21 أَخْبَرَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَعْشَرٍ ° بِحَرَّانَ ، ثنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ° ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ° ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ أُسِرَ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ ، يَقُولُ : " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ " فَيَقُولُ : إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ لا تَمُنَّ ، وَإِنْ تَمُنَّ تَمُنَّ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَرُدَّ الْمَالَ تُعْطَ ، قَالَ : فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّونَ الْفِدَاءَ ، وَيَقُولُونَ : مَا نَصْنَعُ بِقَتْلِ هَذَا ؟ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فَاغْتَسَلَ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَسُنَ إِسْلامُ صَاحِبِكُمْ "
قال : في أول هذه السنة بعث رسول صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة إلى القرطاء ، فأخذ ثمامة بن أثال الحنفي فأمر به فربط بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ما عندك يا ثمامة " ؟ فقال : عندي يا محمد خير ، إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فتركه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى كان من الغد ثم قال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال له مثل ذلك ؛ فتركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد ، فقال له : ما عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلت لك ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أطلقوا ثمامة " . فأطلق فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم دخل فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يا محمد ! ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك ، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إلي ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ، فقد أصبح اليوم بلدك أحب البلاد إلي ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فما ترى ؟ فبشره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمره أن يعتمر ؛ فلما قدم مكة قال له قائل : صبوت ، قال : لا ولكني أسلمت مع محمد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عكاشة بن محصن الأسدي سرية الْغَمْر ، فنذر به القوم فهربوا ، فنزل على مياههم وبعث الطلائع ، فأصابوا عينا فدلهم على ماشيتهم ، فساقوا مائتي بعير إلى المدينة . ثم كسفت الشمس فصلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الكسوف ، وقال : " إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتموهما فصلوا " . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة ، وهي بلاد بني ثعلبة وأنمار ، فصلوا المغرب ، وخرج أبو عبيدة في أربعين رجلا ، فساروا ليلتهم حتى أتوا ذا القصة عند الصبح ، فأغاروا عليهم وهربوا في الجبال ثم قدموا المدينة ، فخمس رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغنيمة ، وقسم ما بقي على أصحابه . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في عشرة أنفس ، فخرج مائة من المشركين فكمنوا ، فلما نام المسلمون خرجوا عليهم فقتلوهم ، وانفلت محمد بن مسلمة جريحا وحده . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم ، فأصاب نعما وشاء وأسراء ، ثم سبق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الخيل فكان أول سباق بالمدينة . ثم سبق في الخف فكانت العضباء لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقه ، فشق ذلك على المسلمين ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حق على الله أن لا يرتفع شيء في الدنيا إلا وضعه " . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد بن حارثة سرية إلى الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا ، فتحسس الأعراب أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سار إليهم فانهزموا ، وأصاب المسلمون عشرين بعيرا من نعمهم ورجعوا إلى المدينة . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضا زيد بن حارثة إلى العيص ، فأسر جماعة منهم أبو العاص بن الربيع ، فاستجار بزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم فأجارته . ثم بعث رسول صلى الله عليه وسلم زيدا أيضا إلى حِسمى ، فرجع منها بنعم وسبي . ثم تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح ، وهي أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، فولد له منها عاصم بن عمر فطلقها عمر ، فتزوج بها بعده زيد بن حارثة فولد له عبد الرحمن بن زيد فهو أخو عاصم بن عمر لأمه . ثم كانت سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى فدك في مائة رجل إلى حي من بني سعد بن بكر . ثم كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل فعممه النبي صلى الله عليه وسلم بيده ، وقال : " إن أطاعوا الله فتزوج ابنة ملكهم " . فأسلم القوم فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ ، وكان أبوها ملكهم . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرحمن بن عوف في ثلاثة أنفس لينظر إلى خيبر وما عليها أهلها ، فمضى وجاءوا إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالخبر . ثم أجدب الناس جدبا شديدا في أول شهر رمضان ، فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستسقي بهم فصلى ركعتين وجهر بالقراءة ، ثم استقبل القبلة وحول رداءه . ثم بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد بن حارثة سرية إلى أم قرفة ، فسبى سلمة بن الأكوع وزيد بن حارثة بنت مالك بن حذيفة وجدها في بيت من بيوتهم ، وأمها أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني لحيان حتى بلغ أمَج ، وبين أمج وعسفان بلد لهم يقال له ساية ، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أخطأهم ، خرج في مائتي راكب من المسلمين وهو صائم وهم صوام حتى بلغ عسفان وبلغ كراع الغميم فأفطر وأفطر المسلمون معه ، ثم رجع ولم ير كيدا ، وجعل يقول في رجوعه : " آيبون تائبون عابدون ولربنا حامدون ، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ، والحور بعد الكور ، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد " . فلما قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وأقام أياما ، أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الغزاري في خيل من غطفان على لقاح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالغابة وفيها رجل من بني غفار وامرأة ، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة واللقاح ، فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أثرهم حتى بلغ ذا قرد ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وتلاحق به الناس ، وأقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذي قرد يوما وليلة ، وصلى بهم صلاة الخوف ثم رجع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قافلا إلى المدينة ، وانقلب عيينة بمن معه ، وكانت سرح المسلمين بالمدينة بذي قرد ، فقدم ثمانية نفر من عرينة فأسلموا ، فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى السرح ، فشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم كرز بن جابر الفهري سرية في شوال في عشرين راكبا معهم قائفا ، فأحدقوا بهم حتى أخذوهم وجاءوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا قد ارتدوا ، وقطعوا أيدي الرعاة وأرجلهم ، وسملوا أعينهم كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وطرحوا في الحرة يستقون فلا يُسقون . ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة بني المصطلق ، وذلك أنه بلغه أن بني المصطلق تجمعوا وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث ، فلما سمع بهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل ، فتزاحف الناس واقتتلوا ، فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ، ونفل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبناءهم ونساءهم وأموالهم ؛ لما قسم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه . فأتت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تستعينه في كتابتها ، فقالت : يا رسول الله ! أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت في سهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي ، قال : " وهل لك في خير من ذلك " ، قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : " أقضي كتابتك وأتزوجك " . قالت : نعم يا رسول الله ، قال : فعلت . وخرج الخبر إلى الناس أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج جويرية بنت الحارث ؛ فقال الناس : أصهار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فأرسلوا ما بأيديهم ، فلقد أعتق وأطلق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها . ثم أقبل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريد المدينة ، وكانت عائشة تحمل في هودج ، فنزلوا منزلا فمشت عائشة لحاجتها حتى جاوزت الجيش ، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فإذا عقد لها من جزع ظفار قد انقطع ، فرجعت تلتمس عقدها ، وحبسها ابتغاؤه ، فأذن بالرحيل ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونها فاحتملوا هودجها على بعيرها الذي كانت تركب عليه ، وهم يحسبون أنها فيه ، وكانت النساء إذ ذاك خفافا ، وساروا ؛ فرجعت عائشة بعدما رحل الجيش ، فجاءت منازلهم فإذا ليس بها داع ولا مجيب ، فأمت منزلها التي كانت فيه وعلمت أنهم سيفقدونها ، فبينا هي جالسة إذ غلبت عينها عليها ، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش ، فأدلج فأصبح عند منزلها ، فرأى سواد إنسان نائم فعرفها حين رآها ، وكان رآها قبل أن ينزل الحجاب ، فاستيقظت عائشة باسترجاعه حين عرفها ، فخمرت عائشة وجهها بجلبابها ، وما كلمها حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقامت إليه فأركبها ، وانطلق يقود الراحلة حتى أتى الجيش فوجدهم موغرين في نحر الظهيرة ، فهلك فيها من هلك وكان الذي كبره عبد الله بن أبي بن سلول . فلما قدموا المدينة لبثت عائشة شهرا والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك وهي لا تشعر بشيء من ذلك ، فكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتيها فيسلم عليها ، ويقول : " كيف تيكم " . وينصرف ، وكان تراها ذلك من رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فخرجت ذات ليلة مع أم مسطح قبل المناصع ، وكانت متبرزهم قبل أن تتخذ الكنف ، فلما فرغتا من شأنهما عثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ! فقالت لها عائشة : بئس ما تقولين ، تسبين رجلا من أهل بدر ؟ فقالت : أي هنتاه ! ألم تسمعي ما قال ؟ قالت عائشة : لا ، فأخبرتها بقول أهل الإفك فازدادت مرضا ؛ فلما دخل عليها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : ائذن لي أن آتي إلى أبوي ، فأذن لها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا أبتاه ماذا يتحدث الناس ؟ قال : يا بنتي هوني عليك ! فوالله لقل ما كانت امرأة قط عند رجل يحبها لها ضرار إلا أكثرن عليها ، فبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم . فلما أصبح دعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالذي يعلم من براءة أهله , وقال : أهلك لا نعلم إلا خيرا ، وأما علي فقال : يا رسول الله ! لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك ، فدعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بريرة ، فقال : " أي بريرة ! هل رأيت من أهلي شيئا يريبك " ؟ قالت بريرة : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها شيئا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين فتأتي الداجن فتأكله . فقام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من يومه ، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول وهو على المنبر , فقال : " يا معشر المسلمين ! من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما يدخل على أهلي إلا معي " ، فقال أسيد بن حضير : يا رسول الله ! أنا أعذر منه فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ؛ وكاد أن يكون بين الأوس والخزرج قتال بهذه الكلمة ، فلم يزل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخفضهم حتى سكتوا ، وبكت عائشة يومها ذلك كله ، فبين أبواها جالسين عندها وهي تبكي ، إذ استأذنت عليها امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معها . ثم دخل رسول الله صلى الله عليه ثم جلس ثم تشهد حين جلس ، ثم قال : " أما بعد يا عائشة ! فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه " ، فلما قضى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسست منها بقطرة ، وقالت لأبيها : أجب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما قال ، فقال أبو بكر : والله ما أدري ما أقول ! فقالت لأمها : أجيبي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما قال ، قالت : والله ما أدري ما أقول ! فقالت عائشة : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم ، فلو قلت لكم : إني بريئة لا تصدقوني بذلك ، وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة تصدقوني ، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ على مَا تَصِفُونَ سورة يوسف آية 18 ، ثم تحولت عائشة واضطجعت على فراشها ؛ فما راح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه الوحي ، فأخذه ما كان يأخذه من الرحضاء ، حتى إنه ينحدر منه العرق مثل الجمان وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، فسرى عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لها : " يا عائشة ! أما والله فقد برأك " . فقالت لها أمها : قومي إليه ، فقالت : لا والله ما أقوم وإني لا أحمد إلا الله ، وأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ سورة النور آية 11 ، إلى تمام العشر الآيات ؛ فلما أنزل الله هذه الآيات ، قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة ؛ فأنزل الله : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى سورة النور آية 22 الآية ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله ، والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : لا أنتزعها منه أبدا . وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم حد أصحاب الإفك الذين رموا عائشة فيما رواه . ثم كانت غزوة الحديبية . خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه ألف وثمانمائة رجل وسبعون بدنة ، فأحرم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه من ذي الحليفة ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وساق أبو بكر بدنا ، وطلحة بدنا ، وسعد بن عبادة بدنا ، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غدير عسقان ذات الأشطاط لقيه بسر بن سفيان الكعبي ، فقال : يا رسول الله ! هذه قريش سمعت بك وخرجت قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدا ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يا ويح قرش ! لقد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ! فإن أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وآووني ، ووالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله عليه حتى يظهرني الله " . ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية ، فلما بلغ صلى الله عليه وسلم ثنية المرار بركت ناقته ، فقالوا : خلأت القصواء ، فقال : " ما خلأت القصواء وما هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، والله لا يدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها " . ثم قال للناس : " انزلوا " . فقالوا : يا رسول الله ! ما بالوادي ما ينزل عليه الناس ، فأخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب ، فغرزه في جوفه فجأش بالرواء حتى ضرب الناس بعطن . فلما اطمأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كقوله لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش ، فقالوا : يا معشر قريش ! إنكم تعجلون على محمد ، إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت ، فقالوا : وإن جاء لذلك فلا والله لا يدخلها علينا عنوة ، ولا تتحدث بذلك العرب ثم بعثوا مكرز بن حفص بن الأحنف أحد بني عامر بن لؤي ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " هذا رجل غادر " . فلما انتهى إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلمه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنحو ما كلم به أصحابه ، فرجع إلى قريش وأخبرهم بذلك . فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني ، وهو يومئذ سيد الأحابيش ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن هذا من قوم يتألهون ، فابعثوا الهدي في وجهه " . فلما رأى الهدي يسير عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس رجع إلى قريش ، فقال : يا معشر قريش ! قد رأيت ما لا يحل صد الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله ، فقالوا : اجلس لا علم لك . وبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة وحمله على جمل يقال له الثعلب ، فلما دخل مكة أراد قريش قتله فمنعه الأحابيش ، حتى أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمر بن الخطاب ليبعث إلى مكة ، فقال : يا رسول الله ! إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس لي بها من بني عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان ؛ فدعاه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعثه إلى قريش ليخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته ، فخرج عثمان بن عفان حتى أتى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وأجاره حتى بلغ رسالة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وانطلق حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش ، فبلغ عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أرسله به فقالوا لعثمان : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به ، فقال عثمان : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم رجع عثمان . وبعث قريش سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ، وقالوا : ائت محمدا وصالحه ، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا ، فأتى سهيل بن عمرو فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " قد أراد القوم الصلح حتى بعثوا هذا الرجل " . فلما انتهى إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلم فأطال الكلام وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر ، فقال : يا رسول الله ألست برسول الله أو لسنا بالمسلمين أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : " بلى " ، قال : فلم نعطى الدنية في ديننا ، قال : " أنا عبد الله ورسوله " . ثم دعا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب ، فقال : اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، فقال سهيل : لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم ، وقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اكتب باسمك اللهم " . هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو ، فقال : لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله اسمك واسم أبيك . فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اكتب محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو " . فكتب محمد بن عبد الله " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن بهذا الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، على أنه من أتى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أصحابهم بغير إذن وليه رده عليهم ، ومن جاء قريشا ممن مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يردوه وأنه لا أسلال ولا أغلال " . فلما فرغ من الكتاب وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل ، قام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : " يا أيها الناس ! انحروا واحلقوا " . فما قام رجل من المسلمين فدخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أم سلمة ، فقال : " يا أم سلمة ! ما شأن الناس " . قالت له : يا رسول الله ! قد أحل بهم ما رأيت ، كأنهم كرهوا الصلح ، فاعمد إلى هديك حيث كان وانحر واحلق ، فإنك لو فعلت ذلك فعلوا ، فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحرها ثم جلس فحلق ، فقام الناس ينحرون ويحلقون فحلق رجال منهم وقصر آخرون ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يرحم الله المحلقين " . قالوا : يا رسول الله والمقصرين ، قال : " والمقصرين " . قالوا : ما بال المحلقين يا رسول الله ذكرت لهم الترحم ، قال : " لأنهم لم يشكوا " ، أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البيعة على الناس تحت الشجرة هناك أن لا يفروا ، فبايعه الناس غير الجد بن قيس ، اختبأ تحت إبط بعيره فذلك قول الله عز وجل : إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سورة الفتح آية 18 ، وقال صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبة " . ثم انصرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت عليه سورة الفتح : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا سورة الفتح آية 1 ، إلى آخر السورة فما فتح في الإسلام فتح أعظم من نزول هذه السورة . ثم قدم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ، وكانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها ، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا واستفاضوا ، ولا يكلم أحد بالإسلام يعقل عنه إلا دخل فيه ، حتى دخل فيه في تلك السنة من المسلمين قريبا مما كان قبل ذلك ، وفي هذه العمرة أصاب كعب بن عجرة أذى في رأسه ، فأمره رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلق ويذبح شاة ويصوم ثلاثة أيام ، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين مدين . وأهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش فرده ، وقال : " لم نرده ولكنا حرم " . وفي هذه العمرة صلى بهم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصبح في إثر سماء في الحديبية ، فلما انصرف أقبل عليهم بوجهه ، فقال : " أتدرون ما قال ربكم " ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " يقول : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ؛ وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب " . وفي هذه العمرة أصاب الناس عطش شديد فحبسوا ، فوضع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده في الركوة ، فثار الماء مثل العيون فتوضئوا منها ورووا . ثم غزا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة ذي قرد . خرج سلمة بن الأكوع ومعه غلام له يقال له رباح مع الإبل ، فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقتل راعيها ، وجعل ينظر في أناس معه في خيل ، فقال سلمة لرباح : اركب هذا الفرس ، وأخبر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قد أغير على سرحه ، ثم قام سلمة على تل وجعل وجهه قبل المدينة ثم نادى ثلاث مرات ، وكان صيتا : يا صباحاه ! ثم أتبع القوم ومعه سيفه ونبله فجعل يرميهم ، وذلك حين كثر الشجر ، فإذا كر عليه الفارس جلس له في أصل شجرة ثم رماه ولا يظفر بفارس إلا عقر فرسه فجعل يرمي ويقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع وإذا كان كثر الشجر رشقهم بالنبل ، فإذا تضايقت الشجرة علا الجبل ورماهم بالحجارة ، فما زال ذلك دأبه ودأبهم يرتجز حتى ما بقي من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم إلا استنقذه من أيديهم وخلفه وراء ظهره ، ثم لم يزل يرميهم حتى طرحوا أكثر من ثلاثين بردة يستخفون بها ، فكلما ألقوا شيئا جمع عليه سلمة ، فلما اشتد الضحى أتاهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري ممدا لهم ، وهم في ثنية ضيقة في علوة الجبل ، فقال لهم : ما هذا الذي أرى ، قالوا : لقد لقينا من هذا يعنون سلمة ما فارقنا منذ سحر حتى الآن ، وأخذ كل شيء من أيدينا وخلفه وراءه . فقال عيينة : لولا أن هذا يرى وراءه طلبا لقد ترككم ، فليقم إليه نفر منكم ، فقام إليه نفر منهم أربعة ، وصعدوا في الجبل ، فقال لهم سلمة : أتعرفوني ؟ قالوا : ومن أنت ؟ قال : ابن الأكوع ، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يطلبني رجل منكم فيدركني ، ولا أطلبه فيفوتني ، فبينا سلمة يخاطبهم إذ نظر فرأى أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحقوا يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي ، وعلى أثره أبو قتادة ، وعلى أثره المقداد الكندي ، فولى المشركون مدبرين فنزل سلمة من الجبل ، وقال : يا أخرم ! احذر القوم فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه . قال : يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ، ثم أرخى عنان فرسه ولحق بعبد الرحمن بن عيينة ، ويعطف عليه عبد الرحمن واختلف بينهما طعنتان ، فقتله عبد الرحمن وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ، فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن واختلف بينهما طعنتان فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة ، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ثم خرج سلمة يعدو في أثر القوم حتى ما يرى من غبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا فلم يقرب غيبوبة الشمس ، وقرب المشركون من شعب فيه ماء ، يقال له : ذو قرد ، فأرادوا أن يشربوا منه ، فالتفتوا فأبصروا سلمة وراءهم ، فعطفوا عن الماء وشدوا في الثنية وغربت الشمس ، فلحق سلمة رجل منهم فرماه بسهم ، قال خذها : وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع قال : يا ثكل أمياه أكوع بكرة ؟ قلت : نعم ، أي عدو نفسه ! وكان الذي رماه بكرة وأتبعه سهما آخر فأثبت فيه سهمين وخلفوا فرسين فجاء بهما يسوقهما ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الماء الذي خلفهم عند ذي قرد ، وإذا بلال قد نحر جزورًا مما خلفه بسهمه وهو يشوي لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كبدها وسنامها ، فقال سلمة : يا رسول الله ! خلني فأنتخب من أصحابك مائة رجل وأتبع الكفار حتى لا يبقى منهم مخبر إلا قتلته ، قال : " أكنت فاعلًا ذلك " ؟ قال : نعم والذي أكرم وجهك ، فضحك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بدت نواجذه ، فجاء رجل من غطفان فقال : مر المشركون على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا ثم خرجوا هرابًا ، فلما أصبح رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف إلى المدينة وجعل يقول : " خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة " . فأعطى سلمة ذلك اليوم سهم الراجل والفارس جميعًا . ثم إن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أردفه وراءه على العضباء ، فلما كان بينهم وبين المدينة قريب وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يُسبق فجعل ينادي : هل من مسابق ! ألا رجل يسابق إلى المدينة ، فقلت : يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل ، قال : " إن شئت " . قلت أذهب إليك ، فطفر عن راحلته ، وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ، ثم إني ربطت عليه شرفًا أو شرفين ، يعني : استبقيت نفسي ثم عدوت حتى لحقته ، فأصكه بين كتفيه بيدي ، وقلت : سبقت والله حتى قدمنا المدينة . ثم توفيت أم رومان امرأة أبي بكر الصديق أم عبد الرحمن وعائشة في ذي الحجة .