← الثقات لابن حبان
الثقات لابن حبان
#18 مقبول 1 : 79 ☰ السنة الثالثة من الهجرة
A− A+

18 أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى أَبُو يَعْلَى بِالْمَوْصِلِ ° ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ ° ، ثنا سُفْيَانُ ° ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ° ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ° ، يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ " ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَأْذَنُ لِي أَقُولُ شَيْئًا ؟ قَالَ : " بَلَى " ، فَأَتَاهُ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا سَأَلَنَا صَدَقَةً فِي أَمْوَالِنَا ، قَالَ وَأَيْضًا : وَاللَّهِ . . . ، قَالَ : فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ ، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ ، قَالَ : فَارْهَنُوا نِسَاءَكُمْ ؟ قَالُوا : كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَكُنْتَ أَجْمَلَ الْعَرَبِ ؟ قَالَ : فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ ، قَالُوا : كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا ؟ تُسَبُ الدَّهْرَ وَتُعَيَّرُ ، فَيُقَالُ : رَهَنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ ، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ ، أَيِ : السِّلاحَ ، فَأَتَاهُ وَمَعَهُ أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، وَأَبُو نَائِلَةَ ، فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : إِنِّي مُحْبِسٌ رَأْسَهُ ، وَمُمْسِكُهُ ، فَإِذَا قُلْتُ اضْرِبُوا فَاضْرِبُوا ؛ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَمَسَّ وَقَالَ : مَا أَطْيَبَكَ ، وَمَا أَطْيَبَ رِيحَكَ ، قَالَ : عِنْدِي فُلانَةٌ ، وَهِيَ أَعْظَمُ نِسَاءِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَمَسَّ رَأْسَهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ ، قَالَ لَهُمْ : اضْرِبُوهُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ ، فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ

قَالَ : خرج كعب بْن الأشرف إلى مكة فقدمها ووضع رحله عَبْد المطلب بْن أبي وداعة السهمي ، وجعل ينشد الأشعار ، ويحرض الناس على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويبكى على قتلى بدر من أصحاب القليب ، ثم رجع إلى المدينة ؛ فبلغ ذلك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : من لكعب بْن الأشرف ، فإنه قد آذى اللَّه ورسوله ؟ فقال مُحَمَّد بْن مسلمة : أنا إن تأذن أن أقول ، يريد كذبا في الحرب ، فأذن له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فخرج مُحَمَّد بْن مسلمة ومعه أربعة نفر : أبو عبس بْن جبر ، وعباد بْن بشر بْن وقش ، وأبو نائلة سلكان بْن سلامة بْن وقش ، والحارث بْن أوس بْن معاذ ابْن أخي سعد بْن معاذ ، فانتهوا إلى كعب بْن الأشرف ، وهو في أطم من آطام المدينة ، فقال له مُحَمَّد بْن مسلمة : إن محمدا يأخذ صدقة أموالنا ، وأراد المال منه ، ثم قال له : أتيتك أستسلفك فأرهن السلاح ، ثم جاء يغمر رأسه ، فلما استمكن منه ضربه ، وضربوه حتى قتل ، واحتزوا رأسه ، وجاءوا به إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة قرقرة الكدر ، حامل لواءه علي بْن أبي طالب ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، ثم رجع ولم يلق كيدا . ثم زوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم كلثوم ابنته الأخرى من عثمان بْن عفان في أول شهر ربيع الأول ، ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة بذي أمر في شهر ربيع الأول ، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذا أمر ، عسكر به ذا من غطفان ، أصاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطر قبل ثوبه ، ثم نزع ثيابه فعلقها على شجرة ليستجفها ، ونام تحتها ، فقالت غطفان لدعثور بْن الحارث وكان شجاعا : تفرد مُحَمَّد من أصحابه وأنت لا تجد أخلى منه الساعة ؛ فأخذ سيفا صارما ، ثم انحدر ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضطجع ينتظر جفوف ثيابه ، فلم يشعر إلا بدعثور بْن الحارث واقف على رأسه بالسيف وهو يقول : من يمنعك مني يا مُحَمَّد ؟ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّه ، ودفعه جبريل في صدره ، فوقع السيف من يده ؛ فأخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السيف ، ثم قام على رأسه ، وقال : من يمنعك مني ؟ قال : لا أحد ، فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قم فاذهب لشأنك ، فلما ولى ، قال : أنت خير نبي يا مُحَمَّد ، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنا أحق بذلك منك " ؛ فلما سمعت الأعراب من غطفان برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحقت بذي الجبال ، فلما أعجزوه رجع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة . وولد السائب بْن يزيد بْن أخت نمر . وغزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر جمادى الأولى بحران معدن بناحية الفرع ، ثم رجع رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يلق كيدا . ثم كانت سرية الفردة ، وذلك أن قريشا قالت : قد عور علينا مُحَمَّد متجرنا وهو على طريقنا ، وإن أقمنا بمكة أكلنا رءوس أموالنا ؛ فقال أبو زمعة بْن الأسود بْن المطلب : أنا أدلكم على رجل يسلك بكم طريقا ينكب عن مُحَمَّد وأصحابه ، لو سلكها مغمض العينين لاهتدى ، فقال صفوان بْن أمية : من هو ؟ قال : فرات بْن حيان العجلي ، وكان دليلا ؛ فاستأجره صفوان بْن أمية ، وخرج بهم في الشتاء وسلك بهم على ذات عرق ، ثم على غمرة . فلما بلغ الخبر إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث زيد بْن حارثة في جمادى الأولى فاعترض العير فظفر بها ، وأفلت أعيان القوم ، وأسر فرات بْن حيان العجلي ، وكان له مال كثير وأواقي من فضة ؛ فقسم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغنائم على من حضر الواقعة ، وأخذ الخمس عشرين ألفا ، وأطلق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرات بْن حيان ، فرجع إلى مكة . ثم تزوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفصة بنت عمر بْن الخطاب ؛ قال عمر بْن الخطاب : لما تأيمت حفصة لقيت عثمان بْن عفان فعرضتها عليه فقال : إن شئت زوجتك حفصة ، قال : سأنظر في ذلك . فمكث ليال ، ثم لقيني فقال : بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا . قال عمر : فلقيت أبا بكر فقلت له : إن شئت زوجتك حفصة ، فصمت أبو بكر ولم يرجع إلى بشيء ، فكنت على أبي بكر أوجد مني على عثمان . ثم مكثت ليال فخطبها إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنكتحها إياه ، فلقيني أبو بكر فقال : لعلك وجدت في نفسك ، فقلت : نعم ، فقال أبو بكر : لم يمنعني أن أراجع إليك فيها بشيء إلا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كان ذكرها ، فلم أكن أفشي سره ، ولو تركها قبلتها . ثم تزوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب بنت خزيمة من بني هلال التي يقال لها : أم المساكين ودخل بها حيث تزوجها في أول شهر رمضان ، وكانت قبله تحت الطفيل بْن الحارث فطلقها . ثم ولد الحسن بْن علي بْن أبي طالب في النصف من شهر رمضان ، وعق عنه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين ، وحلق رأسه ، وأمر أن يصدق بوزن شعره فضة على الأوقاص من المساكين . ثم كانت غزوة أحد ، وذلك أن أبا سفيان لما رع بعيره إلى مكة ، قال عَبْد اللَّه بْن أبي ربيعة المخزومي ، وعكرمة بْن أبي جهل ، ورجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر : يا معشر قريش ! إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ؛ فأعينونا على حربه لعلنا أن ندرك منه بعض ما أصاب منا . فاجتمعت قريش على المسير إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل مكة ، وغيرها ، وخرجوا معهم بالظعن ؛ فخرج أبو سفيان بْن حرب بهند بنت عتبة بْن ربيعة أم معاوية ، وخرج عكرمة بْن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بْن هشام ، وخرج الحارث بْن هشام بفاطمة بنت الوليد بْن المغيرة ، وخرج صفوان بْن أمية ببرة ابنة مسعود بْن عمرو وهي أم عَبْد اللَّه بْن صفوان ، وخرج عمرو بْن العاص بريطة ابنة منبه بْن الحجاج السهمي وهي أم عَبْد اللَّه بْن عمرو ، وخرج طلحة بْن أبي طلحة بسلافة بنت سعد بْن شُهَيد ، أحد بني عروة بْن عوف ، مع نسوة غيرهن ودعا جبير بْن مطعم غلامه وحشيا فقال : إن قتلت عم مُحَمَّد حمزة بعمي طعيمة بْن عدي فأنت عتيق . فخرجت قريش تريد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة على شفير الوادي مما يلي المدينة ، وهم ثلاثة آلاف رجل معهم من الخيل مائتا فرس ، ومن الظعن خمسة عشر امرأة ؛ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سمع بهم : إني رأيت فيما يرى النائم في ذباب سيفي ثلمة ، ورأيت بقرة نحرت ، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فتأولتها المدينة ، وكره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخروج إليهم . فقال عَبْد اللَّه بْن أبي بْن سلول : يا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! لا تخرج إليهم ، فواللَّه ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا ، وما دخلها علينا إلا أصبناه ، فقال رجال من المسلمين ممن كان فاتهم بدر : يا رسول اللَّه ! اخرج بنا إلى أعداء اللَّه لا يرون أنا جبنا عنهم أو ضعفنا ، فقال : عَبْد اللَّه بْن أبي : يا رسول اللَّه ! أقم ، فإن أقاموا بشر مجلس ، وإن دخلوا علينا قاتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم . فلم يزل برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلبس لأمته ، ثم خرج عليهم ، وقد ندم الناس وقالوا : استكرهنا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يكن لنا ذلك ، ثم قالوا : يا رسول اللَّه ! استكرهناك ولم يكن لنا ذلك ، إن شئت فاقعد صلى اللَّه عليك ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل . فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شوال يوم السبت في ألف رجل ، واستخلف على المدينة ابْن أم مكتوم ، وصلى المغرب بالشيخين في طرف المدينة ، وقد قيل بالشوط . ثم عرض المقاتلة فأجاز من أجاز ورد من رد ، فكان فيمن رد : زيد بْن ثابت ، وعبد اللَّه بْن عمر ، وأسيد بْن ظهير ، والبراء بْن عازب ، وعرابة بْن أوس الحارثي ، وأبو سعيد الخدري . وأجاز : سمرة بْن جندب ؛ وأما رافع بْن خديج فإن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استصغره فقام على خفين ، وتطاول على أطرافه ، فلما رآه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجازه . وكان دليل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو حثمة الحارثي ، فقال عَبْد اللَّه بْن أبي لمن معه : أطاعهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعصاني ، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا معه ، أيها الناس ! ارجعوا ؛ فعزل من العسكر ثلاثمائة رجل ممن تبعه ، ورجع بهم المدينة . ومضى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبعمائة رجل وسلك حرة بني حارثة ، ثم نزل حتى مضى بالشعب من أحد في عدوة الوادي ، وجعل ظهره إلى أحد ، وقال : لا يقاتلن أحد حتى آمره . ثم أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الرماة عَبْد اللَّه بْن جبير ، أحد بني عمرو بْن عوف ، وهم خمسون رجلا ، وقال : انضح عنا الخيل لا يأتونا من خلفنا إن كانت علينا أو لنا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك . ثم ظاهر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في درعين ، وأعطى اللواء علي بْن أبي طالب ، وقال : من يأخذ مني هذا السيف بحقه ، قال أبو دجانة سماك بْن خرشة : وما حقه يا رسول اللَّه ؟ قال : تضرب به في العدو حتى ينحني ، فقال : يا رسول اللَّه ! أنا آخذه بحقه ؛ فأعطاه إياه . وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء يعصب بها رأسه ، فإذا رأوا ذلك علموا أنه سيقاتل ؛ فأخذ السيف من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخرج عصابة فعصب بها رأسه ، ثم أخذ يتبختر بين الصفين ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنها لمشية يبغضها اللَّه إلا في هذا الموطن " . وتعبأت قريش وجعلوا على ميمنة الخيل خالد بْن الوليد ، وعلى ميسرتها عكرمة بْن أبي جهل ، وقال أبو سفيان بْن حرب لأصحابه : إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا مالوا ؛ فإما أن تكفونا لواءنا ، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه ؛ فهموا به وتواعدوه ، وقالوا : نحن نسلم إليك ، ستعلم كيف نصنع ! وجاءت هند بنت عتبة والنسوة اللواتي معها يحرضنهم على القتال وتقول فيما تقول : إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وأول من خرج من المشركين أبو عامر عمر بْن أمية في الأحابيش ، وقال : يا معشر الأوس ! أنا أبو عامر ، قالوا : فلا أنعم اللَّه بك عينا ! ثم راضخ المسلمين بالحجارة وقاتلهم قتالا شديدا ، وقاتل أبو دجانة في رجال من المسلمين حتى حميت الحرب ، وأنزل اللَّه النصر وكشفهم المسلمون ، عن معسكرهم وكانت الهزيمة عليهم ؛ فلم يكن بين أخذ المسلمين هندا وصواحبها إلا شيء يسير ، وقتل علي بْن أبي طالب طلحة وهو حامل لواء قريش ، وأبا الحكم بْن الأخنس بْن شريق ، وعبيد اللَّه بْن جبير بْن أبي زهير ، وأمية بْن أبي حذيفة بْن المغيرة ، وأخذ اللواء بعد طلحة أبو سعد ، فرماه سعد بْن أبي وقاص فقتله ، وبقى اللوء صريعا لا يأخذه أحد ، فتقدم رجل من المشركين يقال له صواب فأخذ اللواء وأقامه لقريش ، فكر المسلمون عليه حتى قطعوا يديه ، ثم قتل وصرع اللواء ؛ فلما رأى الرماة الذين خلف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن المشركين قد انهزموا وتركوا ؛ تركوا مصافهم يريدون النهب ، وخلوا ظهور المسلمين للخيل ، وأتاهم المشركون من خلفهم ، وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل ! فانكشف المسلمون فصاروا بين قتيل ، وجريح ، ومنهزم حتى خلص العدو إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصيبت رباعيته ، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ؟ ! ثم قام زياد بْن السكن في خمسة من الأنصار ، فقاتلوا دون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا رجلا حتى قتلوا ، وكان آخرهم زياد بْن السكن فأثبتته الجراحة ، وجاء المسلمون فأجهضوهم عنه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادنوه مني ، فوسده قدمه حتى مات في حجره . وترس أبو دجانة دون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنفسه ، فكانت النبل تقع في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثرت فيه النبل . وقاتل مصعب بْن عمير دون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قتل ، أصابه بْن قميئة الليثي وهو يظن أنه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم رجع إلى قريش وقال قتلت محمدا . والتقى حنظلة بْن أبي عامر وأبو سفيان ، فاستعلى حنظلة أبا سفيان بالسيف ، فلما رآه ابْن شعوب أن أبا سفيان قد علاه حنظلة بالسيف ضربه فقتله ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن صاحبكم لتغسله الملائكة . وخرج حمزة بْن عَبْد المطلب فمر به سباع بْن عَبْد العزى الخزاعي ، وكان يكنى أبا نيار ، فقال : هلم يا ابن مقطعة البظور ! فالتقيا فضربه حمزة فقتل ، ثم جعل يرتجز ومعه سيفان إذ عثر دابته فسقط على قفاه وانكشف الدرع عن بطنه ؛ فانتزع وحشي حربته فهزها ورماها فبقر بها بدنه ، ثم أخذ حربته وتنحاه . وقد انتهى أنس بْن النضر عم أنس بْن مالك إلى عمر بْن الخطاب ، وطلحة بْن عبيد اللَّه ، ورجال من المهاجرين والأنصار قد أسقطوا ما في أيديهم وألقوا بايديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ ! قوموا فموتوا على ما مات عليه ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ووجد فيه سبعون ضربة بالسيف والرمح . وكان أول من عرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث كانت الهزيمة كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر ، فناديت بصوتي : يا معشر المسلمين ! أبشروا ، فهذا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فلما عرف المسلمون رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهضوا إليه فيهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، والحارث بن الصمة ، فكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يناول النبل سعدا ، ويقول : " ارم فداك أبي وأمي " . ثم أدرك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبي بن خلف ، وهو يقول : يا محمد ! لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ! أيعطف عليه رجل منا ؟ فقال : دعوه ! فلما دنا تناول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتفض بها انتفاضة ، ثم استقبله وطعنه بها فمال عن فرسه ، وقد كان أبي بن خلف يلقى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة ، فيقول : إن عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه ، فيقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بل أنا أقتلك إن شاء الله " . فرجع أبي بن خلف إلى المشركين وقد خدشته حربة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خدشا غير كبير ، فقال : قتلني والله محمد ، فقالوا : ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس ، فقال : إنه قد كان يقول بمكة : " إني أقتلك " ، والله لو بصق علي لقتلني ، فمات بسرف وهم قافلون إلى مكة . فانتهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن معه من أصحابه إلى الشعب ، ومر علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس وجاء بها إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأراد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شربه فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه ، وقال : " اشتد غضب الله على من دمّى وجه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . ثم نهض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الصخرة ليعلوها ، فلما ذهب لينهض لم يستطع ذلك ، فجالس طلحة تحته فنهض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى استوى على الصخرة . ثم قال : " أوجب طلحة الجنة " . وكانت هند واللاتي معها جعلن يمثلن بالقتلى من أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجدعن الآذان والآناف ، حتى اتخذت هند قلائد من آذان المسلمين وآنفهم ، وبقرت عن كبد حمزة فلاكته فلم تستطعه فلفظته ، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بشعر أكره ذكره . فقتل من المسلمين سبعون رجلا في ذلك اليوم منهم أربعة من المهاجرين ، وكان المسلمون قتلوا اليمان أبا حذيفة وهم لا يعرفونه ، فأمرهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يخرجوا ديته . وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا . ثم إن أبا سفيان أراد الانصراف فصرخ بأعلى صوته : الحرب سجال أعلُ هبل ، يوم بيوم بدر ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ناحية : " الله أعلى وأجل لا سواء ! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار " . فقال أبو سفيان : يا عمر أنشدك الله أقتلنا محمدا ؟ فقال : اللهم لا ! وإنه ليسمع كلامك ، فقال : أنت أصدق عندي من ابن قميئة ولكن موعدكم بدر ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هو بيننا وبينكم " . رحل أبو سفيان بالمشركين ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي بن أبي طالب : " اخرج في آثار القوم فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة ، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأنجزتهم ! " ، فخرج في آثارهم فأراهم قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة ، فرجع إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره . وفرغ الناس لقتلاهم ، وخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلتمس حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ، ومثل به فوقف عليه ، وقال : " لولا أن تحزن صفية أن تكون سنة بعدي ما غيبته ، ولتركته حتى يكون في بطون السباع والطير ، ولئن أظهرني الله عليهم لأمثلن " . فأنزل الله : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا سورة النحل آية 126 الآية ، ثم أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسجى ببردة . ثم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع ، أفي الأحياء هو أم في الموات " ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا يا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فنظره فوجده جريحا في القتل وبه رمق ، فقال له : إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات ، فقال : أنا في الأموات ، أبلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عني السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول جزاك الله عنا خير ما جزى نبي عن أمته ، وأبلغ قومك السلام ، وقل لهم : إن سعدا يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ، ثم مات . فجاء إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبره . واحتمل الناس قتلاهم ، فأمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدفنوهم حيث صرعوا بدمائهم ، وأن لا يغسلوا ، ولا يصلى عليهم . فكان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ويقول : " أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ " فإذا أشير إليه بأحدهما قدمه في اللحد ، وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ، قال : انظروا عمرو بن الجموح ، وعبد الله بن عمرو فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد . ثم قال صلى الله عليه وسلم : إن الله جعل أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مشربهم ، ومأكلهم ، وسقياهم ، قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع ربنا بنا " . فأنزل الله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة آل عمران آية 169 الآية ، وكان ابن عمير لم يترك إلا بردة واحدة ، فكانوا إذا غطوا رأسه بدت رجلاه ، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " غطوا رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر " . ثم قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة بمن معه من المسلمين ، فمر بدار من دور الأنصار فسمع البكاء على قتلاهم ، فقال : " لكن حمزة لا بواكي له " . فلما سمع سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير أمرا نساء بني عبد الأشهل أن يذهبن فيبكين على عم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما سمع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : " اجعل " . ثم ناول علي بن أبي طالب سيفه فاطمة ، وقال : اغسلي عن هذا دمه ، فوالله لقد صدقني اليوم ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة " . فلما كان ثاني يوم أحد أذن مؤذن رسول صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب القوم ، فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وقال : " لا يخرج معنا إلا من حضر يومنا بالأمس " . وكان أكثر أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جرحى ، فمر على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معبد بن أبي معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتهامة ، فقال : والله يا محمد لقد عز علينا ما أصابك ، ولوددنا أن الله كان أعفاك منهم . ثم خرج فلحق أبا سفيان بالروحاء ومن معه من قريش وقد أزمعوا الرجوع إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد توامروا بينهم وقالوا : رجعنا قبل أن نصطلم أصحاب محمد نرجع فنكر على بقيتهم ، فلما رأى أبو سفيان معبدا مقبلا ، قال : " ما وراءك يا معبد " . قال : محمد قد خرج في أصحابه في طلبكم في جمع لم أر مثله يتحرقون عليكم تحرقا ، قال : ويلك ما تقول ! والله لقد أجمعنا للكرة على أصحابه لنصطلمهم ، قال : فإني والله أنهاك عن ذلك بهم ! عليكم من الجود بشيء ما رأيته بقوم على قوم قط ، فساءه ذلك . ومر بأبي سفيان ركبة من عبد القيس ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة ، قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة ، قال : فأخبروا محمدا أنا قد أجمعنا الكرة عليه وعلى أصحابه لنصطلمهم . ثم رحل أبو سفيان راحلا إلى مكة ؛ ومر الركب برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبروه بما قال أبو سفيان ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون : " حسبنا الله ونعم الوكيل " . فأنزل الله جل وعلا في ذلك : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ سورة آل عمران آية 172 ، إلى قوله : وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ سورة آل عمران آية 174 ، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم ، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ سورة آل عمران آية 175 الآية ، فأقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحمراء الأسد ثلاثا ثم انصرف إلى المدينة .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد