه إلى الكعبة ، فقال عمر بْن الخطاب : يا رسول اللَّه ! لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى ! فأنزل : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ سورة البقرة آية 144 الآية ، وقال : السفهاء من الناس من اليهود : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا سورة البقرة آية 142 ، فأنزل اللَّه : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ سورة البقرة آية 142 الآية ، فصرفت القبلة إلى الكعبة في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان فكانت صلاته نحو بيت المقدس بعد قدومه المدينة سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام ، فخرج رجل بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار ، وهم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس ، فقال : هو يشهد أنه صلى مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنه قد وجه إلى الكعبة ، فانحرف القوم حتى توجهوا إلى الكعبة . ثم أنزل اللَّه عز وجل فريضة الصوم في شعبان ، فلم يأمرهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد فرض رمضان بصيام عاشوراء ولا نهاهم عنه . ثم كانت غزوة بدر خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر رمضان لاثنتي عشرة ليلة خلت منه يريد اعتراض عير قريش ، ومعه المهاجرون والأنصار ، وضرب بعسكره قبل أن يخرج من المدينة ببئر أبي عيينة ، وعرض أصحابه ، ورد من استصغر منهم ، فكان ممن رد في ذلك اليوم من المسلمين عَبْد اللَّه بْن عمر ، ورافع بْن خديج ، والبراء بْن عازب ، وزيد بْن ثابت ، وأسيد بْن حضير ، وكان عمير بْن أبي وقاص يستتر في ذلك اليوم ، لئلا يراه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له : سعد ما لك يا أخي ، قال : إني أخاف أن يراني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيستصغرني فيردني لعل اللَّه أن يرزقني الشهادة ، فرآه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرده ، فبكى بكاء شديدا ، فأجازه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقتل ببدر شهيدا . ثم رحل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بئر أبي عيينة في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا ، منهم أربعة وسبعون رجلا من المهاجرين ، وسائرهم من الأنصار ، وكان لهم من الإبل سبعون بعيرا يتعاقب النفر البعير الواحد فبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلحة بْن عبيد اللَّه ، وسعيد بْن زيد بْن عمرو بْن نفيل ، على طريق الساحل إلى الحوران يتجسسان خبر العير ، ورأت عاتكة بنت عَبْد المطلب بمكة رؤيا أفزعتها فبعثت إلى العباس ، فقالت : يا أخي ! لقد رأيت البارحة رؤيا أفظعتني فاكتم علي ، قال : وما رأيت ؟ قالت : رأيت راكبا أقبل على بعير حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، فإذا الناس قد اجتمعوا إليه ، فدخل المسجد والناس يتبعونه فبينا هم حوله إذ مثل به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم خرج بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها ، فأقبلت تهوي إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت ، فما بقي بيت بمكة ، ولا دار إلا دخلها منها فلقة ، قال العباس : والله إن هذه لرؤيا فاكتميها ولا تذكريها . ثم خرج العباس فلقي الوليد بْن عتبة وكان له صديقا فذكرها له ، فذكرها الوليد لأبيه ففشا الحديث بمكة ، فقال أبو جهل : ما يرضى بنو عَبْد المطلب أن يتنبأ رجالهم ، حتى تتنبأ نساؤهم ، وكان أبو سفيان بْن صخر أقبل من الشام في عير لقريش عظيمة من قريش ، منهم عمرو بْن العاص ، ومخرمة بْن نوفل الزهري ، وكان أبو سفيان يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان ؛ فأصاب خبرا من الركبان أن محمدا قد نفر في أصحابه ، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بْن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها ، فدخل ضمضم في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة مكة ، وهو يصرخ ببطن الوادي ، وقد جدع بعيره وحول رحله ، وشق قميصه ، وهو يقول : يا معشر قريش ! اللطيمة اللطيمة ، قد عرض لها مُحَمَّد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها أو لا تدركوها ، الغوث الغوث ! فتجهزت قريش سراعا ، إما خارج ، وإما باعث مكانه رجلا ، وخرجت تريد العير . ولما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصفراء ، بينها وبين المدينة ثلاث ليال ، بعث عدي بْن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار ، وبسبس بْن عمرو الجهني حليف بني ساعدة قدامه إلى مكة ، فلما نزلا الوادي أناخ إلى تل قريب من الماء ، ثم أخذا شنا لهما يستسقيان فيه ، وعلى الماء إذ ذاك مجدي بْن عمرو الجهني ، فسمع عبدي وبسبس جاريتين من جواري جهينة ، وهما يتلازمان ، فقالت الملزومة لصاحبتها : إنما يأتي العير غدا ، أو بعد غد ، فأعمل لهم وأقضيك الذي علي ، فقال مجدي : صدقت ، وخلص بينهما ؛ فلما سمع بذلك عدي وبسبس ركبا راحلتيهما ثم انطلقا حتى أتيا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبراه . وأقبل أبو سفيان وقد تقدم العير حتى ورد الماء حذرا من الذي كان يخافه ، فقال لمجدي بْن عمرو : وهل أحسست أحدا ؟ فقال : والله ما رأيت أحدا إلا أني رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ؛ فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته ؛ فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائف يثرب ، فرجع وضرب وجوه عيره فساحل بها ، وترك بدرا يسارا ، وانطلق حتى أسرع . وأقبلت قريش ، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بْن الصلت بْن مخرمة رؤيا ، فقال : أنا بين النائم واليقظان ، رأيت رجلا قد أقبل على فرس له ، حتى وقف ، ثم قال : قتل عتبة بْن ربيعة ، وشيبة بْن ربيعة ، وأبو الحكم بْن هشام ، وأمية بْن خلف ، وفلان وفلان ، ثم ضرب في لبة بعيره ، وأرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمه ، فبلغ أبا جهل رؤياه ، فقال : هذا نبي آخر من بني المطلب ، سيعلم غدا من المقتول ، إن نحن التقينا ، فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره ، أرسل إلى قريش ، قال : إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم ، وقد نجاهما اللَّه فارجعوا ، فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدرا ، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق فنقيم عليه ثلاثا ، وننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان ، فتسمع بنا العرب وبمسيرنا ، وجمعنا ؛ ثم رحلت قريش حتى نزلت العدوة القصوى من بدر . ولما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرق الظبية دون بدر استشار الناس ، فقال : " أشيروا أشيروا على أيها الناس ! " فقام أبو بكر فقال وأحسن ، ثم قام عمر فقال مثل ذلك ، ثم قام المقداد بْن الأسود ، فقال : يا رسول اللَّه ! امض بنا لأمر اللَّه فنحن معك والله لا نقول مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تنتهي إليه رسول اللَّه ؛ فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خيرا ودعا له بخير " ، ثم قال : " أشيروا على أيها الناس " وإنما يريد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأنصار ، وذلك أنهم كانوا عدد الناس ، فقال : سعد بْن معاذ : كأنك يا رسول اللَّه إنما تريدنا ، قال : " أجل " ، فقال : سعد قد آمنا بك ، وصدقناك وشهدنا بما جئت به أنه الحق ، وأعطيناك مواثيقنا ، وعهودنا على السمع والطاعة فامض بنا يا نبي اللَّه لما أردت فنحن معك ، والذي بعثك لو استعرضت هذا البحر ، وخضت بنا لخضناه معك ما بقي منا رجل ، وما كره أن تلقى بنا عدونا غدا إننا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل اللَّه يريك منا بعض ما تقر به عينك ؛ فسر بذلك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم ركب ورجل من أصحابه قدام الجيش ، ومضى حتى وقف على شيخ قريبا من بدر فقال له : " أيها الشيخ ! ما بلغك عن مُحَمَّد وأصحابه " ، فقال : ما أنا مخبرك حتى تخبرني ، من أنت ؟ قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذا أخبرتنا أخبرناك من نحن ؟ " فقال الشيخ : أذاك بذاك ، قال : " نعم " ، فقال الشيخ : بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن يكن الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا وكذا ، بالمنزل الذي كان فيه رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن يكن الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا وكذا ، بالمنزل الذي هم فيه ، ثم قال ممنن أنت ؟ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نحن من ماء " ؛ ثم انصرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أصحابه وأصاب علي بْن أبي طالب ، والزبير بْن العوام ، وسعد بْن أبي وقاص رواية لقريش ، وفيها غلام لبني العاص لمنبه بْن الحجاج ، فأتوا بهما رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم يصلي فقالوا لهما : من أنتما ؟ فقالا : نحن سقاة قريش ، بعثونا لنسقي لهم الماء ، فكره القوم خبر قريش ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ، فقالوا لهما : من أنتما ؟ ألا لأبي سفيان فضربوهما ؟ فلما آذوهما قالا : نحن لأبي سفيان ، فأمسكوا عنهما . فانصرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صلاته ، فأقبل عليهم فقال : " إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما ، والله إنهما لقريش " ، ثم دعاهما فقال : " لمن أنتما ؟ فأخبراه ، ثم قال : أين قريش ؟ قالا : خلف هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى من الوادي ، قال : وكم هم ؟ قالا : هم كثير ، قال : ما عددهم ؟ قالا : ما ندري ، قال : " فكم تنحر في اليوم ؟ " قالا : يوما عشرا ، ويوما تسعا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هم بين التسعمائة إلى الألف " ثم قال لهما : " فمن من أشراف قريش " فسميا عتبة بْن ربيعة ، وشيبة بْن ربيعة في رجال من قريش ، وكان ينحر لقريش تسعة رهط : من بني هاشم العباس بْن عَبْد المطلب . ومن بني عَبْد شمس عتبة بْن ربيعة . ومن بني نوفل الحارث بْن عامر بْن نوفل ، وطعيمة بْن عدي بْن نوفل . ومن بني عَبْد الدار النضر بْن الحارث . ومن بني أسد حكيم بْن حزام . ومن بني مخزوم أبو جهل بْن هشام . ومن بني جمح أمية بْن خلف . ومن بني سهم منبه بْن الحجاج . ومن بني عامر بْن لؤي سهيل بْن عمرو . ثم أقبل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المسلمين ، فقال : " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ، وبعث اللَّه السماء ، فأصاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين ماء لبدلهم الآرض ، وأصاب قريشا ماء لم يقدروا أن يرتحلوا معه ، ثم رحل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمسلمين ، وقال لهم : سيروا على بركة اللَّه ، فإنه قد وعدني إحدى الطائفتين ، فكأني أنظر إلى مصارع القوم ، ثم مضى ، يبادر قريشا إلى الماء إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به ، فقال حباب بْن المنذر بْن الجموح أحد بني سلمة : يا رسول اللَّه ! أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه اللَّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : " بل هو الحرب والرأي والمكيدة " ، قال : فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض حتى نأتي أدنى قليب القوم فتنزله ، ثم نغور ما سواه من القلب ، ثم نبني حوضا فنملأه ، ثم نقاتل فنشرب ولا يشربون ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قد أشرت بالرأي " ، ثم نهض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل ، وبنى حوضا على القليب ، وقذفوا فيه الآنية ، ثم أمر بالقلب فغورت ؛ فقال سعد بْن معاذ : يا نبي اللَّه ! ألا نبني عريشا تكون فيه ، ونعد عندك ركائبك ، ثم نلقي عدونا ، فإن أعزنا اللَّه وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كان علينا يا نبي اللَّه جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا ، فقد تخلف عنك أقوام وما نحن بأشد حبا لك منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، يمنعك اللَّه بهم يناصحونك ، ويجاهدون معك ؟ فدعا له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخير ، وبني له عريش ، فقعد فيه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر . وارتحلت قريش حين أصبحت ، فلما رآها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها ، وفخرها تحادك وتكذب رسلك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم فأحنهم الغداة " ، ورأى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عتبة بْن ربيعة على جمل له أحمر ، فقال : " إن يك في أحد من القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشد " ؛ فلما نزلت قريش أقبل نفر منهم حتى أقبلوا حوض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم حكيم بْن حزام ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعوهم فما شرب رجل منهم شربة إلا قتل غير حكيم بْن حزام ، فلما اطمأنت قريش بعثوا عمير بْن وهب الجمحي ، فقالوا : احزر لنا محمدا وأصحابه ، فاستجال عمير بْن وهب بفرس حول العسكر ، ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلا ، أو ينقصون قليلا ولكن أمهلوني حتى أنظر هل لهم من كمين أو مدد ؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم ، فقال : ما رأيت شيئا ، ولكني رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم ، حتى يقتل رجلا منا فإذا أصابوا منك أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ، فروا رأيكم ، فلما سمع بذلك حكيم بْن حزام مشى في الناس حتى أتى عتبة بْن ربيعة ، فقال : يا أبا الوليد ! أنت كبير قريش ، وسيدها ، والمطاع فيها ، فهل لك أن لا تزال تذكر بخير آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك ، قال : قد فعلت أنت علي بذلك ، إنما هو حليفي فعلي عقله ، يعني عمرو بْن الحضرمي ، وما أصيب من ماله ، ولكن أنت ابن الحنظلية ، فإني لا أخشى على الناس غيره ، يعني أبا جهل ، ثم قام عتبة فقال : يا معشر قريش ! إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه ، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه ، أو ابن خاله ، أو رجلا من عشيرته ؟ فارجعوا وخلوا بينه وبين مُحَمَّد وسائر العرب ، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألقاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون . فجاء حكيم بْن حزام أبا جهل فوجده قد نثل درعا له من جرابها وهو يهنئها ، فقال : يا أبا الحكم ! إن عتبة أرسلني إليك بذلك كذا وكذا ، فقال أبو جهل : انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم اللَّه بيننا وبين مُحَمَّد ، ثم قال أبو جهل : اللهم أقطعنا الرحم ، وأتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة ؛ ثم بعث إلى عامر بْن الحضرمي ، فقال : هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك ، والله ما ذلك بعتبة ، ولكنه قد عرف أن ابنه فيهم ، وأن محمدا وأصحابه إنما هم أكلة جزور ، وقد رأيتم ثأركم فقم ، فانثل مقتل أخيك ، فقام عامر بْن الحضرمي ، ثم صرخ : واعمراه واعمراه ! فحميت الحرب ، وحمي الناس واستوثقوا ، فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة ، فلما بلغ عتبة قول أبي جهل ، قال : سيعلم المصفر استه من انتفخ سحره ، ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها رأسه ، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته ، فلما رأى ذلك اعتم على رأسه بعمامة له ، وخرج الأسود بْن عَبْد الأسد المخزومي ، وكان رجلا شرسا ، فقال أعاهد اللَّه لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه ، فلما خرج يريد الحوض خرج إليه حمزة بْن عَبْد المطلب ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدميه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض فحبا إلى الحوض ، فاقتحم فيه واتبعه حمزة بضربة أخرى فقتله في الحوض ، ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بْن ربيعة ، وابنه الوليد بْن عتبة ، فلما دنا إلى الصف دعا إلى البراز فخرج إليه فتية ثلاثة من الأنصار عوف ، ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ، وابن رواحة ، فسألهم فقالوا : رهط من الأنصار ، فقال عتبة : أكفاء كرام ، ما لنا بكم حاجة ، إنما نريد قومنا ، ثم نادى مناديهم يا مُحَمَّد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " قم يا حمزة بْن عَبْد المطلب ، قم يا علي بْن أبي طالب ، قم يا عبيدة بْن الحارث ، وكان أسن القوم فبارز عتبة بْن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بْن ربيعة ، وبارز علي بْن أبي طالب الوليد بْن عتبة ؛ فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، ولم يمهل علي الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان ، كلاهما أثبت صاحبه ، وكر حمزة ، وعلي على عتبة ، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه ، ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض ، وقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه : " أن لا تحملوا حتى آمركم " ، وهو في العرش مع أبي بكر ليس في العريش معه غيره ، وهو يناشد اللَّه ما وعده من النصر ، ويقول فيما يقول : " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد " ، وأبو بكر يقول : يا رسول اللَّه ! أقصر من مناشدتك اللَّه فإن اللَّه موفيك بما وعدك ، وشجع اللَّه المسلمين على لقاء عدوهم ، وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم ، وخفق رسول اللَّه خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه ، ثم قال : أبشر يا أبا بكر ! هذا جبريل متعجر بعمامة ، يقول : أتاك نصر اللَّه وعونه فبعث اللَّه الملائكة مسومين ، فكان أبو أسيد مالك بْن ربيعة شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره ، لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أمتري ، ولم تقاتل الملائكة في غزاة إلا ببدر ، وإنما كانت تنصر وتعين ، وكانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم . ثم أخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حفنة من الحصى بيده وخرج من العريش ، فاستقبل القوم ، وقال " شاهت الوجوه " ، ثم نفخهم بها ، ثم قال : " والذي نفسي بيده لا يقاتلهم رجل اليوم فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر إلا أدخله اللَّه الجنة " فقال عمير بْن الحمام أحد بني سلمة وفي يده تمرات : يا رسول اللَّه ! أرأيت إن قاتلت حتى قتلت مقبلا غير مدبر ما لي ؟ قال : " لك الجنة " ، فألقى التمرات من يده ، وتقدم فقاتل حتى قتل ، ثم قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه : " احملوا ، ومن لقي العباس منكم فليدعنه فإنه أخرج مستكرهًا " . فقال أبو حذيفة بْن عتبة بْن ربيعة : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ، ونترك العباس ، والله لئن لقيته لألجمنه السيف ، فبلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله ، فقال لعمر : " يا أبا حفص ، أيضرب وجه عم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسيف ؟ " ، فقال عمر : دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه والله لقد نافق فكان أبو حذيفة بعد ذلك يقول : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة ، فقتل يوم اليمامة شهيدا . وكان العباس قد أسلم بمكة ، ولكنه كان يخاف قومه فيكتم إسلامه ، فحمل أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المشركين ، فلم يكن إلا الهزيمة ، فقتل اللَّه من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر منهم ، فلما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وجه سعد بْن معاذ الكراهة ، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والله يا سعد لكأنك تكره ما يصنع الناس ؟ فقال : أجل يا رسول اللَّه ، قال : كانت هذه أول وقعة أوقعها اللَّه بأهل الشرك ، فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال ، وكان ذلك يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان ، والمسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر نفسا منهم أربعة وسبعون رجلا من قريش والمهاجرين ، وسائرهم من الأنصار ، والمشركون تسعمائة وخمسون مقاتلا ، فقتل من المسلمين في ذلك اليوم من قريش ستة : أنفس من بني المطلب : عبيدة بْن الحارث بْن المطلب . ومن بني زهرة بْن كلاب عمير بْن أبي وقاص أخو سعد ، وذو الشمالين بْن عَبْد عمرو بْن نضلة حليف لهم من خزاعة . ومن بني عدي بْن كعب عاقل بْن البكير حليف لهم من بني سعد بْن ليث ، ومهجع مولى عمر . ومن بني الحارث بْن فهر صفوان بْن بيضاء . وقتل من الأنصار : من بني عمرو بْن عوف سعد بْن خيثمة ، ومبشر بْن عَبْد المنذر . ومن بني الحارث يزيد بْن الحارث ، وهو الذي يقال له : ابْن فسحم . ومن بني سلمة عمير بْن الحمام . ومن بني حبيب بْن عَبْد الحارثة بْن مالك بْن غضب بْن جشم رافع بْن المعلى . ومن بني النجار حارثة بْن سراقة بْن الحارث . ومن بني غنم بْن مالك بْن النجار عوف ، ومعوذ ابنا الحارث بْن رفاعة بْن سواد ، وهما ابنا عفراء . فجميع من استشهد من بني قريش والأنصار أربعة عشر رجلا . وقتل علي بْن أبي طالب في ذلك اليوم الوليد بْن عتبة بْن ربيعة ، وقتل طعيمة بْن عدي بْن نوفل أخا طعمة ، فلما علاه بالسنة قال : والله ، لا تخلصنا في اللَّه بعد اليوم أبدًا ، وشارك حمزة في قتل عتبة بْن ربيعة ، وقتل عامر بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه الأنماري حليف بني عَبْد شمس ، وقتل النضر بْن الحارث بْن كلدة أحد بني عَبْد مناف ، وقتل العاص بْن سعيد بْن العاص بْن أمية ، وقتل عمر بْن الخطاب خاله العاص بْن هشام بْن المغيرة . فجميع من قتل من المشركين في ذلك اليوم أربعة وسبعون رجلا وأسر مثل ذلك . ثم أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يلتمس أبو جهل ، فسمع معاذ بْن عمرو بْن الجموح وهو يطلبه جماعة من المشركين يقولون : أبا الحكم ، لا يصلون إليك ، فلما سمعها علم أنه أبو جهل ، جعله من شأنه وقصد نحوه ، فلما أمكن منه حمل عليه وضربه ضربة فقطع قدمه بنصف ساقه ، وكان عكرمة بْن أبي جهل ابنه معه فحمل على معاذ ، فضربه ضربة على عاتقه طرح يده فتعلقت بجلده من جنبه وترك معاذ أبا جهل ، وأجهضه القتال فقاتل عامة يومه وإنه يسحب يده خلفه بجلده منه ، فلما آذته وضع عليها قدمه حتى طرحها ، وعاش بعدها بلا يد حتى كان زمن عثمان . مر معوذ بْن عفراء بأبي جهل وهو مروح فضربه حتى أثر فيه وتركه وبه رمق . ثم مر عَبْد اللَّه بْن مسعود فوجده بآخر رمق فعرفه فوضع رجله على عاتقه ثم قال : أخزاك اللَّه يا عدو اللَّه ! قال : وبما ذا أخزاني هل إلا رجل قتلتموه ، أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ فقال ابن مسعود : لله ولرسوله ، ولما رآه أبو جهل قد وطئ عنقه قال له : لقد ارتقيت يا رويع الغنم مرتقى صعبًا ، فاحتز عَبْد اللَّه رأسه ثم جاء به فقال : يا رسول اللَّه ، هذا رأس عدو اللَّه أبي جهل ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّه الذي لا إله غيره ؟ " فقال : ابن مسعود : نعم ، والله الذي لا إله غيره ، فحمد اللَّه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك ، وكان عَبْد الرحمن بْن عوف صديقًا لأمية بْن خلف بمكة : أرغبت عن اسم سماك أبوك ؟ فيقول : نعم ، فيقول أمية ، فإني لا أعرف الرحمن ، فاجعل بني وبينك شيئًا أدعوك به ، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف ، فقال له عَبْد الرحمن : قل ما شئت ، قال : فأنت عَبْد الإله ، فكان يسميه بمكة عَبْد الإله . فمر به عَبْد الرحمن بْن عوف في المعركة وهو واقف ومعه ابنه ، ومع عَبْد أدرع يحملها ، فلما رآه بْن خلف قال : عَبْد عمرو ، فلم يجبه عَبْد الرحمن ، قال : يا عبد الإله ، فقال : نعم ، فقال : أنا خير لك من هذه الأدرع التي معك ، فقال عَبْد الرحمن : نعم والله هو الذي إذًا ، فطرح عَبْد الرحمن الأدرع وأخذ بيده ويد ابنه ، فقال له أمية بْن خلف : يا عَبْد الإله ، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال : ذلك حمزة بْن عَبْد المطلب ، فقال : ذلك الذي أفعل الأفاعيل ، فبينما عَبْد الرحمن يقودهما إذ رآهما بلال فقال : رأس الكفر أمية بْن خلف ، لا نجوت إن نجا ، فقال عَبْد الرحمن : أي بلال ، أسيري ، فقال : لا نجوت إذا نجا ، فقال عَبْد الرحمن : أتسمع يابن السوداء ، قال : لا نجوت إن نجا ، ثم صرخ بأعلى صوته : يا أنصار اللَّه ، رأس الكفر أمية بْن خلف ، لا نجوت إن نجا ، فأحط به المسلمون وعبد الرحمن يذب عنه ، فخالف رجل بالسيف فضرب رجل ابنه فوقع ، فقال عَبْد الرحمن ، انج بنفسك ، فوالله ما أغني عنك شيئًا ، فعلاهم المسلمون بأسيافهم حتى فرغوا منهما . فكان عَبْد الرحمن يقول بعد ذلك : يرحم اللَّه بلالا ، أذهب أدرعي وفجعني بأسيري ، وأسر أبو اليسر كعب بْن عمرو العباس بْن عَبْد المطلب وأوثقه ، فبات رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الليلة ساهرًا ، فقيل له فقال : " سمعت حنين العباس في وثاقه ، فأطلق من وثاقه " ، فقال المسلمون : يا رسول اللَّه ! عليك بالعير ليس دونها شيء ، فناداه وهو أسير : لا يصلح ، فقال ، رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ولم ؟ " قال : لأن اللَّه وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك . ثم قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسلمين : ما تقولون في هؤلاء ؟ فقال أبو بكر : يا رسول اللَّه ! قومك وأهلك استبقهم واستأنهم ، لعل اللَّه أن يتوب عليهم ، وقال عمر : كذبوك وأخرجوك قدمهم فاضرب أعناقهم ، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي سورة إبراهيم آية 36 الآية ، وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال : رَبِّ لا تَذَرْ على الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا سورة نوح آية 26 الآية " . ثم نادى منادي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من أسر أم حكيم فليخل سبيلها فإن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمنها ، كان أسرها رجل من الأنصار وكتفها بذوابتها ، فلما سمع منادي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . . ثم أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقليب فطرح فيه جيف المشركين ، ثم وقف عليهم فقال : " يا أهل القليب ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا ، " فقال المسلمون : يا رسول اللَّه ، تنادى قومًا قد ماتوا ؟ ! فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لئن كنتم تسمعونها لقد سمعوها " . ثم قام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرضهم ثلاثًا . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالفتح إلى أهل المدينة ، فبعث عَبْد اللَّه بْن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية ، وزيد بْن حارثة إلى أهل السافلة ، فقدم زيد المدينة والناس يسوون على ابنة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رقية التي كانت تحت عثمان ، فكان عثمان استأذن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التخلف عن بدر ليقيم على امرأته رقية وهي عليلة ، فأذن له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك وضرب له بسهمه وحده ، فلما فرغوا من دفنها أتاهم الخبر بفتح المسلمين ، فجاء أسامة بْن زيد أباه وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس وهو يقول : قتل عتبة بْن ربيعة ، وشيبة بْن ربيعة ، وأبو الحكم بْن هشام ، وزمعة بْن الأسود ، والعاص بْن هشام ، فقال : يا أبتاه ، أحق هذا ؟ ! فقال : نعم ، يا بني ، فقال المنافقون : ما هذا إلا أباطيل ، فلم يصدقوه ؟ حتى جيء بهم مصفرين مغللين . وكان أول من قدم مكة من قريش بالخبر بمصابهم الحيسمان بْن جابس بْن عَبْد اللَّه المدلجي ، فقيل له : ما وراءك ؟ فقال : قتل عتبة بْن ربيعة ، وشيبة بْن ربيعة ، وأبو الحكم بْن هشام ، وأمية بْن خلف ؛ فقال صفوان بْن أمية بْن خلف : والله إن يعقل هذا بما يقول فسلوه عني ، فقال : ما فعل صفوان بْن أمية ؟ قال : ها هو ذلك جالس في الحجر ، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا . ثم قدم أبو سفيان بْن الحارث بْن عَبْد المطلب مكة ، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر ، وبعث مكانه العاص بْن هشام ، فلما رأى أبو لهب أبا سفيان بْن الحارث مقبلا قال : هلم يا ابن أخي ! فعندك الخبر ، فجلس إليه والناس قيام عليهما ، فقال : يا ابن أخي ! وكيف كان أمر الناس ؟ قال : لا شيء والله ، إن هو إلا لقينا القوم فمنحناهم أكتافنًا حتى قتلونا كيف شاءوا ، وأسرونا كيف شاءونا ، وايم اللَّه مع ذلك ما لمت الناس لأنا لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض ، والله لا يقوم له شيء ، فعاش أبو لهب بعد هذا الخبر سبعة أيام ، ورماه اللَّه بالعدسة فمات ، فدفنوه بأعلى مكة ، وكانت قريش لا تبكي على قتلاها مخافة أن يبلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه فيشمتوا بهم . ولما وقع بأيدي المسلمين ما وقع من المشركين ، اختلفوا فكانوا ثلاثًا : فقال الذين جمعوا المتاع : قد كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفل كل امرئ ما أصاب . وقال الذين كانوا يطلبون العدو : والله ، لولا نحن ما أصبتموه ، ونحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم . وقال الحرس الذين كانوا يحرسون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخافة أن يخالف إليه العدو : والله وما أنتم أحق به منا ، لو أردنا أن نقبل العدو حين منحونا أكتفاهم وأن نأخذ المتاع حين لم يكن أحد دونه فعلنا ، ولكنا خفنا على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كرة العدو فقمنا دونه ، فما أنتم بأحق به منا . وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم : " من صنع كذا فله كذا " ، فتنازعوا في ذلك شباب الرجال وبقيت الشيوخ تحت الرايات ، فلما كان القائمون جاءوا يطلبون الذي جعل لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا ، فإنا كنا وراءكم وكنا تحت الرايات ، ولو أنا كشفنا لكشفتم إلينا ، فتنازعوا فأنزل اللَّه تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ إلى آخر السورة ، فانتزع اللَّه ذلك من أيديهم وجعله إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فولى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغنائم عَبْد اللَّه بْن كعب المازني . ثم رحل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بدر بعد ثلاث يريد المدينة وحمل الأسارى معه ، فلما انحدر من بدر إذا بطلحة بْن عبيد اللَّه وسعيد بْن زيد قد أقبلا من الحوران ، فضرب لهما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسهميهما وأجرهما ، فلما بلغ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصفراء ، وبينهما وبين المدينة ثلاث ليال ، أمر بقتل النضر بْن الحارث وكان أسيرًا ، قتله علي بْن أبي طالب ، فلما بلغ عرق الظبية قتل عتبة بْن أبي معيط ؛ فقال عتبة لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من للصبية يا مُحَمَّد ؟ ! فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " النار " . ثم قسم الغنائم بين الناس بالصفراء ، وبين الصفراء وبين بدر سبعة عشر ميلا ، قسمها على من حضر بدرًا وأخذ سهمه مع المسلمين . ثم إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقبل إلى المدينة قبل الأسارى بيوم ثم قدم بالأسارى يوم الثاني ، فلما بلغوا الروحاء لقيهم المسلمون يهنئونهم بفتح اللَّه عليهم ، فقال سلمة بْن سلامة بْن وقش : ما الذي تهنئون به ، والله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن المعلقة ننحرها ، فتبسم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال : " يابن أخي ! أولئك الملأ من قريش " . ثم قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للعباس بْن عَبْد المطلب : " افد نفسك وبني أخيك عقيل بْن أبي طالب ونوفل بْن الحارث ، وحليفك عتبة بْن عمر أحد بني الحارث بْن فهر ، فإنك ذو مال ، فقال : يا رسول اللَّه ! إني كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّه أعلم بإسلامك ، إن يكن ما تذكر حقًا فالله يجزيك بذلك ، فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك " . وقد كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ منه عشرين أوقية من ذهب ، فقال العباس : يا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فأحسبها من فدائي ، قال : لا ، ذاك شيء أعطانا اللَّه منك " ، فقال العباس : فإنه ليس لي مال ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث فليس معكما أحد فقلت لها : إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ، ولقثم كذا ، ولعبد اللَّه كذا ؟ " ، قال : فوالذي بعثك بالحق ، ما علم بهذا أحد من الناس غيري وغيرها ، وإني لأعلم أنك رسول اللَّه . ثم بعث قريش في فك الأسارى جبير بْن مطعم إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقتل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قتل منهم وفادى منهم ، ومن لم يكن له مال من عليهم ، وفادى من كل من العرب فيهم بأربعين أوقية ، من كان منهم من الموالي بعشرين أوقية في غزوة بدر ، ونزلت : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا سورة الأنفال آية 68-69 ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس من قبلكم ، وذلك أن اللَّه جل وعلا رأى ضعفكم فطيبها لكم ، وكانت الغنائم فيما قبل تنضد فتجيء النار فتأكلها " .