23 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى التَّمِيمِيُّ ° بِالْمَوْصِلِ ، ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ ° ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ° ، عَنْ قَتَادَةَ ° ، وَثَابِتٍ ° ، وَحُمَيْدٍ ° ، عَنْ أَنَسٍ ° ، قَالَ : غَلا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا ، فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ الْمُسَعِّرُ الرَّزَّاقُ ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلا مَالٍ "
قَالَ : في أول هذه السنة غلا السعر على المسلمين ، فأتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسعر لهم ، فكره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك ، ثم قال : " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللَّه إخوانا " ، ثم قال : " لا يسوم الرجل على سوم أخيه ، ولا حاضر لباد ، دعو الناس يرزق بعضهم من بعض " . ثم طلق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سودة بنت زمعة ، فقعدت له على طريقه بين المغرب والعشاء ، ثم قالت : يا رسول اللَّه ! ارجعني فوالله ما بي حب الرجال ، لكني أحب أن أحشر في أزواجك ويومي لعائشة ، فردها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم توفيت زينب بنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غسلتها سودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية زوجتا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غالب بْن عَبْد اللَّه الليثي سرية إلى بني ليث في بضعة عشر رجلًا ، فقتل مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم ، وساق نعمهم ، ومواشيهم إلى المدينة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرو بْن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجليد بعمان ، فصدقا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقرا بما جاء به ، وصدق عمرو بْن العاص أموالهم ، وأخذ الجزية من المجوس . ثم صالح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنذر بْن ساوي العبدي ، وكتب إليه كتابًا مع العلاء بْن الحضرمي : " بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المنذر بْن ساوي ، سلام عليك ، فإني أَحْمَد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإن كتابك جاءني ورسلك ، وأنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فإنه مسلم ، له ما للمسلم ، وعليه على المسلم ، ومن أبى فعليه الجزية " ، فصالحهم العلاء بْن الحضرمي على المجوس الجزية ، لا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح نساؤهم . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعب بْن عمير الغفاري سرية في خمسة عشر رجلًا حتى انتهى إلى ذات أطلاح من ناحية الشام قريبًا من مغار ، وكانوا من قضاعة ، فوجد بها جمعًا كثيرًا فدعاهم إلى الإسلام ، فأبوا أن يجيبوا وقتلوا أصحاب كعب جميعًا ، ونجا هو بنفسه حتى قدم المدينة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شجاع بْن وهب سرية إلى بني عامر قبل نجد في أربعة وعشرين رجلًا ، فأغار عليهم فجاءوا نعمًا وشاء ، فكانت سهمانهم بعيرًا ، ونفلهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعيرًا بعيرًا . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد بْن حارثة إلى مؤتة ناحية الشام ، فأوصاه بمن معه من المسلمين خيرًا ، وقال : " إن أصيب زيد فجعفر بْن أبي طالب على الناس ، وإن أصيب جعفر فعبد اللَّه بْن رواحة على الناس " ، وتجهز الناس معه فخرج معه قريبًا من ثلاثة آلاف من المسلمين ، ومضى حتى نزل معان من أرض الشام ، فبلغهم أن هرقل ، قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم ، فشجع الناس عَبْد اللَّه بْن رواحة ، وقال : يا قوم ! والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم من أجلها ، الشهادة ، ولا نقاتل الناس بعدد ولا قوة ، نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا اللَّه به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور ، وإما شهادة ، فقال : الناس قد والله صدق ابن رواحة ؛ ثم رحلوا ، فلما كانوا بالقرب من بلقاء لقيهم جموع هرقل في الروم ، فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة ، فتعبأ لهم المسلمون وجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عذرة يقال له : قطبة بْن قتادة ، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار من بني سعد بْن هريم يقال له : عبادة بْن مالك ، ثم التقى الناس فاقتتلوا قتالًا شديدًا ، فقاتل زيد بْن حارثة براية رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قتل ، ثم أخذها جعفر ، فقاتل بها حتى ألحمه القتال ، فاقتحم عن فرسه السقراء وعرقبها ، وقاتل حتى قتل ، وفيه اثنتان وسبعون ما بين ضربة بالسيف ، وطعنة بالرمح ، ثم أخذ عَبْد اللَّه بْن رواحة الراية ، وتقدم بها ، وهو على فرسه فقاتل حتى قتل ، وأخذ الراية ثابت بْن أقرم ، وقال : يا معشر المسلمين ! اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا : أنت ، قال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بْن الوليد ، فأخذ خالد الراية ، ودافع القوم ، وحاشى بهم ، ثم انصرف بالناس ، فنعى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس جعفر بْن أبي طالب ، وزيد بْن حارثة ، وعبد اللَّه بْن رواحة قبل أن يجيء خبرهم ، ثم قال : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اصنعوا لآل جعفر طعامًا ، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم " ، وقدم خالد بْن الوليد بالمسلمين فتلقاهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون والصبيان يحثون على الجيش التراب ، ويقولون : أفررتم في سبيل اللَّه ، ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " ليسوا بالفرارين ولكنهم الكرارون " ، ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرو بْن العاص إلى ذات السلاسل وهم قضاعة ، وكانت أم العاص بْن وائل قضاعية ، فأراد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتألفهم بذلك فخرج في سراة المهاجرين والأنصار ، ثم استمد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأبي عبيدة عامر بْن الجراح على المهاجرين ، والأنصار فيهم أبو بكر وعمر ، فلما اجتمعوا واختلف أبو عبيدة وعمرو بْن العاص في الإمامة ، فقال المهاجرون : أنت أمير أصحابك ، وأبو عبيدة أميرنا ، فأبى عمرو بْن العاص ، وقال : أنتم لي مدد ، فقال أبو عبيدة : إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لي : " إذا قمت على أصحابك فتطاوعا " ، وإنك إن عصيتني لأطيعنك ، فأطاعه أبو عبيدة بْن الجراح ، وكانوا يصلون خلف عمرو بْن العاص ، وفيها صلى بهم وهو جنب ، فلما قدم على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبره الخبر ، فقال عمرو : لقيت من البرد شدة ، وإني لو اغتسلت خشيت الموت ، فضحك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال عمرو : يا رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال اللَّه : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ سورة النساء آية 29 الآية . وفي هذا الشهر كتب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى خزاعة بْن بديل ، وبشر ، وسروات بني عمرو يدعوهم إلى اللَّه ويعرض عليهم الإسلام . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا قتادة سرية إلى غطفان في ستة عشر رجلًا ، فبيتوهم وأصابوا نعمًا وشياه ، ورجعوا إلى المدينة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا عبيدة بْن الجراح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار قبل جهينة وزودهم جراب تمر ، فأصابهم جوع شديد ، وكان أبو عبيدة يعطيهم جفنة جفنة ، ثم أعطاهم تمرة تمرة ، ثم ضرب لهم البحر بدابة يقال لها العنبر فأكلوا منها شهرًا ، ثم أخذ أبو عبيدة ضلعًا فنصبه فمر راكب البعير تحته ؛ فلما رجعوا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبروه ، فقال : " هو رزق رزقتموه من اللَّه هل عندكم منه شيء ؟ " ، وسمى هذا الجيش جيش الخبط ، وذلك أنهم جاعوا فكانوا يأكلون الخبط حتى صارت أشداقهم كأشداق الإبل . ثم استشار عمر بْن الخطاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لي أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه : فما تأمرني ، قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فحبس عمر أصلها وتصدق بها ، لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء والغرباء ، وما بقي أنفق في سبيل اللَّه وابن السبيل ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف وأن يعطي طريفًا عنه غير متمول فيه . ثم إن بكر بْن عَبْد مناة بْن كنانة خرجت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة فقاتلوا ، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك ، قال : للمسلمين : " كأنكم بأبي سفيان قد قدم لتجديد العهد بيننا " ، وكان بديل بْن ورقاء بالمدينة فخرج إلى مكة راجعًا ، فلما بلغ عسفان لقيه أبو سفيان ، وكانت قريش قد بعثته إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتجديد العهد ، فقال له أبو سفيان : من أين أقبلت يا بديل ؟ قال : سرت إلى خزاعة ، قال : جزت بمحمد ؟ قال : لا ، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، طوته ، فقال : يا بنيتي ، ما أدري أرغبت بهذا الفراش عني أم رغبت بي عنه ؟ قالت : هذا فراش رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنت رجل مشرك ، نجس فلم أحب أن تجلس على فراش النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم خرج أبو سفيان حتى أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكلمه ، فلم يرد عليه شيئًا ، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : ما أنا بفاعل ، ثم خرج حتى أتى عمر فكلمه ، فقال عمر : أنا أشفع لكم إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم بهم ، ثم خرج أبو سفيان حتى دخل على علي بْن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعندها الحسن ابنها يدب ، فقال : يا علي ! إنك أمس القوم بي رحمًا ، وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت ، اشفع لي إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : ويحك يا أبا سفيان ، لقد عزم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فالتفت إلى فاطمة فقال : هل لك أن تأمري ابنك هذا أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ، قالت : ما بلغ ذلك ابني أن يجير بين الناس ، قال يا أبا الحسن : إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، ما تنصح لي ؟ قال : والله ما أعلم شيئًا يغني عنك ، ولكن قم فأجر بين الناس ، والحق بأرضك ، قال : وترى ذلك يغني عني شيئًا ؟ قال : والله ما أدرى ! فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ، ثم خرج . فلما قدم على قريش مكة ، قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدًا فكلمته ، قال : فوالله ما رد على بشيء ، ثم جئت ابْن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا ، ثم جئت ابْن الخطاب فوجدته أعدى العدو ، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم وقد أشار علي برأي صنعته ، فوالله ما أدرى هل يغنيني شيئًا أم لا ؟ قالوا : وبماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت ، قالوا : فهل أجاز مُحَمَّد ذلك ؟ قال : لا ، قالوا : ويحك ! والله إن زاد علي بْن أبي طالب على أن لعب بك ، والله ما يغني عنك ما فعلت . ثم عزم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المسير إلى مكة ، وأمرهم بالجد والتهيؤ ، وقال : " اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش " ، فلما صح ذلك منه ومن المسلمين كتب حاطب بْن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبر بالذي قد أجمع عليه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم أعطاه امرأة من مزينة وجعل لها على أن تبلغه قريشًا فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت وأخبر اللَّه رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما فعل حاطب ، فبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بْن أبي طالب ، والزبير بْن العوام ، وقال : " أدركا امرأة من مزينة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قدمنا عليه " ، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة فاستنزلا والتمسا في رحلها ، فلم يجدا شيئًا ، فقال لها علي : إني أحلف بالله أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كذب ولا كذبنا ، إما أن تخرجي الكتاب وإلا نكشفنك ! فلما رأت الجد قالت : أعرض عني ، فأعرض عنها علي ، فحلت قرون رأسها واستخرجت الكتاب فدفعته إليه ، فجاء به رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فدعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حاطبًا فقال : " يا حاطب ، ما حملك على هذا " ؟ قال : يا رسول اللَّه ! والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة ، وكان لي بينهم أهل وولد ، فقال عمر : دعني أضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وما يدريك يا عمر ! لعل اللَّه قد اطلع يوم بدر إلى أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " . ثم خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة ، واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم بْن حصين بْن عبيد بْن خلف الغفاري ، وذلك لعشر مضين من رمضان ، فصام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصام المسلمون ، ومع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلاف من المسلمين ، ولم يعقد الأولوية ولا نشر الرايات ، فلما بلغ الكديد ، والكديد ما بين عسفان وأمج ، أفطر وأفطر المسلمون ، وقد كان عيينة بْن حصن الفزاري لحق رسول اللَّه بالعَرْج ولحقه الأقرع بْن حابس التميمي في نفر من أصحابهما ، فقال عيينة : يا رسول اللَّه ! والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإجرام ، فأين تتوجه ؟ قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حيث شاء اللَّه " ، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر الظهران ، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يدرون ما هو فاعل ؟ خرج أبو سفيان بْن حرب ، وحكيم بْن حزام ، وبديل بْن ورقاء يتجسسون الأخبار وينظرون هل يرون خبرًا أو يسمعون به ، فقال العباس بْن عَبْد المطلب : يا صباح قريش ! والله لئن دخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنوة قبل أن يأتوه فاستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر ، فركب العباس بغلة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البيضاء ، ومضى عليها حتى أتى الأراك ، وقال : هل أجد بعض الحطابة ، أو صاحب لبن ، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول اللَّه ليخرجوا إليه ويستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة ؟ فبينما هو يسير إذ سمع كلام أبي سفيان وهو يقول : والله ما رأيت كالليلة نيرانًا قط وعسكرًا ، فقال بديل بْن ورقاء : هذه والله نيران خزاعة ، فقال أبو سفيان : خزاعة والله ألأم وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ؛ فلما عرف العباس صوتهم ، قال يا أبا حنظلة ، فعرف أبو سفيان صوته ، فقال : أبو الفضل ، قال : نعم ، قال : ما لك ؟ قال : فداك أبي وأمي ، ويحك يا أبا سفيان ، هذا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : واصباح قريش ، قال : فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ قال العباس : أما والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فركب أبو سفيان خلف العباس ، ورجع صاحباه إلى مكة ، فكلما مر العباس بنار من نيران المسلمين ، قالوا : من هذا ؟ وإذا رأوه ، قالوا : بغلة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعباس عليها عمه ، فلما مر بنار عمر بْن الخطاب قال : من هذا ؟ وقام إليه ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة ، قال : أبو سفيان عدو اللَّه ؟ الحمد لله الذي أمكن منك من غير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وركض العباس بالبغلة فسبقه إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فاقتحم العباس على باب القبة ، ودخل على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ودخل عليه عمر بْن الخطاب ، فقال : يا رسول اللَّه ! هذا أبو سفيان قد أمكن اللَّه منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني أضرب عنقه ، فقال العباس : يا رسول اللَّه ! إني قد أجرته ، ثم جلس العباس إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأكثر عمر في شأن أبي سفيان ، فقال العباس : مهلًا يا عمر ، أما والله لو كان من رجال بني عدي بْن كعب ما قلت هذا ؟ ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عَبْد مناف ، فقال عمر : مهلًا يا عباس ، فواللَّه لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إسلام الخطاب ، فقال رسول اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اذهب به يا عباس إلى رحلك ، إذا أصبحت فأتني به " ، فذهب به العباس إلى رحله فبات عنده ، فلما أصبح غدا به إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلما رآه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللَّه ؟ " ، قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وأكرمك ، وأوصلك ! والله لقد ظننت أن لو كان مع اللَّه غيره لقد أغنى شيئًا ، قال : " ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللَّه ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه فإن في النفس منها شيئًا حتى الآن ، فقال العباس ، ويحك ، أسلم قبل أن يضرب عنقك ، فتشهد أبو سفيان شهادة وأسلم ، فقال العباس : يا رسول اللَّه ! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر ، فاجعل له شيئًا ، قال : نعم " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن " ، فلما أراد أبو سفيان أن ينصرف قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود اللَّه فيراها " ، فخرج به العباس فحبسه حيث أمر به رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة ، قال أبو سفيان : من هؤلاء يا عباس ؟ فيقول العباس : سليم ، فيقول أبو سفيان : ما لي ولسليم ، ثم مرت به القبيلة ، فقال : من هؤلاء ؟ فقال العباس : مزينة ، قال : ما لي ولمزينة ، حتى مرت القبائل لا تمر به إلا سأله عنها ، فإذا أخبره ، قال : ما لي ولبني فلان ، حتى مر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخضراء ، كتيبة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها المهاجرين والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، قال : سبحان اللَّه يا عباس من هؤلاء ؟ قال : هذا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المهاجرين والأنصار ، قال : ولا حد بها ولا قبل ولا طاقة يا أبا الفضل ، لقد أصبح ملك ابْن أخيك الغداة عظيمًا ، فقال العباس : يا أبا سفيان ! إنه لنبوة ! قال : فنعم إذًا ، قال العباس : أرحلك إلى قومك ، فخرج أبو سفيان حتى إذا دخل مكة صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا مُحَمَّد قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به وقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمش ، فقال أبو سفيان : لا يغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا : قبحك اللَّه ، وما تغني دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد . ولما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذا طوى فرق جنوده ، فبعث عليا من ثنية المدنيين ، وبعث الزبير من الثنية التي تطلع على الحجون ، وبعث خالد بْن الوليد من الليط ، وأخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طريق أذاخر ، أمرهم أن لا يقاتلوا أحدًا إلا من قاتلهم ، فبلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن صفوان بْن أمية ، وعكرمة بْن أبي جهل ، وعبد اللَّه بْن زمعة ، وسهيل بْن عمرو قد جمعوا جماعة من القريش ، والأحابيش بالخندمة ليقاتلوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلقيهم خالد بْن الوليد بمن معه من المسلمين ناوشوهم ، فقتل منهم خالد بْن الوليد ثلاثة وعشرين رجلًا وهو معهم ، وقتل من المشركين كرز بْن جابر الفهري فمن ههنا اختلف الناس في فتح مكة عنوة كان أم صلحًا . فلما بلغ أبا قحافة قدوم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة ، قال لابنة له من أصغر ولده : أي بنيتي اظهري بي على ظهر قبيس ، وكان نظره قد كف إذ ذلك ، فقال : أي بنية ما ترين ، قالت : أرى سوادًا مجتمعًا ، قال : تلك الخيل ، ثم قالت : والله قد انتشر السواد ، فقال : والله لقد دفعت الخيل سرعى إلى بيتي ، فانحبطت به وتلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته . ودخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أذاخر مكة على رأسه مغفر من حديد عليه عمامة سوداء ، ولم يلق أحد من المسلمين قتالًا إلا ما كان من خالد بْن الوليد ، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بقتل ستة أنفس من المشركين قبل قدومهم إلى مكة ، وقال : " أي موضع رأيتم هؤلاء فاقتلوهم " : عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح ، وعبد اللَّه بْن خطل رجل من بني تميم بْن غالب ، والحويرث بْن نقيذ بْن وهب بْن عَبْد بْن قصي ، ومِقْيَس بْن صبابة الليثي ، وسارة مولاة كانت لبعض بني عَبْد المطلب . فأما عَبْد اللَّه بْن سعد بْن أبي سرح ففر إلى عثمان بْن عفان ، وكان أخاه من الرضاعة ، فغيبه عثمان حتى أتى به رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستأمنه . وأما الحويرث بْن نقيذ فقتله علي بْن أبي طالب . وأما ابن خطل فتعلق بأستار الكعبة يلوذ بها ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقتلوه فقتله سعيد بْن الحريث المخزومي ، وأبو برزة تحت الأستار ، اشتركا في دمه . وأما مقيس فقتله نميلة بْن عَبْد اللَّه . ثم قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يقتل قرشي صبرًا بعد اليوم " ، ونزل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأبطح وضرب لنفسه فيه قبة ، وجاءته أم هانئ بنت أبي طالب فوجدت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغتسل في جفنة فيها أثر العجين ، وفاطمة ابنته تستر بثوب ، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ، ثم انصرف إليها ، فقال : مرحبًا وأهلًا بأم هانئ ، ما جاء بك ، قالت : رجلان من أصهاري من بني مخزوم وقد أجرتهما ، وأراد علي قتلهما ، وكانت أم هانئ تحت هبيرة بْن أبي وهب المخزومي ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أجرنا من أجرت يا أم هانئ " . ثم إن عمير بْن وهب قال : يا رسول اللَّه ! إن صفوان بْن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر فآمنه ، قال : " هو آمن " ، قال : يا رسول اللَّه ! أعطني شيئًا يعرف به أمانك ، فأعطاه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمامته التي دخل بها مكة ، فخرج عمير بها حتى أدرك صفوان بْن أمية بجدة وهو يريد أن يركب البحر ، فقال : يا صفوان ! فداك أبي وأمي ! أذكرك اللَّه في نفسك أن تهلكها ! فهذا أمان من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جئتك به ، قال : ويلك ، أغرب عني ، قال : أي صفوان ! فداك أبي وأمي أوصل الناس ، وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير ابْن الناس ابْن عمتك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عزه عزك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك ، قال صفوان : ويلك إني أخاف على نفسي فأعطاه العمامة ، وخرج به معه ، فلما وقف على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول اللَّه ! هذا زعم أنك قد آمنتني ، قال : صدق ، قال : فاجعلني بالخيار شهرين ، قال : أنت بالخيار أربعة أشهر . ثم جاء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وطاف بالبيت سبعًا على بعيره يستلم الركن بمحجنه ، ثم طاف بين الصفا والمروة ، ثم دعا عثمان بْن طلحة الحجبي مفتاح الكعبة وفتحه ، ثم دخله وصلى فيه ركعتين بين الإسطوانتين بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع ، ثم خرج فوقف على بابها وهو يقول : " لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت ، وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا ، فيه الدية مغلظة مائة ناقة منها أربعون في بطونها أولادها ، يا معشر قريش ! إن اللَّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية ، وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب ، ثم تلا هذه الآية : يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ سورة الحجرات آية 13 الآية ، ثم قال : يا أهل مكة ! ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرًا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، ثم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء " ، فقام إليه علي بْن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ، فقال : يا رسول اللَّه ! اجعل الحجابة مع السقاية فلتكن إلينا جميعًا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أين عثمان بْن طلحة الحجبي " ؟ فدعاه فقال : " هل لك مفتاحك " فدفعه إليه . فلما كان الغد من فتح مكة ، عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك ، فقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطيبًا ، فقال : " أيها الناس ! إن اللَّه حرم مكة خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى يوم القيامة ، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ، ثم قال : إن اللَّه حبس عن مكة الفيل ، وسلك عليها رسوله وإنها لم تحل لأحد قبلي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وإنها لا تحل لأحد بعدي ، لا ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا يحل ساقطتها إلا لمنشد " ، فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إلا الإذخر " . وكانت أم حكيم بنت الحارث بْن هشام تحت عكرمة بْن أبي جهل ، وفاختة بنت الوليد تحت صفوان بْن أمية فلما أسلمتا ، قالت أم حكيم لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسألته أن يستأمن عكرمة فآمنه ، وقد كان خرج إلى اليمن فلحقته باليمن حتى جاءت به ، وأسلم عكرمة وصفوان فأقرهما رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندهما على النكاح الأول الذي كانا عليه . ثم أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل من كان في بيته صنم أن يكسره ، فكسروا الأصنام كلها ، وكسر خالد بْن الوليد العزى ببطن نخلة وهدم بيته ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تلك العزى لا تعبد أبدًا " ، وكسر عمرو بْن العاص سواع ، ثم قال للسادن : كيف رأيت ؟ قال : أسلمت لله . وكسر بْن زيد الأشهلي المناة بالمشلل . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حول مكة الناس يدعون إلى اللَّه ، ولم يأمرهم بقتال ، وكان ممن بعث خالد بْن الوليد وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيًا ، ولم يبعثه مقاتلًا ، ومعه سليم ومدلج وقبائل من غيرهم ؛ فلما نزلوا بغميصاء ، وهي من مياه بني جذيمة ، وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بْن عَبْد أبا عَبْد الرحمن بْن عوف ، والفاكه بْن المغيرة كانا أقبلا تاجرين من اليمن حتى إذا نزلا بهم قتلوهم وأخذوا أموالهم ، فلما كان الإسلام بلغ خالد بْن الوليد إليهم ، ورآه القوم أخذوا السلاح ، فقال لهم خالد : ضعوا السلاح فإن القوم أسلموا فوضع القوم السلاح لقول خالد ، فلما وضعوها أمر بهم خالد فكتفوا ، ثم عرضهم على السيف ، فلما انتهى الخبر إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع يديه إلى السماء ، وقال : " اللهم أبرأ إليك مما صنع خالد بْن الوليد " ، ثم دعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بْن أبي طالب ، فقال : " يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم وانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك " ، فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعثه به رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم ودى لهم الدماء ، وما أصيب من الأموال حتى لم يبق لهم شيء من دم ولا مال إلا وداه ، وبقيت معه بقية ، فقال لهم علي : بقي لكم من دم أو مال لم يود إليكم ؟ قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطًا لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما لا يعلم ولا تعلمون ، ففعل . ثم رجع إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره ، قال : " أصبت " . ثم إن هوزان لما سمعت بجمع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودخوله مكة اجتمعت مع ثقيف ، وجُشَم ، وسعد بْن بكر ، وكان في بني جشم دريد بْن الصمة ، وهو شيخ كبير ليس فيه إلا التيمن برأيه وبعلمه بالحرب ، وفي ثقيف قارب بْن الأسود بْن مسعود ، وفي بني بكر سبيع بْن الحارث ، وكان جماع أمر الناس إلى مالك بْن عوف ، فأجمع مالك بالناس على المسير إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فساروا حتى إذا أتوا بأوطاس ومعه الأموال ، والأبناء ، والنساء فقال دريد بْن الصمة : بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس ، قال : نعم مجال الخيل ! لا حزن ولا سهل دهس ، ما لي أسمع رغاء الإبل ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء ؟ قالوا : ساق مالك بْن عوف بأوطاس مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ؟ فقال : أين مالك ؟ فقيل : هذا مالك . فقال دريد : يا مالك ! إنك أصبحت رئيس قومك ، وإن هذا يوم له ما بعد من الأيام ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، فقال مالك : سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم ، قال : ولم ؟ قال : أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم فأنقض به ، فقال : وهل يرد القوم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ، ما فعلت كعب وكلاب ؟ قال مالك : لم يشهد منهم أحد ، قال : غاب الحد والجد ، لو كان علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب ، يا مالك ! لا تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا ، ارفعهم في متمنع بلادهم وعليا قومهم ، ثم ألق الصباء على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد احرزت مالك ، وأهلك ، قال : تلك والله لا أفعل ، لتطيعنني يا معشر هوازن ! أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري ، وكره أن يكون فيها لدريد ذكر ورأي ؛ قالوا : أطعناك ، فقال مالك : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدوا عليهم شد رجل واحد . وجاء الخبر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعث عَبْد اللَّه بْن أبي حدرد الأسلمي ، فدخل في الناس فأقام فيهم حتى سمع وعلم من كلام مالك وأمر هوازن ما كان وما اجمعوا له ، ثم أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره . فأجمع على المسير إلى هوازن وقيل لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن عند صفوان بْن أمية أدراعًا ، فأرسل إليه ، فقال : " يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلقى فيها عدونا " ، فقال : صفوان : أغصبا ؟ قال : لا ، بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك ، قال : ليس بهذا بأس ، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح ، وسأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكفيه حملها ، فحملها صفوان لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحاب الذين فتح اللَّه بهم مكة ، واستعمل على مكة عتاب بْن أسيد بْن أبي العيص بْن أمية أميرا . وكان مقامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة ، فبينا الناس مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسيرون إذا مروا بسدرة ، قال أبو قتادة الليثي : يا رسول اللَّه ! اجعل هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط ، وكان للكفار سدرة يأتونها كل سنة ويعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون عليها ويذبحون عندها ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه : " الله أكبر ! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل : اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ سورة الأعراف آية 138 ، لتركبن سنن من قبلكم " . فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وادي حنين وانحدر المسلمون في الوادي قرب الصبح وهو واد أجوف ، وقد كمن المشركون لهم في شعابه ومفارقه فأعدوا للقتال ، فبينا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينحدر والمسلمون بالوادي إذ اشتدت عليهم الكتائب من المشركين ، شد رجل واحد ، وانهزم المسلمون راجعين لا يعرج أحد ، وانحاز رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات اليمين ، ثم قال : " أين ؟ أيها الناس هلموا أنا رسول اللَّه ، أنا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه " ، واحتملت الإبل بعضها بعضا ومع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رهط من المهاجرين والأنصار وأهل بيته ، فلما رأى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس لا يعطفون على شيء ، قال : " يا عباس ، اصرخ يا معشر الأنصار ! يا أصحاب السمرة ! " فنادى العباس ، وكان امرأ جسيما شديد الصوت : يا معشر الأنصار ! يا أصحاب السمرة ! فأجابوا لبيك لبيك ، وكان الرجل من المسلمين يذهب ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك ، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ، ثم يأخذ سيفه وترسه ، ثم يقتحم عن بعيره فيخلي سبيل بعيره ، ويؤم الصوت حتى ينتهي إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حتى اجتمع على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مائة رجل ، واستقبلوا الناس وقاتلوا ، وكانت الدعوة أول ما كانت يا للأنصار ! ثم جعلت أخيرا ، فقالوا : يا للخروج ! وكانوا صبرا عند الحرب . فأشرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ركابه ونظر إلى مجتلد القوم ، فقال : " الآن حمى الوطيس " ، وإذا رجل من هوازن على جمل أحمر في يده راية سوداء ، وفي رأسه رمح طويل أمام الناس ، وهوازن خلفه ، فإذا أدرك طعن برمحه ، وإذا فاته رفعه لمن وراءه ، ويتبعونه ، فأهوى إليه علي بْن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه ، فأتاه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ، وثبت الأنصار على الرجل فضربوه ضربة أطنّ بها قدمه بنصف ساقه واختلف الناس ، وكان شعار المهاجرين يومئذ يا بني عَبْد الرحمن ، وشعار الخزرج يا بني عَبْد اللَّه ، وشعار الأوس يا بني عبيد اللَّه . وكانت أم سليم بنت ملحان مع زوجها أبي طلحة ، فالتفت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي حازمة وسطها ، ومعها جمل أبي طلحة ، فقالت : بأبي أنت وأمي يا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك ، كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أو يكفي اللَّه يا أم سليم ! " ، وإنها يومئذ لحبلى بعبد اللَّه بْن أبي طلحة ومعها خنجر ، فقال لها أبو طلحة : ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت : خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجت بطنه ، فقال أبو طلحة : يا رسول اللَّه ! ألا تسمع ما تقوله أم سليم ؟ ورأى أبو قتادة رجلين يقتتلان مسلم ومشرك فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه ، فأتاه أبو قتادة فضرب يده فقطعها فاعتنقه المشرك بيده الثانية وصدره ، فقال أبو قتادة : والله ما تركني حتى وجدت ريح الموت فلولا أن الدم تزفه يقتلني ، فسقط وضربته فقتلته ، ثم انهزم المشركون وأخذ المسلمون يكتفون الأسارى ؛ فلما وضعت الحرب أوزارها قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من قتل قتيلا فله سلبه " ، فقال رجل من أهل مكة : يا رسول اللَّه ! لقد قتلت قتيلا ذا سلب ، وأجهضني عنه القتال فلا أدرى من سلبه ، فقال رجل من أهل مكة : يا رسول اللَّه ! أنا سلبته فأرضه مني عن سلبه ، فقال أبو بكر الصديق : أيعمد إلى أسد من أسد اللَّه يقاتل عن اللَّه تقاسمه سلبه ؟ ! رد عليه سلبه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صدق أبو بكر ، رد عليه سلبه " ، فرد عليه . قال أبو قتادة : فبعته فاشتريت به مخرفا في المدينة ، لأنه أول مال تأثلته في الإسلام . وكان على راية الأحلاف من ثقيف يوم حنين قارب بْن الأسود ، فلما رأى الهزيمة أسند رايته إلى شجرة وهرب ، وكان على راية بني مالك ذو الخمار ، فلما قُتِلَ أخذها عثمان بْن عَبْد اللَّه وأقامها للمشركين ، فقتل عثمان وانحاز المشركون منهزمين إلى الطائف ، وعسكر بعضهم بأوطاس . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخيول في آثارهم ، فأدرك ربيعة بْن رفيع دريد بْن الصمة وهو في شجار على راحلته فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة ، فلما أناخه إذا شيخ كبير ، وإذا هو دريد ، ولا يعرفه الغلام فكان ربيعة غلاما ، قال دريد : ما ذا تريد بي ؟ قال : أقتلك ، قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربيعة بْن رفيع السلمي ، وضربه ربيعة بسيف فلم يقدر شيئا ، فقال له دريد : بئس ما أسلحتك أمك ! خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار ، ثم اضرب وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال ، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بْن الصمة بسيفه . ثم أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسبايا والأموال فجمعت بالجعرانة ، وبعث في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري ، فأدرك الناس بعض من انهزم فساروا يرمون كل من لقوه ، ورمى أبا عامر بسهم فقتل ، وأخذ برايته بعده أبو موسى فقاتلهم ففتح له وهزمهم اللَّه . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الطائف وفيها مالك بْن عوف ، وقد عسكر جماعة من المشركين ، وعلى مقدمة خيل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالد بْن الوليد ، فرأى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة مقتولة ، فقال : " من قتل هذه ؟ " قال : خالد بْن الوليد ، فقال لرجل : " أدرك خالدا ، وقل له : يقول لك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تقتلوا امرأة ولا ولدا ولا عسيفا " ، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطائف نزل قريبا ، فلم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطا ، فضرب معسكره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند مسجده بضع عشرة ليلة ، وأمر بقطع أعنابهم ، وقاد رجلا من هذيل من بني ليث ، وهو أول دم أقيد في الإسلام ، ثم نصب المنجنيق على حصنهم حتى فتحه اللَّه عليه ، وكان في أيامه يقصر الصلاة . وقد كان مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مولى لخالته فاختة بنت عمرو بْن عائذ يقال له ماتع مخنث يدخل على نساء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسمعه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول لخالد بْن الوليد : يا خالد ! إن فتح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غدا فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان ، فإنها تقبل بأربع ، وتدر بثمان ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هذا يفطن لما سمع به " ، ثم قال : " لنسائه لا يدخلن عليكن " ، فحجب عن بيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم انصرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الطائف إلى الجعرانة ، فقال له سراقة بْن جعشم المدلجي : يا رسول اللَّه ! ترد الضالة حوضي فهل فيه أجر إن أنا سقيتها ؟ فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " في كل كبد حرَّى أجر " . ونهى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن وطأ الحبالى حتى يضعن . وبينما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعد بالجعرانة ومعه ثوب وقد أظل به معه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي ، عليه جبة ، متضمخ بطيب فقال : يا رسول اللَّه ! كيف ترى برجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب ؟ وإذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخمر الوجه يغط ، فلما سرى عنه قال : أين الذي سألني عن العمرة آنفا ؟ فأتى به ، فقال : " أما الطيب فاغسله عنك ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك " ، وقسم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغنائم بالجعرانة بين المسلمين ، فأصاب كل رجل أربعا من الأبل وأربعين شاة ، ومن كان فارسا أخذ سهمه ، وسهمي فرسه ، ثم أخذ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبرة من سنام بعيره ثم قال : " أيها الناس ! إني ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط ، فإن الغلول يكون على أهله نارا وشنارا يوم القيامة ، فجاءه رجل من الأنصار بكُبَّة خيوط من شعر قال : يا رسول اللَّه ! أخذت هذه الكبة أخيط بها بردعة بعير لي ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أما نصيبي منها فلك " ، فقال : أما إذا بلغت هذه فلا حاجة لي فيها . ثم أسلم مالك بْن عوف ، وقال : يا رسول اللَّه ! ابعثني أضيق على ثقيف ، فاستعمله رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من أسلم من قومه من تلك القبائل ومن تبعه من بني سليم ، فكان يقاتل ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليهم . ثم جاء وفد هوازن راغبين في الإسلام بعد أن قسم لهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السبي ، فأسلموا . ثم أعطى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤلفة قلوبهم تألفا ، فأعطى حويطب بْن عَبْد العزى مائة من الأبل ، وأعطى الأقرع بْن حابس مائة من الأبل ، وأعطى صفوان بْن أمية مائة من الأبل ، وأعطى حكيم بْن حزام مائة من الأبل ، وأعطى مالك بْن عوف مائة من الأبل ، وأعطى عباس بْن مرداس السلمي شيئا دونهم ، فقال فيه أبياتا ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، فقال قائل الأنصار : ألا إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قد لقي قومه ! فانطلق سعد بْن عبادة فدخل على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : يا رسول اللَّه ! الأنصار قد وجدوا في أنفسهم مما رأوك صنعت في هذه العطايا ، قال : " فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ " قال : ما أنا إلا رجل من قومي ، قال : " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة " ، فخرج سعد فنادى في قومه : إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمركم أن تجتمعوا في هذه الحظيرة ، فقاموا سراعا ، وقام سعد على باب الحظيرة فلم يدخلها إلا رجل من الأنصار ، وقد رد أناسا ، ثم أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : هذه الأنصار قد اجتمعت لك ، فخرج إليهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " يا معشر الأنصار ! ما مقالة بلغتني عنكم أكثرتم فيها ، ألم تكونوا ضلالا فهداكم اللَّه ؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم اللَّه ؟ ألم تكونوا أعداء فألف اللَّه بينكم ؟ " قالوا : بلى ، قال : " أفلا تجيبونني ؟ " قالوا : إليك المن والفضل ، قال : " أما والله لو شئتم لقلتم وصدقتم : جئتنا طريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك ، وعائلا فآسيناك ، ومكذبا فصدقناك ، أوجدتم في أنفسكم من لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتم إلى إيمانكم ؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة ، والبعير وتذهبون برسول اللَّه إلى رحالكم ، فوالذي نفس مُحَمَّد بيده ! لو سلك الناس واديا ، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار إن الأنصار كرشي عيبتي ، اللهم اغفر للأنصار ، وأبناء الأنصار ، ولأبناء أبناءهم ! " ، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا : رضينا بالله وبرسوله حظا وقسما ونصيبا ؛ ثم تفرق الأنصار . وفي هذه المقالة قال ذو الخويصرة : يا رسول اللَّه ! اعدل ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شقيت إن لم أعدل " . ثم علقت الأعراب برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسألونه حتى ألجأوه إلى شجرة عظيمة وخطفت رداءه ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ردوا على ردائي ، فوالذي نفس مُحَمَّد بيده ! لو كانت عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني كذوبا ، ولا جبانا ، ولا بخيلا " . ثم خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الجعرانة معتمرا فاعتمر منها فبات بالجعرانة ، واستخلف على مكة عتاب بْن أسيد أميرا ، وخلف معه معاذ بْن جبل يفقه الناس ويعلمهم القرآن ، وكانت هذه العمرة في ذي القعدة . ثم خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الجعرانة يريد المدينة ، فسلك في وادي سرف حتى خرج على سرف ، ثم مر على الظهران حتى قدم المدينة في بقية ذي القعدة . ثم تزوج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاطمة بنت الضحاك بْن سفيان الكلابية ، فاستعاذت من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال لها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قد عذت بعظيم الحقي بأهلك " ، وفارقها . وحج بالناس عتاب بْن أسيد . وولد إبراهيم بْن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مارية القبطية في ذي الحجة ، فوقع في قلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه شيء ، فجاء جبريل عليه السلام فقال : السلام عليك يا إبراهيم ! فسرى عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وتنافست نساء الأنصار فيه أيتهن ترضعه ، فدفعه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أم بردة بنت المنذر بْن زيد وزوجها بْن مبذول ، فكانت ترضعه ، وحلق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه يوم السابع وتصدق بوزن شعره فضة على المساكين ، وعق عنه بكبشين وعاش ستة عشر شهرا .
-
المدار · المدار
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم …
صحابي
- حميد بن تيرويه ثقة مدلس
- ثابت بن أسلم ثقة
- قتادة بن دعامة بن قتادة بن عز… ثقة ثبت مشهور ب…