22 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ ° ، نا ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ ° ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، أنا مَعْمَرٌ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ° مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ ، قَالَ : انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ ، جَاءَ بِهِ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ ، قَالَ : هَلْ هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي ، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ ، فَقَالَ : قُلْ لَهُمْ : إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : وَاللَّهِ ، لَوْلا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثِرُوا عَنِّي كَذِبًا لَكَذَبْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ : سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ ؟ قُلْتُ : هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ ، قَالَ : فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ ؟ فَقُلْتُ : لا ، قَالَ : فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ ؟ قُلْتُ : لا ، قَالَ : مَنْ يَتْبَعُهُ ، أَشْرَافُ النَّاسِ ، أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ ، قَالَ : فَهَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلْ يَزِيدُونَ ، قَالَ : فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لا ، قَالَ : فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ ؟ قُلْتُ : يَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ ، قَالَ : فَهَلْ يَغْدِرُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لا ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا ، قَالَ : وَاللَّهِ فَمَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ ، قَالَ : فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ ؟ قُلْتُ : لا . ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ : قُلْ لَهُ : إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ ، قُلْتَ : إِنَّهُ ذُو حَسَبٍ ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا ، وَسَأَلْتُكَ : هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مُلْكٌ ، فَزَعَمْتَ أَنْ لا ، فَقُلْتُ : إِنْ كَانَ فِي آبَائِهِ مُلْكٌ ، قُلْتُ : رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ ، ضُعَفَاءُ النَّاسِ أَمْ أَشْرَافُهُمْ ، قُلْتَ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ ؟ فَزَعَمْتُ أَنْ لا ، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَّعِيَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ فَيَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا ، فَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ ، وَسَأَلْتُكَ : هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالٌ ، تَنَالُونَ مِنْهُ وَيَنَالُ مِنْكُمْ ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ ، وَسَأَلْتُكَ : هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ أَحَدٌ ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا ، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَمُّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ ، ثُمَّ سَأَلْتُكَ : بِمَا يَأْمُرُكُمْ ، قُلْتَ : بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ ، قَالَ : إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ . فَقَالَ : ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهُ ، فَإِذَا فِيهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى قَوْلِهِ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ سورة آل عمران آية 64 ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ، ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلامَ
قال : في أول هذه السنة كتب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الملوك ، وبعث إليهم يدعوهم إلى اللَّه ، فقيل : إنهم لا يقرءون كتابًا إلا بخاتم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتمًا من فضة نقش فيه مُحَمَّد رسول اللَّه ليختم به الصحف ، فكان يلبسه تاره في يمينه ، وتارة في يساره ، فبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن حذافة السهمي إلى كسرى بكتاب فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ليدفعه إلى عظيم البحرين إلى كسرى ، وبعث دحية بْن خليفة الكلبي إلى قيصر ، وهو هرقل ملك الروم ، وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم بصرى ، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل . وبعث حاطب بْن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية . وبعث عمرو بْن أمية الضمري إلى أصحم بْن أبحر النجاشي . وبعث شجاع بْن وهب الأسدي إلى المنذر بْن الحارث بْن أبي شمر الغساني صاحب دمشق . وبعث عامر بْن لؤي إلى هوذة بْن علي الحنفي صاحب اليمامة ؛ فأما كسرى فمزق كتاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما بلغه ذلك : مزق اللَّه ملكه ، إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده . وأما قيصر فسأل أبا سفيان عما سأل ، ثم قرأ كتاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم خلا بدحية الكلبي ، وقال : إني أعلم أن صاحبكم نبي مرسل ، وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا ، ولكن أخاف الروم على نفسي ولولا ذاك لاتبعته ، ولكن اذهب إلى ضغاطر الأسقف فاذكر له أمر صاحبكم وانظر ماذا يقول ، فجاء دحية وأخبره مما جاء به من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هرقل ، وبما يدعو إليه ، فقال ضغاطر : صاحبك والله نبي مرسل نعرفه بصفته ، ونجده في كتابنا باسمه ، ثم دخل فألقى ثيابًا كانت عليه سوداء ولبس ثيابًا بيضاء ، ثم أخذ عصاه وخرج على الروم وهم في الكنيسة فقال للروم : إنه قد أتانا كتاب من أَحْمَد يدعو فيه إلى اللَّه ، وإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن مُحَمَّد عبده ورسوله ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وضربوه حتى قتلوه ؛ فرجع دحية إلى هرقل : وأخبره الخبر ، قال : قلت لك : إنا نخافهم على أنفسنا ، فضغاطر كان والله أعظم عندهم وأجوز قولًا مني . وأما النجاشي فكان كتابه : " من مُحَمَّد رسول اللَّه إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة : سلم أنت ، فاني أَحْمَد إليك اللَّه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، وأشهد أن عيسى روح اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ، ونفخه ، كما خلق آدم بيده ونفخه ، وإني أدعوك إلى اللَّه وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرًا ومعه نفر من المسلمين ، فدع التجبر ، فإني أدعوك إلى اللَّه ، وقد بلغت ونصحت فاقبل نصيحتي ، والسلام على من اتبع الهدى " . فقرأ النجاشي الكتاب وكتب جوابه إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بسم اللَّه الرحمن الرحيم إلى مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النجاشي الأصحم بن أبجر ، سلام عليك يا نبي اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته من اللَّه الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام ، أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول اللَّه فيما ذكرت من أمر عيسى ، فورب السماء والأرض أن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا ، إنه كما قلت ، ولقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه ، وأشهد أنك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صادقًا مصدقًا وقد بايعتك وبايعت ابْن عمك ، وأسلمت على يديه لله رب العالمين وبعثت إليك بابني أرها بْن الأصحم ، فاني لا أملك إلا نفسي ، وإن شئت أن آتيك يا رسول اللَّه فعلت ، فإني أشهد أن ما تقوله حق ، والسلام عليك يا رسول اللَّه ؛ فخرج ابنه في ستين نفسًا من الحبشة في سفينة البحر ، فلما توسطوا ولججوا أصابتهم شدة وغرقوا كلهم . وأما المقوقس فأهدى إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع جوار فيهن مارية القبطية أم إبراهيم ابْن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكذلك سائر الملوك أهدى إليه الهدايا ، فقبلها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كان يقبل الهدية ويثيب عليها . ثم كانت غزوة خيبر . خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بقية المحرم إلى خيبر ، واستعمل على المدينة سباع بْن عُرْفَطة الغفاري ، وقدم عينًا له ليجيئه بالخبر ، وأخرج من نسائه أم سلمة ، وخرج على الأموال بجيشه فلا يمر بمال إلا أخذه ويقتل من فيه ويفتتحها حصنًا حصنًا ، فأول ما أصاب منها حصن ناعم ، ثم حصن الصعب بْن معاذ ، ثم حصن القموص ؛ فلما افتتح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى حصنهم الوطيح والسلالم ، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أصبح قومًا أو غزا لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانًا أمسك ، وإن لم يسمع أذانًا أغار ؛ فلما أصبح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استقبلهم عمال خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والجيش قالوا مُحَمَّد والله ، والخميس ، وأدبروا هرابًا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّه أكبر اللَّه أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " ، فخرج مرحب اليهودي من الحصن يرتجز ويطلب البراز ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من لهذا ؟ فقال مُحَمَّد بْن سلمة : أنا يا رسول اللَّه ، فلما دنا أحدهم من صاحبه بادر مرحب بالسيف فاتقاه مُحَمَّد بْن مسلمة بدرقته فوقع سيفه فيها وعضت به الدرقة فأمسكت ، فضربه مُحَمَّد بْن مسلمة فقتله ، ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلًا يقاتل فمر ورجع ولم يكن فتحًا ، ثم بعث آخر يقاتل فمر ورجع ولم يكن فتحًا ، وحمى الحرب بينهم وتقاعسوا ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب اللَّه ورسوله ، ويحبه اللَّه ورسوله ، يفتح اللَّه على يديه ليس بفرار ؛ فلما أصبح دعا عليًّا وهو أرمد ، فتفل في عينيه فبرأ ، ثم قال : " خذ هذه الراية ، واقبض بها حتى يفتح اللَّه عليك " ، فخرج علي يهرول والمسلمون خلفه حتى ركز رايته في رضم من حجارة ، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن ، وقال : من أنت ، فقال : أنا علي بْن أبي طالب ، فقال اليهودي : علوتم وما أنزل على موسى ، فلم يزل علي يقاتل حتى سقط ترسه من يده ، ثم تناول بابا صغيرا كان عند الحصن فاترس به ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح اللَّه عليه ، ثم ألقاه من يده . فلما أيقن اليهود بالهلكة سألوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحقن دماؤهم وأن يسيرهم ، ففعل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك فنزلوا على ذلك ، وقالوا : يا مُحَمَّد ! إنا نحن أرباب الأموال ، ونحن أعلم بها منكم فعاملناها ، فعاملهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخيبر على النصف ، فلما فعل ذلك أهل خيبر ، سمع بذلك أهل فدك ، بعث إليهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محيصة بْن مسعود ، فنزلوا على ما نزلت عليه اليهود بخيبر على أن يسيرهم ويحقن دماؤهم ، فعاملهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مثل معاملة أهل خيبر ، فكانت فدك لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالصة ، وذلك أنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب . وقسم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر على ألف وثمانمائة سهم ، وكان الرجال بها ألفًا وأربعمائة ، والفرس مائتي فرس ، فقسم للفارس ثلاثة أسهم ، سهمين لفرسه ، وسهمًا له ، وللرجل سهمًا ، فكان للأفراس أربعمائة ، ولركابها ولرجالهم ألف وأربعمائة سهم ، وكان سهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع عاصم بْن عدي . ثم أطعم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجالًا مشوا بين رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين أهل فدك في الصلح ، وأعطى محيصة بْن مسعود ، ثلاثين وسقًا من شعير وثلاثين وسقًا من تمر . وقسم سهم ذوي القربى من خيبر علي بني هاشم ، وبني المطلب ، فكانت قسمة خيبر على ما وصفنا ، وكانت صفية بنت حي بْن أخطب في السبي أخرجوها من حصن القموص ، فاصطفاها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنفسه ، وسئل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن آنية المشركين ، فقال : اغسلوها وكلوا فيها وأطعموا وأطعم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسعًا من نسائه اللاتي توفي وهن عنده تسعمائة وسق تمر ومن القمح مائة وثمانين وسقًا . فلما فرغوا من الغنائم وقسمها ، أكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية ، فأمر مناديًا فنادى في الناس : إن اللَّه ورسوله ينهياكم عن المتعة ، وأمر بالقور أن تكفأ . ثم قام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم خطيبًا فقال : " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره ، يعني : إتيان الحبائل من السبايا ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة ثيبًا من السبي حتى يستبرئها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من غنيمة المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبًا من في المسلمين حتى إذا أخلقه رده ، ثم اطمأن الناس . وأهدت زينب بنت الحارث امرأة سلام بْن مشكم لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاة وأكثرت فيها من السم ؛ فلما وضعته بين يدي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم " ، ثم دعاها فاعترفت ، فقال : ما حملك على ذلك ؟ فقالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر ، فتجاوز عنها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان بشر بْن البراء بْن معرور يأكل مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكل منها قطعة ، وكان ذلك سبب موته . وقتل من المسلمين بخيبر : ربيعة بْن أكثم بْن سخبرة ، وثقف بْن عمرو بْن سميط ، ورفاعة بْن مسروح ، وعبد اللَّه بْن الهبيب ، ومسعود بْن قيس بْن خلدة ، ومحمود بْن مسلمة بْن خالد بْن عدي بْن مجدعة ، وأبو الضياح بْن ثابت بْن النعمان بْن أمية ، ومبشر بْن عَبْد المنذر بْن الزبير بْن زيد بْن أمية بْن سفيان بْن الحارث بْن حاطب ، وعروة بْن مرة بْن سراقة ، وأوس بْن القائد ، وأنيف بْن حبيب ، وثابت بْن أثلة ، وعمارة بْن عقبة بْن حارثة بْن غفار ، وبشر بْن البراء بْن معرور ، وكان سبب موته أكله من الشاة المسمومة . وعند فراغ المسلمين من خيبر قدم جعفر بْن أبي طالب من أرض الحبشة ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " والله ما أدري بأي الأمرين أنا أشد فرحًا : بفتح خيبر ، أو قدوم جعفر " ، ثم قام إليه فقبل ما بين عينيه ، فلما فرغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سار إلى وادي القرى ، فحاصر أهله ليالي ومع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلام له أهداه رفاعة بْن زيد الجذامي ، فبينما هو يضع رحل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ أتاه سهم غرب فقتله ، فقال المسلمون : هنيئًا له الجنة ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كلا والذي نفسي بيده ، إن شملته الآن تحترق عليه في النار " ، وكان غلها من فيء المسلمين ، فسمعها رجل من أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : يا رسول اللَّه ! أصبت شراكين لنعلين لي ، وقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يبدلك اللَّه مثلها في النار " ، ثم أستأذن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحجاج بْن علاط السلمي ، وقال : يا رسول اللَّه ! إن لنا مالًا بمكة فأذن لي ، فأذن له ، فقال : يا رسول اللَّه ! وأن أقول ، قال : فقل ؛ قدم الحجاج بمكة وإذا قريش بثنية البيضاء يستمعون الأخبار ، وقد بلغهم أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد سار إلى خيبر ، وقد كانوا عرفوا أنها أكثر أرض الحجاز ريفًا ، ومنعه ، ورجالًا ، فلما رآه قالوا : يا حجاج ! أخبرنا فإنه قد بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر ، فقال الحجاج : عندي من الخبر ما يسركم ، قالوا : ما هي يا حجاج ؟ فقال : هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط ، وأسر مُحَمَّد أسرا فقالوا : لن نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان قتل من رجالهم ؛ فقاموا وصاحوا بمكة جاءكم الخبر ، وهذا مُحَمَّد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم ، فقال الحجاج : أعينوني على مالي بمكة ، وعلى غرمائي فإني أقدم خيبر فأصيب من فيء مُحَمَّد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار . فلما سمع العباس بْن عَبْد المطلب الخبر أقبل ، حتى وقف على جنب الحجاج بْن علاط قال : يا حجاج ! ما هذا الخبر الذي جئتنا به ؟ ! قال : وهل عندك تحفظًا لما وضعت عندك ، قال : نعم ، قال : استأخر عني حتى ألقاك على خلاء فإني في جمع مالي كما ترى ، فانصرف حتى إذا فرغ الحجاج من جمع ماله وأراد الخروج لقي العباس ، فقال : احفظ علي حديثي فإني أخشى الطلب ، قال : أفعل ، قال : والله إني تركت ابْن أخيك عروسًا على ابنة ملكهم صفية بنت حي ، ولقد افتتح خيبر فصارت له ولأصحابه ، قال : ما تقول يا حجاج ؟ قال : إي والله فاكتم علي ثلاثًا ، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقًا من أن أغلب عليه ، فإذا مضى ثلاث فأظهر أمرك فإن الأمر والله على ما تحب . ثم خرج الحجاج بماله فلما كان اليوم الثالث من خروجه لبس العباس حلة وتخلق ، وأخذ عصاه ثم خرج حتى طاف بالكعبة ؛ فلما رأوه قالوا : يا أبا الفضل ، هذا والله التجلد لحر المصيبة ، قال : كلا والذي حلفتم به ، لقد افتتح مُحَمَّد خيبر ، وأصبح عروسًا على ابنة ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها ، قالوا : من جاء بهذا الخبر ؟ قال : الرجل الذي جاءكم بما جاءكم به ، ولقد دخل عليكم وأخذ ماله وانطلق فلحق برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليصحبه ويكون معه ، قالوا : يا لعباد اللَّه انفلت عدو اللَّه ! والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ، فلم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك ، وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رجوعه من خيبر إلى المدينة نزل بعض المنازل ، ثم قال : " من يكلؤنا الليلة " ، فقال بلال : أنا يا رسول اللَّه ، فنزل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالناس وناموا ، وقام بلال يصلي فصلى ما شاء اللَّه أن يصلي ، ثم استند إلى بعيره ، واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عيناه فلم يوقظهم إلا حر الشمس وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول أصحابه هبا ، فقال : " ماذا صنعت يا بلال ؟ " فقال : يا رسول اللَّه ! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ، قال : " صدقت " ؛ ثم اقتاد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعيره غير كثير ، ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس معه ، ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة فصلى بالناس ، فلما سلم أقبل على الناس فقال : " إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها ، فإن اللَّه يقول : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي سورة طه آية 14 " . ثم قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ، وأبو هُرَيْرَةَ أسلم وقدم المدينة والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخيبر وعليها سباع بْن عرفطة الغفاري ، فصلى مع سباع الغداة في مسجد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمعه يقرأ : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا الآية ، وكان عمرو بْن أمية الضمري خطب أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى النجاشي لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم بأرض الحبشة حيث حمل كتاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فزوجها النجاشي من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مهر أربعمائة من عنده ، وكان الذي زوجها خالد بْن سعيد بْن العاص ، وبعثها النجاشي مع من بقي من المسلمين بأرض الحبشة إلى المدينة في سفينتين ، فلما بلغوا الجار ركبوا الظهر حتى قدموا على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند انصرافه من خيبر ، ورد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته على أبي العاص بْن الربيع بالنكاح الأول ، وقدم عمرو بْن العاص زائرًا لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومسلمًا عليه من عند النجاشي ، وكان قد أسلم بأرض الحبشة ومعه عثمان بْن طلحة العبدري ، وخالد بْن الوليد بْن المغيرة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشير بْن سعد سرية إلى بني مرة في ثلاثين رجلًا ، فقتلوا ورجع وحده إلى المدينة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر الصديق سرية إلى نجد ومعه سلمة بْن الأكوع ، وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غالب بن عَبْد اللَّه الليثي إلى بني الملوح في رمضان في مائة وثلاثين رجلًا ، فأغاروا عليهم واستاقوا النعم والشاه وجاءوا بها إلى المدينة ، ونذروا لخروج العدو خلفهم ، فجاء السيل ، وحال الوادي بينهم وبين المسلمين ، ورجعوا إلى المجينة بالغنائم . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمر بْن الخطاب سرية في ثلاثين رجلًا إلى أرض هوازن ، فخرج معه بدليل من بني هلال ، فكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار حتى ملكوا هوازن ونذر القوم وهربوا ، ولم يلق عمر كيدًا ، ثم رجع . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشير بْن سعد إلى جناب في شوال معه حسيل بْن نوبرة ، فأصابوا نعمًا ، وانهزم جمع عيينة بْن حصين إلى المدينة . ثم أراد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعتمر في ذي القعدة عمرة القضاء لما فاتهم من العام الأول من عمرة الحديبية ، وعزم أن ينكح ميمونة فبعث أبا رافع ورجلًا من الأنصار من المدينة إلى ميمونة ليخطبها له ، ثم أحرم وساق سبعين بدنة في سبعمائة رجل ، واستعمل على المدينة ناجية بْن جندب الأسلمي ، وتحدثت قريش أن محمدًا وأصحابه في عسر وجهد وحاجة ، فقدم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة ، وعبد اللَّه بْن رواحة أخذ بخطام ناقته يقول : خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله أعرف حق اللَّه في قبوله نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله واصطفت قريش عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد اضطبع بردائه ، وأخرج عضده اليمني وقال : " رحم اللَّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة ، ثم استلم الركن فخب ثلاثًا ومشى أربعًا ، وخب المسلمون منه ، واستلم الركن ، وهرول بين الصفا والمروة ليرى المشركون أن به قوة ، ثم حلق ونحر البدن ، فكانت البدنة عن عشرة ، وأقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة ثلاثًا ، وتزوج ميمونة بها ، وهي حل ، وهو حرام ، فأتاه حويطب بْن عَبْد العزى بْن أبي قيس بْن عَبْد ود في نفر من قريش قد وكلته بإخراج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة ، وقالوا : إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا ، فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة بالمسلمين ، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف فبنى بها وهما حلالان ، ثم رجع إلى المدينة ، ثم بعث صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد رجوعه من مكة بخمسين رجلًا ابْن أبي العوجاء السلمي في سرية إلى بني سليم ، فلقيهم بنو سليم على حرة فأصيب أصحابه ، ونجا هو بنفسه فقدم المدينة .